الدستور
من غزة حيث الركام يبتلع الركام تتجلى الحقيقة عارية: شعب يطحنه الجوع والرصاص مقابل مجرم هائج موتور يتشبث بسلطة القتل تشبث الغريق بطوق نجاة. نتنياهو ليس عابرا في المشهد السياسي واليومي، بل هو تجسيد لعقل دولة غاصبة تبني كيانها على أنقاض الآخرين وألمهم، دولة ترفع شعار «الديمقراطية» وتخفي وراءه آلة حربية تحيل كل شيء إلى موات.
الضجيج لم يهدأ في الداخل الإسرائيلي: مظاهرات أسبوعية، جنرالات غاضبون، وأسر رهائن تصرخ طلبا للحياة. ومع ذلك، يظل ذلك المجرم في مكانه مزدادا غلوا وشياطا، لأن المجتمع الذي يهاجمه، هو ذاته الذي يمده بالحماية ويعطيه الضوء الأخضر ويرفعه إلى مقام سام. سبعة من كل عشرة يعتقدون أن دماء الأطفال في غزة ثمنٌ مبررٌ ومقبول. فأي سقوط يمكن أن ينتظر لمجرم يقف على أرضية صلبة من تأييد أخلاقي ملوث؟
القصة أكبر من شخص واحد. فمنذ عقود، تعاقب على الحكم قادة بوجوه مختلفة وعقول متشابهة. من غولدا مائير إلى شارون وصولا إلى نتنياهو، ظل المشروع ثابتا: توسع بلا حدود واحتلال بلا نهاية. حتى المعارضة التي ترفع صوتها لا تقدم بديلا حقيقيا، بل تكرر السياسة ذاتها، إنما بعبارات ناعمة أحيانا.
المفارقة أن مئات الآلاف الذين يخرجون دفاعا عن «ديمقراطيتهم الداخلية»، لا يرون أي تناقض بين حريتهم وحرمان ملايين الفلسطينيين من أبسط حقوقهم. فأي ديمقراطية تلك التي تبنى على أنقاض أمة كاملة؟
قد يسقط المجرم نتنياهو في الانتخابات القادمة بعد عام وشهرين، وقد يختفي اسمه من عناوين السياسة، لكن السياسات ذاتها ستبقى. أي أن المشكلة ليست في كرسي رئيس الوزراء، بل في مجتمع تشرب خطاب المحو والقوة واعتاد إنكار حياة الآخر. أي أن التغيير لن يولد من سقوط فرد، بل من مواجهة عقل جمعي يرى في الحرب قدرا حتميا، وفي الاحتلال هوية تاريخية.
المأساة إذن ليست في المجرم نتنياهو وحده، بل في صورة إسرائيل نفسها في مرآة الخراب: وجه يزداد قسوة وبلادة كل يوم. وإذا كان العالم يراهن على سقوط رجل لولادة السلام، فالحقيقة المؤلمة أن ذلك السلام لن يأتي ولن يتبرعم ما دام العقل الذي أنجب نتنياهو يحكم المشهد ويؤطر رؤاه.