عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Sep-2026

بن غفير يرسل الفلسطينيين إلى المعتقلات على أحزمة ناقلة –والعالم صامت

 الغد

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
أروى مهداوي* – (الغارديان) 3/9/2026
 
لم يصل بن غفير إلى السلطة من فراغ. وقد ساعده المجتمع الدولي على الوصول إلى موقعه بعد أن منح إسرائيل حصانة كاملة من العقاب. كما تلقى دعمًا وتواطؤًا من مؤسسات إعلامية دولية أسهمت في شيطنة الفلسطينيين، والتشكيك في رواياتنا، وتهيئة الرأي العام لقبول محو الفلسطينيين وطردهم كشيء طبيعي.
 
 
اسمحوا لي أن أبدأ أولا بتعريفكم إلى إيتمار بن غفير، زعيم حزب "القوة اليهودية" (عوتسما يهوديت) اليميني المتطرف في إسرائيل، ووزير الأمن القومي، والرجل الذي ينطوي على مقدار من الشر يكاد يكون كاريكاتوريا. ولا بد أن تكونوا قد سمعتم باسمه من قبل؛ فقد تصدّر عناوين الأخبار الدولية عندما صوّر نفسه وهو يسخر من ناشطين مقيّدي الأيدي كانوا قد احتُجزوا أثناء محاولتهم إيصال مساعدات إنسانية إلى غزة. لكنم ربما لا تكونون على دراية بكثير من تصريحاته الصادمة الأخيرة، لأنها لم تحظَ بتغطية واسعة في جانب كبير من وسائل الإعلام الأميركية.
ولنبدأ بفيديو مولّد بالذكاء الاصطناعي نشره بن غفير على منصة "إكس" يوم الأحد، الثلاثين من آب (أغسطس) -ثم حذفه لاحقًا. ويظهر الفيديو سجناء فلسطينيين بدينين وهم يُحمّلون على حزام ناقل وينقلون إلى معسكر اعتقال، ثم يخرجون منه وقد أصبحوا هزيلين نحيلين. وكتب بن غفير على الفيديو عبارة: "وعدنا.. ووفّينا"! في إشارة تبدو مرتبطة بوعد وزير الأمن القومي بتشديد ظروف احتجاز الأسرى الفلسطينيين وجعلها أكثر سوءًا مما هي عليه مسبقًا. وهو هدف طموح، بالنظر إلى أن الظروف القائمة أصلًا جحيمية؛ وقد شبّهت منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية "بتسيلم" السجون التي يُحتجز فيها الفلسطينيون بـ"معسكرات التعذيب".
أود أن أشير، بالمناسبة، إلى إنني أتعمد التزام قدر من الدبلوماسية في هذا التلخيص لهذا المقطع الأحدث من الفيديوهات. وأقترح عليكم أن تشاهدوه بأنفسكم حتى تستوعبوا المدى الكامل لفظاعته. صحيح أنه ربما حُذف، لكنه ما يزال متداولًا على الإنترنت. ولو أن مقدم البودكاست حسن بيكر كان قد نشر تغريدة مماثلة، وكان الإسرائيليون هم المستهدفين فيها بدلًا من الفلسطينيين، لتحول الحدَث إلى خبر يتصدر الصفحات الأولى وعناوين الأخبار. ولكان المشرّعون الأميركيون، الذين يبدو أن بيكر يستحوذ على قدر هائل من اهتمامهم، عاكفين على المطالبة بمعاقبة مقدم البودكاست.
وبالمناسبة أيضًا، يبدو أن لدى بن غفير بعض الأفكار "الخيالية" للعقاب. ومن بين تخيلاته المريضة وضع تماسيح في خنادق مائية تحيط بالسجون التي يُحتجز فيها الفلسطينيون لمنع محاولات الهرب من السجن. وقد وُضعت الخطة حاليًا قيد التعليق، بعدما قالت جماعات حقوقية إسرائيلية أن فيها قسوة على التماسيح.
لا يمكنني التشديد بما يكفي على أهمية تذكّر حقيقة أساسية عند تناول قضية "السجناء" الفلسطينيين: لم يخضع الكثيرون من هؤلاء الأشخاص لأي إجراءات قانونية واجبة في المقام الأول. ويقبع آلاف المعتقلين، من بينهم نحو 200 طفل، في مراكز الاحتجاز بموجب ما يسمى "الاعتقال الإداري"؛ وهو اسم تقني لممارسة تنتمي إلى عالم ديستوبي.
