لماذا انهارت قسد بهذه السرعة.. وكيف خسرت رهاناتها؟
الغد
عواصم - في السادس من الشهر الماضي اندلعت اشتباكات في حلب بين قوات أمن الدولة السورية الجديدة ومسلحين يتحصنون في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، يتبعون قوات سورية الديمقراطية (قسد) ذات القيادة الكردية.
لم يكن اندلاع الاشتباكات مفاجئًا؛ ذلك أن المسلحين في الحيَّين لم يتوقفوا عن تصعيد التوتر من وقت لآخر في المدينة السورية الأكثر سكانًا في البلاد والمركز الصناعي والاقتصادي الأكبر والأهم.
والأرجح أن قيام مسلحي الأشرفية والشيخ مقصود بإطلاق النار على قوات الأمن المتمركزة في أطراف الحيين كان مدفوعًا هذه المرة بسعي قيادات قسد، وثيقة الصلة بحزب العمال الكردستاني، للضغط على دمشق، ومنع تطبيق اتفاق 10 آذار (مارس) 2025 بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي.
ما لم يضعه دعاة التمرد والانقسام في قسد وحزب العمال في الحسبان أن عودتهم إلى العبث بأمن حلب سيؤدي إلى سلسلة من التداعيات، التي بدأت بخروج مسلحيهم كلية من المدينة بعد 5 أيام فقط من اندلاع الاشتباكات، وإلى اندفاع قوات الجيش السوري لاستعادة السيطرة على كل المنطقة في ريف حلب الشرقي، وإلى إصدار الرئيس السوري مرسومًا يسحب من الأطراف الكردية مبرراتها الانفصالية، وإلى توقيع مظلوم عبدي، عن بُعد، في مساء 18 كانون الثاني (يناير)، اتفاقًا جديدًا مع الرئيس الشرع، هو أقرب إلى الاستسلام.
ما الذي حدث في سورية في أسبوعي المواجهة بين قسد والدولة السورية الجديدة؟ كيف ولماذا انهارت قوات قسد، وتهشَّمت صورتها الأسطورية، بهذه السرعة؟ وهل سيضع الاتفاق، وما تلاه من تفاهمات، بين مظلوم عبدي والشرع، نهاية لملف الانقسام والتمرد الذي قادته قسد في سورية منذ 2014؟
من حلب إلى الجزيرة السورية
وصل مظلوم عبدي على رأس وفد من قيادة قسد إلى دمشق، كانون الاول (ديسمبر) كان من المفترض أن يلتقي عبدي المسؤولين السوريين في دمشق لإجراء مباحثات، لكنه طلب تأجيلها إلى موعد لاحق، انتظارًا لنتائج زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، للولايات المتحدة ولقائه الرئيس دونالد ترامب في 29 من ذات الشهر.
كانت قيادات حزب العمال وقسد، التي بدأت اتصالات مع مسؤولين من الكيان الإسرائيلي المحتل منذ أوائل 2025، تأمل بأن يساعد نتنياهو على تغيير موقف إدارة ترامب من اتفاق 10 آذار (مارس)، وتأمين غطاء أميركي لوجود قسد واحتفاظها بمواقع سيطرتها.
ولأن نتنياهو فشل في إقناع ترامب بالتخلي عن سياسة دعم وحدة سورية واستقرارها، لم يجد عبدي مناصًا من العودة إلى دمشق. ولكن، وبخلاف المتوقع، لم ينجح اللقاء بين عبدي ومسؤولي الحكومة السورية في إحراز أي تقدم ملموس. والأرجح، أن الجناح الأكثر تشددًا في قسد، والذي تربطه بحزب العمال علاقات وثيقة، دفع إلى إشعال الموقف في حلب للتأكيد على انهيار الاتفاق، والمحافظة على سورية ساحة نشطة لحزب العمال الكردستاني، بعد أن كان الحزب قد انخرط فعلًا، بدعوة من مؤسسه عبد الله أوجلان، في عملية سلام وتخلٍّ عن العمل المسلح في تركيا.
لا شك أن سيطرة قسد على الأشرفية والشيخ مقصود ظلت مصدر قلق كبير للقيادة السورية منذ انهيار نظام الأسد، ليس فقط لأن مسلحي قسد لم يتوقفوا عن الإخلال بأمن المدينة التي تعد المركز الرئيس للاقتصاد السوري، بل أيضا لأن استمرار وجود تشكيل مسلح في أكبر مدن سورية يعمق الانطباع بعجز الدولة عن فرض سيادتها على أراضيها وشعبها، ويشجع قسد على المضي في مشروعها الانفصالي. لذلك، فإن فشل مباحثات دمشق، من ناحية، والعبث بأمن واستقرار حلب، من ناحية أخرى، دفعا القيادة السورية إلى العمل على حسم الموقف في الأشرفية والشيخ مقصود.
