عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Mar-2026

"شيء من حكاياتي".. رحلة شعرية تجمع بين الألم والأمل "لأبو شنار"

 الغد- عزيزة علي

 صدر للشاعر الأردني عدنان أبو شنار ديوان شعري بعنوان "شيء من حكاياتي"، يقدم من خلاله بوحا صادقا يمزج بين الذكريات الشخصية والهموم الإنسانية والوطنية، مستعيدا تجاربه الحياتية في صور شعرية غنية بالخيال والإيحاء.
 
 
يعكس الديوان قدرة الشاعر على التوازن بين الألم والأمل، ويبرز ثقافته الواسعة في توظيف الموروث العربي والإسلامي، بالإضافة إلى حبه العميق للأردن ومدينة مادبا، ما يجعله إضافة مميزة للمشهد الشعري الأردني ويؤكد على تطور تجربته الفنية والشعرية.
تتحرك الصور الشعرية بسلاسة بين الحنين إلى الوطن ومدينة مادبا، وبين استدعاء الموروث الثقافي والأدبي العربي والإسلامي، ليصنع نصا شعريا غنيا بالإيحاء والرمز، يعكس قدرة الشاعر على تحويل تجربته الشخصية إلى رؤية جمالية متفردة تعانق قلوب القراء وتترك أثرا عميقا في المشهد الشعري الأردني.
وكتبت الدكتورة إنعام زعل القيسي تقديما للديوان، أشارت فيه إلى أن عنوانه يوحي بأن القارئ يقف أمام بوح شعري ذي طابع سردي، ينقل من خلاله الشاعر جانبا من تجاربه وحكاياته وذكرياته المتأخرة زمنيا. وتمثل هذه الذكريات مخزونا غنيا من تجارب الشاعر الحياتية، وعنصرا أساسيا في تشكيل شخصيته، إذ ما تزال تنبض بروحه رغم ما يكتنفها من ألم عميق.
وترى القيسي أن الشاعر لم يكتفِ باستعادة تلك الذكريات التي تشكل جزءا من سيرته الذاتية والأحداث التي مر بها، بل أعاد بناءها وتخييلها شعريا، من خلال انفتاحها على لغة الشعر التي منحتها حساسية جديدة ورؤية أعمق للناس والحياة.
ويكشف ذلك عن انفتاح قصائد الديوان على السيرة الذاتية ذات الأصل النثري، حيث استطاع أبو شنار أن يوظف الشعر بوصفه طاقة جمالية وفنية وإيحائية، مستندا إلى خيال واسع ورموز وصور وصفية تشكل عناصر مهمة في بنية النص الشعري.
ويحمل الديوان عنوان القصيدة الأولى فيه، فيما جاءت عناوين معظم القصائد الأخرى، مثل: "رحلة العمر"، "أماه"، "غدر"، "خيال طيفك"، منسجمة مع موضوع الديوان ومتوافقة مع رؤيته. ويقود ذلك إلى اعتبار القصيدة التي يحمل الديوان اسمها "قصيدة الديوان"، تشكل مفتاحا رئيسا لفهم مضامين بقية القصائد، والمنطلق الذي حدد من خلاله الشاعر رؤيته لبقية أجزاء عمله الشعري، الأمر الذي أضفى على الديوان قيمة شعرية مميزة.
ووفق القيسي، فإن قصائد الديوان توحي بأن التجربة النفسية التي عاشها الشاعر، وما أحاط به من قلق وهموم نتيجة ما لقيه -كما يبدو- من أذى أعداء الحروف الصادقة والحسّاد والوشاة، هي التي فجّرت هذا الخطاب الشعري وأنتجت تلك الصور الفنية الجميلة.
وقد قيل: "ما من شيء يجعلنا عظماء مثل ألم عظيم"؛ لذلك جاء هذا الشعر معبّرا عن ذات صاحبه ووجدانياته ومشاعره العميقة. ومن هنا يمكن القول إن الشاعر يقترب في تجربته من سمات شعراء المدرسة الرومانسية التي تحتفي بالفرد والعاطفة والطبيعة والحرية الإنسانية.
