ترامب يريد إنهاء الحرب.. المشكلة بإيران
الغد
هآرتس
بقلم: تسفي برئيل
4/9/2026
"جائحة" جديدة تصيب ملايين السائقين في إيران. فقد تبين أن النقص الحاد بالبنزين يدفع أصحاب محطات الوقود إلى خلط الوقود بالماء، واحيانا ملء خزانات السيارات بالمياه فقط. النتيجة هي تعطل آلاف السيارات بعد بضع مئات أو عشرات الكيلومترات وتوقف المحركات عن العمل. وعند وصولهم إلى ورشة الصيانة يتم تبليغ أصحابها بضرورة إصلاح المحرك أو استبداله بمئات الدولارات، وذلك في افضل الحالات إذا توفرت قطع الغيار.
قد تبدو قصة المحركات هامشية مقارنة مع النقص الحاد في الأدوية والسلع الأساسية وتوقف الخدمات العامة، لكنها في نفس الوقت مؤشر على انهيار عمل الآليات العامة التي كانت تعتبر قبل الحرب فعالة، أو على الأقل بمثابة ملجأ للمواطنين لتقديم شكواهم. ولا يسع المرء إلا أن يحسب أسعار تصليح السيارة في إيران. فحسب شهادة مالك سيارة "بي.ام.دبليو" تعطل محركها بسبب تسرب المياه، اضطر إلى دفع 450 دولار من اجل إصلاحها، وكشف بحث في الانترنت أن تكلفة تصليح مشابه في إسرائيل قد تتجاوز 7 آلاف دولار.
مع ذلك، لا تدفع السيارات المحطمة المواطنين إلى الخروج إلى الشوارع، ويبدو ان نية رفع سعر البنزين وخفض حصص الوقود المدعومة لن تشعل الاحتجاج المنتظر. في عراق صدام حسين كان الوضع أصعب، لكن المواطنين وجدوا طرق لتجميع سياراتهم بأنفسهم من قطع غيار من مختلف المصنعين، وتوصيل المحركات باسلاك من الحديد وتقطير الوقود في البيوت أو تشغيلها باستخدام زيت الطعام. السؤال هو إلى متى يمكن لهذا الضغط الاقتصادي ان يحفز النظام على التفكير في خطة لكسر الجمود والعودة إلى طاولة المفاوضات.
تكمن الصعوبة في انه حتى لو كان هناك من يدرك ذلك في القيادة، فان النظام الإيراني غارق في صراعات داخلية على السلطة، ويجد صعوبة في اتخاذ قرارات حاسمة. فهو يجيد التصعيد التدريجي وإدارة الوكلاء واستخدام القوة بحذر وإرسال الإشارات واستنزاف الموارد وكسب الوقت. ولكن من غير الواضح كيف سينهي الحرب بطريقة منظمة، خاصة إذا كان يمكن اعتبار هذه النهاية اعتراف بأن الحملة لم تحقق ما وعد به. بسبب ذلك لا تستعجل طهران الحديث عن "نهاية"، بل عن العودة إلى "فترة التفاهم" و"الالتزامات المتبادلة" و"الحقوق السيادية" في مضيق هرمز، والتعويض عن الأضرار. بكلمات أخرى، إيران تبحث عن طريقة للتوقف بدون الإعلان عن ذلك. ومن اجل التراجع عن موقفها بدون الاعتراف بانها صعدت إلى علو مرتفع جدا.
حسب تقرير نشرته "وول ستريت جورنال" تشاور الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع مساعديه حول إمكانية إعلان إنهاء الحرب من جانب واحد مع استمرار الحصار الاقتصادي، على افتراض أن هذا الحصار سيجبر إيران على تفكيك برنامجها النووي أو التسبب بانهياره. قد يختلف المرء مع تقييمات ترامب ويتخلى عن توقعاته، لكن ميزته تكمن في سيطرته المطلقة على عملية صنع القرار. أما في إيران فالوضع معقد أكثر، حيث لا يعرف حتى من هو الشخص المخول باتخاذ قرار وقف الحرب وتحت أي شروط.
