عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Aug-2025

لماذا لن تنتهي حرب غزة

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
سيث كانتي* - (فورين بوليسي إن فوكَس) 5/8/2025
كانت مكانة إسرائيل العالمية في تدهور مطّرد طوال فترة حربها في غزة، لكن هذا التدهور أصبح بالغ الحدة في الأسابيع الأخيرة بشكل خاص.
 
 
لم يمنع حظر دخول الصحفيين الأجانب إلى القطاع صور المجاعة من اجتياح وسائل التواصل الاجتماعي. وأصبحت تقارير الأطباء عن استخدام المدنيين كأهداف للتدريب عناوين إخبارية رئيسية. وما تزال القنابل تنهال كالمطر على خيام المهجّرين.
الآن، خلص مفكرون إسرائيليون بارزون، وكتّاب، ومنظمات حقوقية، للمرة الأولى، إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة. ومع ذلك، لم يكن أي من هذا كافيًا لإيقاف الحرب. لماذا؟
على مدى نحو عامين، ادعت إسرائيل أن أهداف حربها الأساسية هي تدمير حماس وتأمين إطلاق سراح الرهائن المحتجزين في غزة. وقد قبل معظم المحللين الغربيين ووسائل الإعلام، مع بعض الاستثناءات، هذه الرواية من دون تمحيص. لكنها لم تكن صحيحة قط.
كان تدمير حماس وإعادة الرهائن هدفين من أهداف الحرب، لكنّ أيًا منهما لم يكن الهدف الأساسي. كان الهدف الاستراتيجي لإسرائيل هو التطهير العرقي.
بدا ذلك ممكنًا عندما سقطت 6000 قنبلة على غزة في الأسبوع الأول من الحرب. وبدا مرجحًا عندما تسرّبت في الشهر الأول مذكرة استخباراتية تقول إن تهجير الفلسطينيين من غزة سيؤدي إلى "نتائج استراتيجية إيجابية وطويلة المدى". وبالنظر إلى الوراء، يصبح الأمر غير قابل للإنكار.
لا يمكن تفسير حجم الدمار، ومنع دخول المساعدات، والاستهداف المنهجي للمرافق الطبية، واستعداد الدولة لتحمّل تكاليف هائلة على سمعتها في الولايات المتحدة وعلى الصعيد الدولي، إلا في هذا الإطار.
لقد مُسحت تقريبًا جميع مدارس غزة، ومستشفياتها، ومساجدها، وجامعاتها، ومواقعها التراثية، وحتى مقابرها. ومن بين عشرات الآلاف الذين تأكد مقتلهم، كان معظم الضحايا من النساء والأطفال.
عادة ما يتم تنفيذ التطهير العرقي بهدوء، على الأقل إلى يصبح من الواضح استحالة إنكاره. لكنّ الدعم للفكرة أصبح صاخبًا في الأسابيع الأخيرة داخل إسرائيل.
في حزيران (يونيو)، اقتبس عضو سابق في الكنيست من هتلر أثناء دعوته إلى إنشاء "غزة عبرية". وفي تموز (يوليو)، قال وزير التراث إن الحكومة تسابق الزمن لـ"محو" القطاع. وفي الشهر نفسه، وصفه وزير المالية القطاع بأنه "جزء لا يتجزأ" من إسرائيل.
وبالإضافة إلى تصريحات المسؤولين، أظهر استطلاع حديث أجرته صحيفة "إسرائيل هيوم" دعمًا شعبيًا لإعادة إنشاء مستوطنات إسرائيلية في القطاع. وبعد أيام، أعلن رئيس الوزراء نتنياهو عزمه احتلال القطاع بالكامل.
كل هذا يثير سؤالًا مهمًا: لماذا غزة مهمة لإسرائيل إلى هذا الحد؟ من المؤكد أن حماس، التي كانت إسرائيل قد دعمت حكمها قبل اندلاع القتال، ليست هي الجواب. وقد عرضت الحركة التخلي عن السلطة في القطاع وإطلاق سراح جميع الرهائن لإنهاء الحرب مرات عدة، من دون أن تستجيب إسرائيل.
