الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ويندي رمضان-ألبان* - (ريسبونسيبل ستيتكرافت) 8/10/2026
أنهت الحرب الأميركية الإيرانية في العام 2025 احتكار المحافظين لملف معاهدة الانتشار النووي. ومنذ ذلك الحين، غيّرت بعض الشخصيات المنتمية إلى المعسكر "المعتدل"، الذي يضم الإصلاحيين والوسطيين المؤيدين تقليديًا لتطبيع العلاقات مع الغرب، مواقفهم من هذا الملف.
في أيلول (سبتمبر)، وبينما كانت وسائل الإعلام تركز اهتمامها على الصراع في مضيق هرمز والمداولات في "الجمعية العامة للأمم المتحدة"، مرّت تطورات داخلية في إيران من دون أن تحظى بقدر يُذكر من الاهتمام. في 28 أيلول (سبتمبر)، نشر 32 من المحافظين الإيرانيين رسالة مفتوحة دعوا فيها إلى انسحاب إيران من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية على وجه السرعة.
منذ إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران بموجب آلية "سناب باك" في أيلول (سبتمبر) 2025، دأب نواب إيرانيون من التيار المحافظ المتشدد على المطالبة بالانسحاب من المعاهدة التي تعهّدت بموجبها الغالبية العظمى من دول العالم بالامتناع عن تطوير أسلحة نووية. وكان مجلس الشورى الإيراني قد أعدّ في العام 2025 مشروع قانون يمهّد للانسحاب، لكن المشروع لم يتقدم إلى مراحل لاحقة. وفي أيلول (سبتمبر) قدّم بعض النواب إلى رئيس مجلس الشورى، محمد باقر قاليباف، الذي يتولى أيضًا رئاسة الوفد الإيراني المفاوض حاليًا، مشروع قانون جديدًا وصفوه بأنه إجراء "عاجل للغاية من الدرجة الثالثة".
مع ذلك، لم تُفض الدعوات المتكررة التي يطلقها المحافظون المتشددون إلى الانسحاب إلى خروج فعلي من المعاهدة بسبب غياب التوافق السياسي. وبقيت إيران طرفًا فيها على الرغم من الحرب والضغوط الاقتصادية غير المسبوقة وعودة عقوبات الأمم المتحدة. ولكن، هل ما يزال استمرار عضوية إيران في المعاهدة يشكل مكسبًا لها؟
خلفية
في 28 أيلول (سبتمبر)، أصدر 32 من الشخصيات الإيرانية البارزة، كان كثير منهم قد عملوا في حكومات محافظة، بيانًا أكدوا فيه أن عضوية إيران في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لم تعد تخدم مصالح البلاد. ودعوا الرئيس مسعود بزشكيان، ومجلس الشورى، و"المجلس الأعلى للأمن القومي" المسؤول عن الإشراف على القضايا الرئيسية المتعلقة بالأمن القومي والسياسة الخارجية، إلى وقف جميع أشكال التعاون مع "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" بموجب المعاهدة، والشروع فورًا في إجراءات الانسحاب منها.
من المؤكد أن صدور قانون يطالب بالانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لن يُلزم السلطة التنفيذية بالانسحاب. وكما أظهر قيام "المجلس الأعلى للأمن القومي" بتعليق العمل بـ"قانون العفة والحجاب" في آب (أغسطس) 2024، فإن المجلس هو الذي يبتّ في المسائل التي يعتبرها حاسمة للأمن القومي -وخاصة ما يتصل منها بالملف النووي.
نهاية احتكار المحافظين لملف الانسحاب
ينتمي الموقعون على الرسالة المفتوحة المذكورة إلى المعسكر المحافظ. وقد عارض هذا المعسكر، تاريخيًا، التفاوض مع الولايات المتحدة، وندّد بالاتفاق النووي الإيراني الذي أُبرم في العام 2015، على الرغم من أن بعض أفراده كانوا قد تبنّوا فكرة تطبيع العلاقات في العام 2012. ومنذ العام 2022، وفي ظل جمود المفاوضات بين واشنطن وطهران، أخذ أكثرهم تشددًا -أي المحافظون المتشددون- يطالبون علنًا بالانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
ومن بين هؤلاء سعيد جليلي، الذي ترأس فريق التفاوض النووي الإيراني من العام 2007 إلى العام 2013، وخاض الانتخابات الرئاسية في العام 2024 وخسر أمام مسعود بزشكيان؛ وكذلك حميد رسائي، عضو مجلس الشورى المنتمي إلى "جبهة الاستقرار" -وهي تيار يميني متطرف داخل المعسكر المحافظ.