كما تبين القيسي أن بعض قصائد الديوان تكشف عن قوة إرادة الشاعر وقدرته على تحويل المعاناة إلى أمل بالمستقبل. فعلى الرغم من الخوف من المجهول والغدر ممن يحاولون اغتيال الحرف، يظل الشاعر متشبثا بالنور والأمل، معانقا كل من يؤمن بهما، ومانحا إياهما شوقه وابتساماته.
ويشير التقديم إلى أن ثنائية الألم والأمل تشكل في قصائد الديوان محورا ضديا يعكس حالة إنسانية صعبة يعيشها الشاعر وهو يتأرجح بينهما، بما يكشف عن صراع داخلي يملؤه التوتر. غير أن هذا الصراع لا يقوده إلى الاستسلام لمشاعر الانكسار والإحباط، بل يدفعه إلى الانتقال من الألم إلى أفق متخيّل يضيئه الأمل، مستفيدا في ذلك من غنى تجربته الحياتية التي تنوعت بين لحظات الفرح وتجارب المعاناة.
وتوضح القيسي أن قصائد الديوان تكشف امتلاك الشاعر قدرة فنية واضحة على توظيف الموروث الثقافي والديني والأدبي العربي والإسلامي في توليد المعاني الشعرية وصياغتها بأسلوبه الخاص. ففي قصيدة "خيال طيفك" يتناص الشاعر مع قصة النبي موسى عليه السلام، بينما يوظف في قصيدة "إذا المساء تجلى" أسطورتي سيف بن ذي يزن والعنقاء في بناء دلالاته الشعرية.
وفي قصيدة "سيد الشعراء"، يستدعي الشاعر شخصية زرياب ورحلته في سبيل الإبداع الموسيقي، ليقارن بينها وبين تجربته الشعرية التي يراها متفوقة في ألحانها الشعرية. كما يستحضر عددا من الشعراء القدامى وأخبارهم وأشعارهم، ومنهم النابغة الذبياني، مستلهما صورة ليله شديد السواد ليعكس بها حال ليله المثقل بالهموم. وتدل هذه الاستدعاءات على سعة ثقافة الشاعر ومقدرته الفنية على توظيفها بطريقة تمنح النص رؤى عميقة ودلالات جديدة.
ويجنح الشاعر في حديثه عن آلام الذات وحكاياتها إلى التعبير عن حب الوطن، الأردن عموما، ومدينته مادبا وأمكنتها المختلفة خصوصا، مثل: جبال ماعين وعيون موسى وأرض نيبو والصياغة وغيرها. فقد امتلأ وجدانه بحب هذه الأمكنة، ومن جمالها استلهم قصائده، فغزل منها أبياته، وجعل من كل حرف فيها شاهدا على معانيها.
ويمتد حديث الشاعر ليشمل الهموم القومية، إذ يتناول مدن الأمة وآلامها التي أصبحت جزءا من أوجاعه الذاتية، فيتحدث عن القدس والمسجد الأقصى، ويستحضر فارسها الشهيد عمر أبو ليلى، كما يشير إلى بيروت وغيرها من مدن الأمة.
وتوضح القيسي أنه على الرغم من أن قصائد الديوان تنتمي إلى الاتجاه التقليدي المحافظ المتأثر بالشعراء الأقدمين في المعجم اللفظي والتراكيب والصور والبنية الموسيقية والبناء الكلاسيكي للقصيدة، فإن الشاعر اعتمد لغة شعرية سلسة ومرنة تمزج بين المألوف اللفظي والانزياح الدلالي الذي يمنح النص بعده الشعري ويحدث أثرا مفاجئا في المتلقي.
ولذلك يكثر من التعابير المجازية والتشابيه والاستعارات، ويعتمد أساليب التعبير غير المباشر القائمة على التخييل والإيحاء. ومن خلال تقنية الانزياح اللغوي يؤنسن عناصر الطبيعة، فتصبح النسائم مؤنسة، وآذار شاهدا، والأنسام معترفة، والزهر عالما، في صور شعرية موحية.
وتخلص القيسي إلى أن ديوان "شيء من حكاياتي" يشكل عملا شعريا متميزا، ويكشف عن تطور واضح في تجربة الشاعر على مستوى الرؤية والتشكيل الفني، بعد ديوانيه "همسات في أذن الزمان" و"من وحي الروح"، متوقعة أن يكون لهذا العمل حضور لافت في المشهد الشعري الأردني.