عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Aug-2025

توصيات راند رأسمالية الكوارث*إسماعيل الشريف

 الدستور

لا يجب أن تدع أزمة خطيرة تذهب سُدى. وما أعنيه بذلك أنها فرصة لفعل أمور لم يكن ممكنًا القيام بها من قبل-راهام ايمانويل، كبير موظفي البيت الأبيض في إدارة أوباما.
أصدرت المؤسسة مؤخرًا توصياتها بشأن سبل إنهاء الصراع «الفلسطيني–الإسرائيلي»، وهي توصيات تحظى باهتمام خاص لما لمؤسسة راند من مكانة عريقة في ميدان الدراسات الاستراتيجية، إذ تُعد بيت خبرة البنتاغون، كما تُعرف بتأثيرها البالغ في دوائر صناعة القرار الأمريكي.
قدّمت راند خارطة طريق بعيدة المدى لإنهاء المجزرة في غزة، ترتكز على تفكيك حركة حماس ومنعها من تشكيل أي تهديد مستقبلي للكيان، مع فرض إدارة متعددة الجنسيات على القطاع تمهيدًا لقيام دولة فلسطينية في نهاية المطاف. وجاءت الخطة على ثلاث ركائز أساسية: المسار الأمني أولًا، يليه الاقتصادي، ثم إعادة الإعمار. وفي إطارها لا يقتصر دور الولايات المتحدة على الوساطة، بل يتسع ليجعلها المنسّق العام والمشرف المباشر على التنفيذ.
المسار الأمني يبدأ بتفكيك حماس كسلطة حاكمة ومسلحة، يعقبه انتشار قوة مؤقتة متعددة الجنسيات تضم عناصر غربية وعربية، تمهيدًا لبناء جهاز أمني فلسطيني فعّال. وفي الجانب السياسي، تُنشأ سلطة انتقالية دولية لإدارة غزة، ثم حكومة تكنوقراط تتولى إحياء مؤسسات الدولة، وصولًا إلى دستور مؤقت وانتخابات وطنية تفضي إلى قيام كيان فلسطيني جديد. أما المسار الاقتصادي فيقوم على فتح ممرات تجارية تربط غزة بالضفة الغربية، وتأسيس نظام مصرفي فلسطيني شفاف يضمن سلامة إدارة الأموال، إلى جانب إطلاق مشاريع إعادة الإعمار. وتُقدَّر كلفة هذه العملية بأكثر من خمسين مليار دولار، تبدأ بإنشاء مخيمات مؤقتة تتحول تدريجيًا إلى أحياء سكنية دائمة.
في هذه الخطة، تضطلع الولايات المتحدة بدور المنسّق الذي يجمع أموال الإعمار من بريطانيا والاتحاد الأوروبي والدول العربية، مع احتمال إشراك الصين، في حين يُعمل على تحييد روسيا وإيران. لكنّ الخطة تواجه تحديات كبيرة؛ فمعظم الصهاينة يفضلون الإبقاء على الوضع القائم رغم استحالته، وسط انعدام ثقة متبادل مع الفلسطينيين، وتعارض مصالح إقليمية، وتدخلات دولية لا تخدم الحل. وإضافة إلى ذلك، فإن كلفة الإعمار الهائلة التي قد يستغرق جمعها قرابة ثمانين عامًا تجعل المسار معقدًا، وقد تفشل الخطة ما لم يُبتكر نموذج جديد. ويبقى نجاحها مرهونًا بظهور قيادات شجاعة، وتراجع منسوب انعدام الثقة، وتحقق تعاون دولي غير مسبوق.
المفارقة أن الدراسة تجاهلت تمامًا السلطة الوطنية الفلسطينية، رغم كونها الكيان الشرعي الممثل للفلسطينيين وفق اتفاق أوسلو عام 1993، وهو تجاهل يشكك ضمنيًا في شرعيتها ويُظهرها وكأنها لم تعد طرفًا في أي خطط مستقبلية. كما أن الدراسة تتجاوز حل الدولتين التقليدي، وتتغافل كليًا عن الترابط بين غزة والضفة الغربية، وتتجاهل ملفات محورية كقضية القدس والمستوطنات والجدار، وهي قضايا لا يمكن القفز عنها في أي تسوية حقيقية.
وقد لفتني ما ذكره باحثون في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إذ اعتبروا أن هذه الخطة، وإن لم تذكر صراحةً مصطلح «رأسمالية الكوارث»، إلا أنها تفتح الباب أمام تطبيقه بأوضح صوره، من خلال سلطة انتقالية متعددة الجنسيات وهيمنة على أموال الإعمار وتجريد الفلسطينيين من حق تقرير مصيرهم.
مصطلح «رأسمالية الكوارث» صاغته الكاتبة الكندية ناعومي كلاين، ذات الأصول اليهودية والمعارضة للمجزرة، في كتابها الشهير عقيدة الصدمة الصادر عام 2007، لوصف آلية استغلال الأزمات بوصفها فرصًا لتمرير سياسات اقتصادية واجتماعية تخدم الشركات العملاقة والدول المتنفذة، مستندةً إلى هشاشة المجتمعات وانكسارها في لحظات الضعف والفوضى. وتعمل هذه الرأسمالية عبر ثلاث مراحل: استغلال الصدمة وانشغال المجتمع بالنجاة، ثم فرض سياسات جديدة في صالح القوى المهيمنة، وأخيرًا تحويل الكارثة إلى فرصة للربح بدل أن تكون إعادة الإعمار في مصلحة السكان.
ومن أبرز أمثلتها: العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003 حيث دُمّرت الدولة وفُرض ت الخصخصة ونهبت موارد النفط، وإعصار كاترينا في الولايات المتحدة عام 2005 حيث جرى استبدال المدارس العامة بمدارس خاصة، وتسونامي إندونيسيا في العام نفسه حين استحوذت شركات سياحية على المناطق المدمَّرة وحُرم السكان الأصليون من العودة إليها.
اليوم يبدو أن غزة تتجه لتكون المثال الأوضح على «رأسمالية الكوارث»، حيث سيتحوّل الإعمار إلى مشاريع ضخمة تديرها الولايات المتحدة عبر شركاتها، فيما تُخصخص موارد الغاز على شواطئ غزة بلا قدرة للفلسطينيين على التحكم بها. ولعل أوضح دليل ما صرّح به الرئيس الأمريكي في شباط الماضي حين قال إنه يريد تحويل غزة إلى «ريفيرا الشرق الأوسط»، لتغدو نموذجًا لاقتصاد الإمبراطورية: حروب وبيع سلاح، ثم «رأسمالية الكوارث».