لكن الحرب الأميركية الإيرانية في العام 2025 أنهت احتكار المحافظين لهذا الملف. فمنذ ذلك الحين، غيّر بعض الشخصيات المنتمية إلى المعسكر "المعتدل"، الذي يضم الإصلاحيين والوسطيين المؤيدين تقليديًا لتطبيع العلاقات مع الغرب، مواقفهم. ومن بين هؤلاء الصحفي علي نظري المعروف باعتداله، الذي أصبح لا يكتفي بتأييد الانسحاب من المعاهدة وإنما يدعم أيضًا تطوير سلاح نووي.
الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار كورقة تفاوضية
لطالما استخدمت النخبة السياسية الإيرانية التلويح بالانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية كورقة ضغط في المفاوضات مع الغرب، بصرف النظر عن المعسكر السياسي الذي ينتمي إليه المفاوضون.
وعلى سبيل المثال، يذكر الرئيس الإيراني الأسبق، حسن روحاني، في مذكراته، أنه هدّد بالانسحاب من المعاهدة في أيار (مايو) 2005 عندما كان أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي ويتفاوض بشكل ثنائي مع الروس، إذا صوّت مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية على إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن. وكان روحاني من أشد المؤيدين للتفاوض مع الغرب. ومع ذلك، لم تنفّذ إيران تهديدها عندما أحال المجلس الملف فعلًا في شباط (فبراير) 2006.
ما الذي تغيّر؟
مع ذلك يختلف السياق الراهن عن الظروف التي سبقت الحرب. بعد أن ظلّت فكرة الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار محصورةً طويلًا في أوساط النواب المحافظين المتشددين، تشير بعض التصريحات الأخيرة لمحسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، إلى حدوث تحول في هذا الموقف.
في منشور على منصة "إكس"، أعقب اعتماد "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" مؤخرًا القرار GOV/2026/61، اتهم رضائي الوكالة بتسييس الملف النووي الإيراني، مُحذرًا من أن مثل هذه التصرفات قد تدفع دولًا إلى الانسحاب من المعاهدة. لكن القرار الذي جدّد التعبير عن القلق إزاء محدودية تعاون إيران مع الوكالة لم يتضمن أي عناصر جديدة مقارنةً بالقرار السابق، في ما يشير إلى أن رضائي استند إليه ذريعةً للإيحاء بتبنّي موقف جديد.
ومع أن هذا التصريح يمكن فهمه في إطار الاستراتيجية التفاوضية الإيرانية مع الولايات المتحدة، فإنه لم يسبق لأيٍّ من الأمناء السابقين لـ"المجلس الأعلى للأمن القومي" أن يطلق مثل هذا التهديد. وبالنظر إلى الدور المحوري الذي يؤديه المجلس في رسم السياسة النووية الإيرانية، فإن هذا التهديد يستدعي التعامل معه بجدية أكبر.
تشير الأحداث السابقة إلى احتمال تقارب وجهات النظر بين "مجلس الشورى الإسلامي" (مجلس الشورى/ المجلس النيابي الإيراني) ذي الأغلبية المحافظة المتشددة و"المجلس الأعلى للأمن القومي". وقد برز مثل هذا التوافق، على سبيل المثال، قبيل تعليق المفاوضات مع "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" في أيلول (سبتمبر) 2025. ويبقى السؤال هو ما إذا كان من الممكن أن يتكرر هذا التقارب بين المؤسستين بشأن احتمال الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار أم صنع قنبلة نووية؟
ينبغي عدم الخلط بين الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار وتطوير سلاح نووي. في مقابلة مع قناة "الجزيرة" نُشرت في 19 أيلول (سبتمبر)، جدّد رضائي تأكيد التزامه بالفتوى التي أصدرها المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي في العام 1995، والتي تُحرّم صنع أسلحة الدمار الشامل.
ويبدو أن رضائي يفضّل حلًّا دبلوماسيًا للصراع، ويرى أن على واشنطن قبول الشروط الإيرانية لإنهاء الحرب. وخلال دورة "الجمعية العامة للأمم المتحدة" في الشهر الماضي، اقترحت إيران إنهاء الأعمال العدائية على جميع الجبهات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمّدة، ورفع الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية. وقد رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب المقترح الذي يتوافق مع "مذكرة التفاهم" التي اتفق عليها الطرفان في حزيران (يونيو).