واستدعى الأمن السوري العشرات من العناصر الكردية السورية المنخرطة في صفوفه، إضافة إلى وحدات الجيش التي تضم جنودًا كردًا سوريين، للمساعدة على طمأنة أهالي الأشرفية والشيخ مقصود، الذين طُلب منهم إخلاء الحيين مؤقتًا إلى أن يتم إخراج المسلحين.
ولم تتطلب العملية الأمنية أكثر من خمسة أيام، قُتل خلالها عدد من مسلحي قسد وعناصر تابعة للنظام السابق كانوا يقاتلون إلى جانبهم، واستسلم عشرات آخرون. انتهت العملية، بعد أن تبين عجز المسلحين عن المقاومة، بإعلان قسد، في فجر 11 الشهر الماضي، عن إخلاء حلب من عناصرها، والموافقة على أن تقوم السلطات السورية بنقل من استسلم منهم إلى مناطق نفوذ القوات الكردية في شرق الفرات.
ولاحقا سيطرت قوات الجيش السوري على محافظتي دير الزور والرقة، وشرعت في تمشيط مواقع تمركز قسد السابقة.
وعلى الرغم من أن مظلوم عبدي كان قد وقَّع اتفاقًا جديدًا مع الشرع يقضي بوقف إطلاق النار وإخلاء محافظتي دير الزور والرقة، وعودة إدارات الدولة السورية إلى محافظة الحسكة، إلا أن مسلحي قسد في الجزيرة لم يكترثوا للاتفاق الجديد، ولم تشهد المحافظتان واقعة انسحاب واحدة دون ضغط عسكري من الجيش السوري.
ما قام به عناصر من قسد بإخلاء سبيل سجناء من الدواعش لم يكن في صالحهم، فقد أثار غضب الأميركيين.
المعارك مع الجيش السوري أظهرت هشاشة البنية العسكرية لقسد كما تداعت إرادة القتال لدى عناصرها، وهي التي طالما حاولت قيادتها إظهار نفسها بصورة الحارس الصلب للإدارة الذاتية.
وُلدت قسد، في 2015، باقتراح أميركي، لتوسيع نطاق وحدات حماية الشعب، التي كانت قد تشكلت في 2014 ذراعًا مسلحة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني (PYD)، الذي وُلد بدوره في 2003 بوصفه الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني.
خلال العامين الأولين من الثورة السورية، وقبل بدء التعاون مع الأميركيين، عملت قوات حماية الشعب على قمع القوى السياسية الكردية الأخرى في محافظة الحسكة، وأحكمت سيطرتها على معظم مدن وقرى الوجود الكردي.
ضمَّت قسد، بتشجيع وتمويل وتسليح أميركي، عشرات الآلاف من أبناء العشائر العربية في الجزيرة، وأعدادًا من السريان والآشوريين، وأقامت إدارة ذاتية في مناطق سيطرتها.
ولكن قيادة قسد ظلت كردية حصرًا، كما حافظت وحدات حماية الشعب على وضعها المركزي في التشكيلات العسكرية. بل إن حزب العمال الكردستاني أرسل عناصر قيادية من جبال قنديل إلى سورية لتأمين سيطرته على قرار قسد والإدارة الذاتية.
وبعد سقوط نظام الأسد، استقبلت منطقة السيطرة الكردية أعدادًا متزايدة من عناصر النظام وأجهزته الذين قاتل معظمهم إلى جانب وحدات قسد العسكرية.
لم تكن قسد منظمة عسكرية أيديولوجية نقية بل كانت أقرب إلى تجمع من القوى والأفراد الذين جاؤوا من خلفيات متنوعة وبدوافع مختلفة.
وليس ثمة شك في أن اتخاذ القوات الأميركية في المنطقة موقفًا محايدًا من المواجهة بين قسد وقوات الجيش السوري، تسبب في انهيار فادح في معنويات مقاتلي قسد، الذين اعتادوا الاعتماد على الدعم الأميركي الكبير في كافة مواجهاتهم السابقة مع تنظيم "داعش".
وهذا ما تسبب، في النهاية، في هشاشة تماسك قسد العسكري وانهيار قدرتها على القتال. في حلب، وفي ريفها، كما في الرقة وبعض المواقع في دير الزور.
كانت قلَّة فقط من العناصر الكردية المؤدلجة وبعض بقايا نظام الأسد من قاتلت الجيش السوري بصلابة وتصميم. بينما استسلمت أعداد كبيرة أو تركت مواقعها سريعًا وغادرت إلى الحسكة. وما إن بدأ الجيش السوري في عبور الفرات إلى الجزيرة حتى انقلبت العناصر العربية على قوات قسد الأخرى.
ولكن المؤكد أيضًا أن الطريقة التي أدارت بها القيادة السورية تعقيدات الأزمة، والمقاربة التي تبنَّتها سريعًا للملف الكردي، أسهمت بصورة مباشرة في عزلة قسد السياسية، سوريًّا وإقليميًّا ودوليًّا، وفي هزيمتها في نهاية المطاف.-(وكالات)