يستطيع ترامب أن يعلن عبر تغريدة أو أمام الكاميرا أنه "انتصر" ويوقف إطلاق النار، في حين لا توجد في إيران أي شخصية ذات سلطة مخولة لاتخاذ خطوة مشابهة. نظريا، يعتبر المرشد الأعلى "المختفي" مجتبى خامنئي السلطة العليا، لكن الخلاف العلني حتى بين مؤيدي العودة إلى المفاوضات – على سبيل المثال، بين الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، يظهر بوضوح أن الواقع السابق الذي كان فيه المرشد الأعلى يملي السياسة ويجبر حتى معارضيه على تبنيها، قد اصبح "مخصخص". أن المناوشات الكلامية بين القوى السياسية والعسكرية المتنافسة هي التي ستصوغ القرار الذي سيطلب من خامنئي تبنيه ونشره كما لو أنه قراره.
يمكن إيجاد تعبير يسلط الضوء على نمط هذه الخلافات في مقابلة مطولة أجراها منصور حقيقت - بور مع موقع "هاف صبح" الإيراني المستقل قبل أسبوع ونصف. بور (67 سنة) والذي ينتمي للتيار المحافظ غير المتشدد، كان قائد في الحرس الثوري وشغل مناصب رفيعة في قوة القدس، وانتخب بعد ذلك لعضوية البرلمان واصبح نائب رئيس لجنة الامن والسياسة الخارجية. في مقابلة طلب منه الصحافي الليبرالي افشين امير شاهي التحدث عن أوجه القصور في إدارة السياسة الخارجية وتساءل: هل يمتلك المسؤولون في الجمهورية الإسلامية القدرة على الاعتراف بالخطأ الاستراتيجي والاعتذار عنه سياسيا؟ كيف يمكن لمسؤولين تدارك بعض الأخطاء على الأقل؟.
اجاب حقيقت – بور على هذا السؤال بإجابة مطولة ومفصلة وواضحة. "هذا سؤال حساس جدا. يكمن الخلل الأساسي في الجمهورية الإسلامية في عدم اعترافنا بأخطائنا الإستراتيجية وعدم استعدادنا لدفع الثمن. أقول هذا بوضوح تام، لقد خسرنا في سورية. بعد إنفاق مليارات الدولارات والتضحية بالشهداء ودعم حكومة بشار الأسد خسرنا. من المسؤول عن هذا في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ ألا يجب محاسبة المسؤول في محكمة عسكرية؟ بل يجب فعل ذلك قطعا. من المسؤول عن عنصر المفاجأة في الحرب؟ ماذا أهملنا ولم نفهم؟ من هم المذنبون؟ في مجال السياسة الخارجية نحن بحاجة إلى تغيير النموذج السائد في سياسة البلاد الخارجية. السياسة الخارجية ليست مجال للأخلاق والمجاملة وتقديم النصيحة، بل هي مجال لحماية المصالح الوطنية". وتابع بور: "اين كان وزير خارجيتنا ووزير خارجية روسيا ووزير خارجية تركيا ليلة سقوط دمشق؟". حسنا، لقد كانوا في قطر وتحدثوا. ولكن ألم يدرك وزير خارجيتنا ان تركيا تخوننا؟ ألم يدرك ان روسيا تعقد صفقة؟ قلنا لهم كل ما نعرفه واعتقدنا انهم أصدقاء، لكن كل واحد منهم طعننا في ظهرنا. تحدثنا معهم عن طرق إبقاء بشار الأسد في الحكم. في الواقع قدمنا كل المعلومات لخصمنا. حققت انقرة غايتها. ارادت ان تكون سورية الفناء الخلفي لها، وهذا ما كان. جاء الروس أيضا واحتلوا أوكرانيا. تم تركنا بدون سند. هذا هو الخطأ الاستراتيجي. الخطأ الاستراتيجي يعني أننا في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم نعرف أن السيد بشار الأسد كان يسقط. خطأنا الاستراتيجي في سورية هو أننا كنا موجودين في هذه البلاد، لكن لم يكن لنا أي نفوذ. لو كان لنا نفوذ لتمكنا من السيطرة على سوريا".
هذا ليس الفشل الوحيد. فعندما سئل عما إذا كانوا قد أخطأوا في المبالغة في تقدير دعم روسيا والصين لإيران أجاب: "بذلت روسيا والصين كل الجهود في الأمم المتحدة. ولكن الساحة الدولية هي ساحة لتامين المصالح الوطنية، وتسعى روسيا والصين إلى تامين مصالحهما الوطنية"، أي انهما لم تعملا على تامين مصالح إيران.