عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    29-Nov-2025

بين البيت والمدرسة.. هل تتسع فجوة التوعية بمرحلة البلوغ؟

 الغد-نمير عبدالله

 "اسألي ماما".. بهذه العبارة أنهت إحدى المعلمات حديثها مع طالبة سألت عن ما يحدث خلال الدورة الشهرية وتقلبات مزاجها الأخيرة.
عبارة بسيطة، لكنها تختصر واقعا متكررا في مدارسنا، حيث ما تزال موضوعات البلوغ والصحة الجسدية تدور في دائرة الحرج، رغم تخصيص حصص للتوعية الصحية والنفسية في المناهج.
 
 
تكتسب معظم الفتيات أولى معارفهن حول البلوغ من الأسرة، قبل أن تكمل المدرسة هذا الدور علميا، لكن التجربة تختلف من مدرسة لأخرى.
فبينما تعتمد بعض المدارس على محاضرات تقدمها طبيبات أو مرشدات تربويات، تتيح للطالبات طرح الأسئلة دون حرج، تكتفي مدارس أخرى بمعلومات سطحية، ويتجنب بعض المعلمات الخوض في التفاصيل، لتجد الفتاة نفسها تبحث عن الإجابات في الإنترنت أو بين صديقاتها، وربما تشعر بالحرج من مناقشة الأمر مع والديها.
تقول ضحى (اسم مستعار)، وهي طالبة في المرحلة الإعدادية: "المعلمات ما بحكوا ولا إشي، وبتهربوا من الإجابة عن أسئلتنا، وبيحكولنا اسألوا ماما"، وتضيف أن هذا الموقف المتكرر "يخلي البنات يستحوا يسألوا، ويحسوا إنه الموضوع عيب"، هكذا يتكون حاجز صمت غير معلن بين الطالبات والمعلمات، يترك الأسئلة المقلقة دون إجابة واضحة.
وفقًا لدراسة صادرة عن صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) في الأردن، ما زال الحديث عن الدورة الشهرية يعد من "الموضوعات المحرمة" في المجتمع، رغم أنها مرحلة طبيعية تمر بها النساء لمدة تصل إلى سبع سنوات من أعمارهن مجتمعة.
وبيّنت الدراسة أن 80 % منهن يلجأن إلى أمهاتهن أو شقيقاتهن عند مواجهة مشكلات تتعلق بالدورة الشهرية، مقابل 10 % فقط يخبرن آبائهن أو أزواجهن، فيما تتعامل نسبة مماثلة مع الأمر بصمت تام.
كما أظهرت نتائج الدراسة أن 90 % من المشاركات وصفن تجربة البلوغ بأنها صعبة ومحرجة ومخيفة وصادمة.
وأوضحت النتائج أن العديد منهن يشعرن بالحرج من الحديث عن آلام الدورة الشهرية ومضاعفاتها، خاصة في المدارس، حيث ترى معظم الطالبات أن هذه الموضوعات لا تناقش بشكل كاف أو مفتوح داخل الحصص أو الأنشطة التربوية.
تصف الاستشارية النفسية الأسرية والتربوية الدكتورة حنين البطوش مرحلة البلوغ بأنها "عاصفة من التغيّرات الهرمونية والجسدية والنفسية"، تؤثر بشكل مباشر في التوازن العاطفي للفتيات، وتوضح أن هذه المرحلة ترافقها تقلبات مزاجية حادة، واضطراب في الهوية والصورة الذاتية، إلى جانب حساسية مفرطة تجاه النقد والخوف من الرفض أو التنمّر.
وفي ظل ضعف الدعم النفسي في بعض المدارس، تشير البطوش إلى أن الفتيات قد يشعرن بالوحدة أو الانعزال، وربما تظهر عليهن علامات اكتئاب مقنّع، خاصة مع الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي التي تكرس صورا مثالية وتزيد من الضغط النفسي.
واتفقت المرشدة التربوية هاله القيسي مع البطوش في أهمية الدور المدرسي الداعم خلال هذه المرحلة الحساسة، موضحة أن "المدارس تضع مع بداية كل عام خطة إرشادية تتناسب مع الفئات العمرية المختلفة، تتضمن حصص توجيه جمعي للفتيات في سن البلوغ".
وتقول القيسي: "نركز على توضيح التغيرات الهرمونية والنفسية التي تمر بها الطالبة، وتعليمها أسس النظافة الشخصية وكيفية التعامل مع هذه المرحلة بطريقة صحية ومطمئنة".
وأوضحت أن بعضهن يتراجع تحصيلهن الدراسي نتيجة الصراعات الداخلية والمزاجية المفاجئة، لذلك تنفذ جلسات فردية وجماعية لمساندتهن، إضافة إلى توزيع منشورات توعوية والتواصل مع أولياء الأمور لضمان تكامل الجهود بين البيت والمدرسة.
كما توضح اختصاصية أمراض النساء والتوليد د.عايدة الشنطي أن سن البلوغ الطبيعي يتراوح بين 8 و14 عاما، وأي تغير خارج هذا النطاق يستدعي مراجعة الطبيب.
وتشير الشنطي إلى أن التغيّرات الهرمونية، التي تبدأ تؤثر على المزاج قبل فترة من بدء الحيض، ما يجعل الفتاة أكثر حساسية وعصبية.
وتنصح باستخدام الإيبوبروفين لتخفيف الآلام المرافقة في أول يومين، مع الراحة والمشروبات الدافئة، مؤكدة ضرورة أن تقدم هذه المعلومات من قبل مختصين، "فالمعلمون غير المدربين قد ينقلون مفاهيم خاطئة أو غير دقيقة".
وتشجع البطوش والقيسي على أن كسر حاجز الصمت حول مرحلة البلوغ يجب أن يبدأ من المنزل، عبر حوار هادئ ومبكر يشرح للفتيات معنى التغيّرات الجسدية والنفسية دون خوف أو وصم. 
وتؤكد البطوش أن الحديث عن البلوغ "هو جزء من التربية الصحية والنفسية السليمة"، مشددة على أن التوعية المبكرة تمنح الفتاة طمأنينة وثقة بجسدها.
كما دعت البطوش إلى إدماج التوعية ضمن برنامج مدرسي متدرّج، بدل أن تكون في حصة واحدة صادمة أو عابرة، بحيث تبنى المعرفة تدريجيا وتتاح مساحة للأسئلة والنقاش.
وفي السياق ذاته، أشارت الشنطي إلى أن التوعية يجب أن ترافقها جهود لمواجهة الصور النمطية المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال تعليم الفتيات تحليل الرسائل الإعلامية بعين نقدية، وتعزيز ثقتهن بأنفسهن وبأجسادهن كما هي.
وفي نهاية المطاف، لا يقتصر دور المدرسة على نقل المعرفة، بل على بناء وعي صحي إيجابي يجعل الفتيات ينظرن إلى البلوغ بوصفه علامة على النمو والنضج، لا سببا للارتباك أو الخجل.