من منظور إسرائيل، تشكل غزة جزءًا من المشكلة الفلسطينية الكبرى، وهي مشكلة ذات أبعاد جغرافية وديموغرافية. ولأن الدولة تعرّف نفسها كدولة يهودية، وتمنح امتيازًا لليهود على غيرهم، فإن أعداد اليهود مقابل أعداد الفلسطينيين على الأرض التي تسيطر عليها إسرائيل لها أهمية بالغة.
والمشكلة ملحة بالنسبة للقدس. بحلول العام 2022، خلص الديموغرافي الإسرائيلي أرنون سوفر إلى أن اليهود يشكّلون أقل من 47 في المائة من السكان بين نهر الأردن والبحر المتوسط. وكان قد حذر قبل سنوات من أن الضغوط الديموغرافية ستجبر إسرائيل على قتل الفلسطينيين.
لا يبدو هذا بالتأكيد مثل ديمقراطية ليبرالية، لأن إسرائيل ليست كذلك. على الرغم من أن جميع المواطنين البالغين في إسرائيل يستطيعون التصويت، فإن المواطنين الفلسطينيين، الذين يشكلون خُمس السكان، لا يتمتعون بكل الحقوق نفسها التي يتمتع بها اليهود الإسرائيليون. وينطبق الأمر نفسه على البدو، والدروز، والمسيحيين العرب.
وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة لا وجود حتى لأي تظاهر بالديمقراطية. هناك إسرائيل استبدادية. والمستوطنون اليهود في الضفة الغربية يصوتون ويعيشون تحت القانون المدني الإسرائيلي. وعندما يرتكبون مخالفات ضد الفلسطينيين، تنتهي 94 في المائة من القضايا من دون لوائح اتهام. أما الفلسطينيون في الضفة الغربية فلا يحق لهم التصويت ويخضعون للقانون العسكري، حيث تبلغ نسبة الإدانات 95 في المائة. وحركتهم مقيدة بشدة بسبب الحواجز والتصاريح والجدران الفاصلة.
تشكل هذه التفاوتات مشكلة علاقات عامة، لأن الاحتلال والفصل العنصري يجلبان سمعة سيئة. ولكن عندما يختفي الفلسطينيون، بطريقة أو بأخرى، يختفي أيضًا مظهر التمييز ضدهم. وتصبح رواية إسرائيل عن نفسها كديمقراطية يهودية، مع حقوق متساوية للجميع، أسهل على السرد.
يمكن أن يتجادل الناس حول السبب الذي أطلق سياسة التطهير العرقي في غزة. ويمكن أن تبدو صدمة السابع من تشرين الأول (أكتوبر)؛ وانتهازية السياسيين اليمينيين المتطرفين، وحسابات رئيس الوزراء السياسية كلها تبدو وكأنها لعبت دورًا.
لكن السياسة هي الأشياء التي تحدث في نهاية المطاف. كان التطهير العرقي هو هدف الدولة. ومن دون استثناءات كثيرة، حظي بدعم من المجتمع الإسرائيلي. ولكن، هل سينجح؟
في الأيام والأسابيع الأخيرة، أدان رئيس وزراء إسرائيلي سابق جرائم الحرب الإسرائيلية. وناشد 600 من المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين السابقين الرئيس ترامب للمساعدة في إنهاء الحرب. وأعلنت فرنسا والمملكة المتحدة وكندا نيتها الانضمام إلى 147 دولة أخرى في الاعتراف بدولة فلسطينية. ويواصل الفلسطينيون القيام بأكثر مما يقوم به أي طرف آخر في توثيق ما يحدث.
إذا استمر هذا الضغط في التصاعد، فقد تنتهي الحرب. وقد تظل غزة فلسطينية. لكنّ من الممكن أيضًا أن تقوم إسرائيل بإفراغ غزة من سكانها. في هذه الحالة، ستُختزل المشكلة الفلسطينية لتقتصر على الضفة الغربية التي تخضع مسبقًا لعقود من الهندسة الديموغرافية.
هذا ما يريده القادة في إسرائيل. هذا هو السبب في استمرار الحرب.
 
*سيث كانتي Seth Cantey: أستاذ مشارك في العلوم السياسية ورئيس برنامج دراسات الشرق الأوسط وجنوب آسيا في جامعة واشنطن ولي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Why the Gaza War Won’t End