من الصعب تقدير ما إذا كان تهديد رضائي الأخير بالانسحاب يعكس نية جادة للمضي فيه أم أنه مجرد حلقة جديدة في سجل طويل من التهديدات التي لم تُنفَّذ. وفي ما يتعلق بالفتوى، يرى بعضهم أن قوتها المعيارية تراجعت فعليًا بفعل التحول في الموقف النووي الإيراني الذي جرى التعبير عنه في العام 2024، حين كُسر أحد المحرّمات اللغوية القصوى في خطاب الجمهورية الإسلامية والمتمثل في الحديث عن امتلاك أسلحة نووية.
والآن، يرى بعض الخبراء الإيرانيين أن الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ينبغي ألا يحدث إلا بعد امتلاك إيران سلاحًا نوويًا؛ حيث سيعرض الانسحاب قبل ذلك البلد لعقوبات لا مبرر لها، لأن هذه الخطوة ستُفسَّر حتمًا على أنها تحرّك نحو التسلّح النووي.
تدهور العلاقات مع "الوكالة الدولية للطاقة الذرية"
تجدر الإشارة إلى أن العلاقات بين إيران و"الوكالة الدولية للطاقة الذرية" شهدت تدهورًا ملحوظًا. وقد تصاعدت عدائية طهران بحدة تجاه المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي. وتُحمل طهران الوكالة جزءًا من المسؤولية عن حرب الأيام الاثني عشر، كما تلومها على إخفاقها في إدانة الولايات المتحدة و"إسرائيل" صراحةً بسبب هجماتهما على المنشآت النووية الإيرانية.
بالإضافة إلى ذلك، عزّز صدور القرار GOV/2026/61، والاستبعاد الفعلي لمحمد إسلامي -المسؤول النووي الإيراني الأبرز- من المؤتمر العام التاسع والستين لـ"الوكالة الدولية للطاقة الذرية" في أيلول (سبتمبر)، الاعتقاد بأن الوكالة أصبحت خاضعة للتسييس.
ما الذي يمنع إيران من الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار؟
تظل العقبة الرئيسية أمام انسحاب إيران من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية اعتمادها الدبلوماسي على روسيا والصين. فمنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) في العام 2018، كثّفت طهران تعاونها مع القوتين الشرقيتين بينما استوعبت الصين منذ ذلك الحين كامل صادرات النفط الإيرانية تقريبًا.
وفي النقاشات الداخلية الإيرانية، يبدو أن التداعيات السلبية المحتملة للانسحاب من المعاهدة على علاقات إيران بكل من روسيا والصين تشكل عاملًا مهمًا بوضوح في حسابات طهران.
مع ذلك، يمكن تفسير تصريحات رضائي على أنها تحذير لموسكو وبكين هدفه دفعهما إلى استخدام حق النقض (الفيتو) ضد أي إجراءات إضافية تستهدف إيران في مجلس الأمن الدولي. والخشية من التخلّي عن إيران مفهومة؛ فقد صوّتت القوتان في الماضي لصالح إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، وأيّدتا فرض عقوبات متعددة الأطراف على إيران.
ما يزال الجدل داخل إيران بشأن احتمال الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية مفتوحًا من دون حسم. وعلى ما يبدو، ما يزال معظم الإصلاحيين والوسطيين يعارضون هذه الفكرة، في حين لم يصل "المجلس الأعلى للأمن القومي" إلى توافق بشأنها حتى الآن. وسيكشف القرار المرتقب لمحمد باقر قاليباف بشأن المضي قدمًا في إقرار القانون المناهض لمعاهدة عدم الانتشار عن طبيعة التوازنات السياسية القائمة -حتى مع أن هذا القرار قد لا يحسم مسار تحركات إيران المستقبلية.
في ظل الحالة الراهنة من عدم اليقين يمكن استخلاص بعض الاستنتاجات: عادت روسيا والصين مرة أخرى لتشكّلا ركيزتين أساسيتين في الحفاظ على عضوية إيران في معاهدة عدم الانتشار، بينما يتصاعد الجدل الداخلي الإيراني حول هذه المسألة بطريقة غير مسبوقة.
*د. ويندي رمضان-ألبان Wendy Ramadan-Alban: باحثة ما بعد الدكتوراه في "مركز دراسات تركيا والعثمانيين والبلقان وآسيا الوسطى" التابع لـ"المدرسة العليا للدراسات في العلوم الاجتماعية" في باريس. تتخصص في العلاقات الدولية، مع تركيز خاص على الشرق الأوسط. نالت جائزة مستشارية جامعات باريس في العلوم السياسية. سيصدر لها في شباط (فبراير) 2027 -عن دار بالغريف ماكميلان- كتاب بعنوان "الجمهورية الإسلامية الإيرانية ودبلوماسيتها النووية: من بداية الأزمة إلى إبرام الاتفاق النووي".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Is Iran poised to withdraw from the Non-Proliferation Treaty?