بحسب تعريف منظمة "بتسيلم"، يعني "الاعتقال الإداري" احتجاز شخص من دون محاكمة، ومن دون أن يكون قد ارتكب جريمة، على أساس الاعتقاد بأنه يعتزم خرق القانون في وقت ما في المستقبل. ولأنه يُفترض أن يكون هذا الإجراء وقائيًا، فإنه لا يخضع لأي حد زمني. ويجري احتجاج الشخص المستهدف من دون إجراءات قانونية، بأمر من قائد المنطقة العسكري، استنادًا إلى أدلة سرية لا يُكشف عنها للمعتقل.
بعبارات أخرى: إذا كنت فلسطينيًا، فقد يقتحم جنود إسرائيليون مدججون بالسلاح منزلك في منتصف الليل، ويقتادونك إلى ما يشبه غرفة تعذيب فعلية، على الرغم من أنك لم ترتكب أي جريمة، ثم يحتجزونك إلى أجل غير مسمى من دون إخبارك بسبب احتجازك أو إبلاغ عائلتك بمكان وجودك.
عندما تسمع كلمة "سجين"، يريدك أمثال بن غفير أن تتخيل إرهابيين خطرين يستحقون كل ما ينالونه. لكن كثيرين منهم هم في الواقع أشخاص مثل ليان ناصر: امرأة في الثالثة والعشرين من عمرها تم اقتبادها تحت تهديد السلاح من منزل والديها من دون سبب واضح، ولم تحظَ باهتمام إعلامي دولي إلا لأنها مسيحية.
ولكن دعونا نعُد إلى بن غفير، الذي يتولى الإشراف على السجناء. كان من أبرز "إنجازات" وزير الأمن القومي تمرير قانون عنصري لعقوبة الإعدام، والذي ينطبق بحكم صياغته على الفلسطينيين وحدهم دون سواهم. وفي الشهر الماضي، نشر بن غفير مقطع فيديو لمجمع مشانق سيُعدم فيه شنقًا الفلسطينيون المدانون بارتكاب جرائم إرهابية. وفي عيد ميلاده في حزيران (يونيو)، احتفل بكعكة زُيّنت بحبل مشنقة.
ولا يريد بن غفير شنق أعدائه فحسب؛ ويريد أيضًا مزيدًا من إراقة الدماء في غزة التي ما تزال، على الرغم مما يسمى "وقف إطلاق النار" ساحة قتل بكل معنى الكلمة. وقال بن غفير مؤخرًا في إحدى المدونات الصوتية: "أعتقد أنه ينبغي أن ننفذ [في غزة] ما بين 30 و40 عملية اغتيال مستهدفة كل ليلة". وأضاف: "لا أقصد فقط أولئك الذين يشكلون تهديدًا مباشرًا. يوجد أشخاص هناك لا يستحقون الحياة... إنهم ليسوا حتى بشرًا".
بطبيعة الحال، يمكنني أن أواصل سرد الأمثلة بلا نهاية بحكم أن غفير هو رجل كثير الانشغال. وقد صوّر نفسه مؤخرًا وهو يدخل زنازين تضم نساء فلسطينيات ويسخر منهن ويستفزهن. وفي البودكاست نفسه الذي دعا فيه إلى تنفيذ عمليات قتل ليلية في غزة، مضى ليقول إنه يرى ضرورة لقيام إسرائيل باحتلال قطاع غزة بأكمله. وقام يوم الاثنين، 31 آب (أغسطس) باقتحام باحات المسجد الأقصى في القدس الشرقية، برفقة مستوطنين متطرفين وتحت حماية الجيش الإسرائيلي.
وهو شيء دأب على فعله بصورة منتظمة، ويشكل عملًا استفزازيًا سافرًا وانتهاكًا فاضحًا لاتفاق يمنح المسلمين حقوقًا حصرية في العبادة داخل المسجد الأقصى، في حين يصلي اليهود عند حائط البراق -أو "الحائط الغربي" كما يُسمونه في إسرائيل.
لكنّ بن غفير وأمثاله يريدون تغيير الوضع القائم منذ عقود، بحيث تصبح لإسرائيل السيطرة على كل شيء. وقال بن غفير خلال زيارة له إلى باحات المسجد في العام 2023: "نحن أصحاب السلطة هنا في القدس وفي كل أرض إسرائيل".
بلغ بن غفير من الوقاحة حدًا يجعل من المستحيل تلميع سلوكه أو التماس الأعذار له. وكان قد أدين وفُرضت عليه عقوبات من سياسيين وحكومات في مختلف أنحاء العالم. ومع ذلك، حاول المدافعون عن إسرائيل تصويره على أنه مجرد شخصية هامشية لا تمثل التيار العام. وقالت "اللجنة اليهودية الأميركية" في آب (أغسطس)، بعد التصريحات التي أطلقها بشأن الاستيطان في غزة: "إن تصريحات بن غفير لا تعكس سياسة دولة إسرائيل، وينبغي أن يدينها كل من يهمه مستقبل الدولة".
