انتهاكات السيادة في الصراعات المعاصرة*د. تمارا الزريقات
الغد
لو لم تكن السيادة مفهوما محوريا لما جادت معظم الطروحات والمنجزات الأكاديمية في حقل العلوم السياسية بالإبحار في ماهيتها ومعناها، حيث ارتبط هذا المفهوم ارتباطا وثيقا بنشأة الدولة الحديثة على أنقاض نظام الإقطاع في أوروبا، وإبرام معاهدة وستفاليا عام (1648)، والتي وضعت الأساس لما يسمى اليوم بالنظام الدولي الحديث القائم على الدول ذات السيادة، بالتزامن مع انتهاء عهد السلطات العابرة للدول؛ لتصبح الدولة الوحدة الأساسية في السياسة الدولية.
في حين اكتسبت السيادة مفهومها وأبعادها القانونية في كتاب الجمهورية للمفكر الفرنسي (جان بودان) بهدف القضاء على نظام الإقطاع والتحرر من سيطرة الكنيسة، ليُختزل مفهوم السيادة بأنها: السلطة العليا التي يباشرها الحاكم على المواطنين والتي تخضع للقانون، ليتطور هذا المفهوم لاحقا ويصبح نظرية من نظريات القانون الدولي العام لها مظهران:
- الأول: داخلي ويتجلى في حق الدولة بفرض سلطانها على إقليمها وممارسة تصريف شؤونها الداخلية وتنظيم حكومتها وتشريعاتها القانونية.
- والثاني: خارجي، ويعني استقلال الدولة في اتخاذ قراراتها السياسية الخارجية؛ باعتبارها دولة مستقلة في النظام الدولي؛ ومتساوية قانونيا مع غيرها من الدول، ولا يحق لأي دولة التدخل في شؤونها السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وبمعنى فلسفي سياسي فإن السيادة تشمل امتلاك الدولة حق الاحتكار المشروع للقوة؛ فكما يقول عالم الاجتماع الألماني (ماكس فيبر) فإن الدولة أساسا هي تجمع سياسي يحتكر العنف المادي الذي يعطيه الشرعية القانونية والمتمثلة أساسا بالحفاظ على النظام الداخلي من جهة، والدفاع عن المجتمع ضد الأخطار الخارجية من جهة أخرى؛ وبالتالي فإن جوهر الدولة كسلطة هو حقها بوصفها الكيان الوحيد المؤهل لممارسة هذا الدور؛ مما يعني أن غيابه هو انتشار الفوضى لا محالة.
وسيادة الدول لا تقتصر على أراضيها، بل تشمل مياهها ومجالها الجوي فوق إقليمها؛ حيث نصت الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة: «بالامتناع عن التهديد باستخدام القوة ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي»، في حين تنص المادة الأولى من اتفاقية شيكاغو للطيران المدني لعام (1944) - باعتبارها القانون الدولي المنظم للطيران- بأن: «لكل دولة سيادة كاملة ومطلقة على المجال الجوي فوق إقليمها»، وضرورة الحصول على إذن قبل دخول المجال الجوي لأي دولة.
وبالبناء على ذلك فإن أي مرور عسكري غير مصرح به (طائرات مسيرة/ صواريخ/ طائرات حربية) يُعد – حُكما- في عداد الانتهاك الصارخ للسيادة الجوية للدول، وهو ما يحرك الدول لممارسة حقها المشروع في الدفاع عن مبدأ ثابت وركن رابع من أركان الدولة وهو: ((السيادة))، لضمان عدم تحول إقليمها لساحة مفتوحة للمغامرات العسكرية والصراعات الخارجية، وبالتالي الانخراط في حرب ليست طرفا فيها من الأساس.
ومع دخول الحرب الإيرانية -الأميركية – الإسرائيلية أسبوعها الخامس، فإن ما تعرضت له العديد من الدول والذي يصنف تحت بند الاختراق السيادي للمجال الجوي للدول، يعني أن القضية ليست مجرد توتر سياسي يمكن احتواؤه بالبيانات الدبلوماسية التقليدية، بل ضرورة إستراتيجية تشكل أساس معادلة الدولة الحديثة الساعية نحو التحديث والتنمية والتخطيط للمستقبل والحفاظ على تماسكها المؤسسي في ضوء الحفاظ على الاستقرار، وهذا يعني أن أي متغير يتجاوز الحدود ويعزز الاضطراب لا يمكن التهاون أو التساهل معه؛ ولعل هذا ما يفسر جدية الخطابات والمواقف التي تندد مرارا وتكرارا بالانتهاك لسيادة الدول، وبأن هذا خط أحمر وانتهاك للقانون الدولي.
ما يعني أن تكرار التأكيد على هذا المبدأ ليس من باب الاستهلاك اللغوي؛ بل من باب إدراك دول المنطقة لمفهوم السيادة، في ظل ما نشهده من تحول في مفهوم الحرب التقليدي نحو حروب يدخل فيها الذكاء الاصطناعي والمسيرات والوكلاء، إلى جانب التعبئة الإعلامية العابرة للقارات والتي لا تقل أهمية عن الأدوات في ساحة الصراع؛ إذ إنها جميعا تصب في بوتقة هدف واحد وهو تقويض استقرار الدول دون إعلان حرب بالمفهوم التقليدي، وبالتالي فإن صون الدول الحديثة لسيادتها يعني ضمان شرق أوسط مستقر؛ لا يُبنى النفوذ فيه على الفوضى، ولا تُستخدم السلاح فيه بديلا للتفاوض أو أداة لتغيير التوازنات الداخلية للدول.