كما حاول بعض نظراء بن غفير أيضًا النأي بأنفسهم عن هذا المتطرف. وقد أدان وزير الخارجية، جدعون ساعر، الفيديو الذي يظهر فيه بن غفير وهو يسخر من ناشطين أجانب، وقال: "أنت لا تمثل وجه إسرائيل".
ولكن لا ينبغي أن يساورنا شك: قد يكون بن غفير مصدر إحراج، لكنه ليس حالة شاذة بأي حال من الأحوال. إنه يمثل إلى حد بعيد وجه إسرائيل الحديثة. كما أن رؤيته للبلد تعكس بدقة الواقع القائم على الأرض.
في الأسبوع الماضي كتبت الصحفية الإسرائيلية عميرة هاس في صحيفة "هآرتس": "تتجه السياسة الإسرائيلية إلى جعل الحياة لا تُطاق بالنسبة للفلسطينيين أينما كانوا، بحيث يمكن تصوير هجرتهم على أنها فعل ناجم عن إرادتهم الحرة. إن ’المحو‘ هو الحل الكابوسي الذي تجري كتابته في الواقع يومًا بعد يوم". 
وعلى الأرض يتصاعد عنف المستوطنين، ويتم الاستلاء على مزيد من الأراضي في الضفة الغربية وغزة. كما أصبح اتجاه نزعِ الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين واسع الانتشار في المجتمع الإسرائيلي.
وتكتب هاس: "تعمل هذه القوى مجتمعة -إلى جانب قوى أخرى مماثلة- على بناء البنية التحتية المادية والأيديولوجية والنفسية داخل المجتمع الإسرائيلي-اليهودي لعملية طرد جماعي أخرى للفلسطينيين، ولما قد يصاحبها: مجازر جماعية".
إنني أقتبس من هاس لأنها صحفية لامعة. لكنني، بصراحة، أقتبس منها أيضًا لأنني فلسطينية جزئيًا وهي إسرائيلية. أقتبس منها لأن مجرد كونها إسرائيلية يجعلها، في نظر العالم، شخصًا يستحق أن يُصغى إليه. وقد أوضح العالم بما يكفي أنه لا يريد الاستماع إلى الفلسطينيين، وأننا برابرة لا ينبغي تصديقهم.
كان هذا النوع من نزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين على نطاق واسع هو ما أفضى إلى انعدام الحياء الكامل الذي يتسم به رجل مثل بن غفير. وهو لم يصل إلى السلطة من فراغ؛ وقد ساعده المجتمع الدولي على الوصول إلى موقعه بعد أن منح إسرائيل حصانة كاملة من العقاب. كما تلقى دعمًا وتواطؤًا من مؤسسات إعلامية دولية أسهمت في شيطنة الفلسطينيين، والتشكيك في رواياتنا، وتهيئة الرأي العام لقبول محو الفلسطينيين وطردهم كشيء طبيعي.
كما تعزز موقعه أيضًا بفضل مشرِّعين يقولون لنا أن عليهم الدفاع عن إسرائيل مهما كان الثمن. والآن، في الأرض اليباب التي أصبحت عليها غزة، وفي المذابح الليلية التي يرتكبها المستوطنون الإسرائيليون في الضفة الغربية، وفي تعطش بن غفير السافر إلى الدماء، أصبحنا نرى ونعيش مع النتيجة الحتمية لهذا الدعم غير المشروط. ولا يشكل بن غفير انحرافًا عن القاعدة؛ وهو صنيعة المجتمع الدولي.
*أروى مهداوي Arwa Mahdawi: كاتبة وصحفية بريطانية من أصول فلسطينية، وُلدت في لندن وتعيش في نيويورك، وتكتب عمودًا أسبوعيًا في صحيفة "الغارديان" يتناول السياسة والثقافة وقضايا المجتمع والحياة العامة. كما تعمل كاتبة ومتحدثة ومستشارة في مجال الأعمال، وسبق أن أسست موقع "استأجر أقلية" Rent-A-Minority الساخر الذي يتناول قضايا التنوع والتمثيل. وهي مؤلفة كتاب "قيادة نسوية قوية: دروس من نساء في السلطة" Strong Female Lead: Lessons from Women in Power، الذي يبحث في تجارب النساء في مواقع القيادة وما يمكن استخلاصه منها بشأن القيادة والسلطة. 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Ben-Gvir posts Palestinians on conveyor belts to detention camps. The world is silent.