الدستور
منذ فجر اليوم الأول من كانون الثاني، الأول من عام 2026، أي مع مناسبة الاحتفال بليلة العام الجديد، أو هكذا يُفترض، ورغم برودة الطقس الحاد، نصف مليون تركي خرجوا، التأموا، تجمعوا، وسط مدينة إسطنبول، تضامنًا مع الشعب الفلسطيني، ودعمًا له، وتعاطفًا مع أوجاعه ومعاناته، ورفضًا لما يتعرض له من قتل وتدمير، على يد قوات المستعمرة الإسرائيلية وجرائمها، وتمنع حق الحياة عن الفلسطينيين، وتحرمهم أن يكونوا كباقي البشر لدى البلدان المتحضرة، المستقلة التي تملك قرار حريتها.
نصف مليون تركي، يحتجون على سلوك المستعمرة ضد الفلسطينيين، وتغولها، وتبجحها، وتعرية حقيقتها كمشروع استعماري عدواني توسعي فاشي، لم يعد فقط ضد الشعب الفلسطيني والاستيلاء على كامل خارطة وطنه الذي لا وطن له غيره، بل امتد مشروعهم التوسعي الاستعماري ليشمل عدوانها على لبنان وسوريا واليمن، وها هي تتطاول على منطقة القرن الإفريقي في مسعى كي تكون طرفًا إقليميًا مقررًا على حساب شعوبها وبلدانها.
ليست مسألة «أرض الصومال» والاعتراف بانفصالها من قبل المستعمرة ودعم خروجها عن وحدة الصومال، مسألة سياسية في الانحياز لطرف صومالي ضد آخر، بل هي خطوة تستهدف تمزيق دول المنطقة، كما سبق وحاولت مع لبنان في سبعينات القرن الماضي، وكما تسعى اليوم مع سوريا في ادعاء دعم دروز بني معروف العرب السوريين، وادعاء تبني قضية الأكراد السوريين، كما سبقت وساهمت وتبنت انقسام جنوب السودان عن شماله، وهكذا تبحث عن أية مسامات للتسلل لها وبها ومن خلالها بهدف الهيمنة والسيطرة وبسط التغول على مقدرات منطقتنا العربية، وسياساتها والمس بوحدتها وتمزيقها، ليبقى لها الشأن في مواصلة احتلال كامل خارطة فلسطين والتوسع على حساب شعوب الشرق العربي وبلدانها، ومنطقة القرن الإفريقي، وشرق المتوسط، والبحر الأحمر.
تطلعات المستعمرة في التوسع، تمت بدعم أوروبي سابق، وأميركي لاحق وحالي، بسبب:
1 - الانقسام الفلسطيني في منطقتي الاحتلال الأولى عام 1948، بين القوى السياسية، وفقدان خيارها في الائتلاف والتحالف لخوض الانتخابات البرلمانية بقائمة برلمانية واحدة، وعدم خوض المعارك السياسية عبر التماسك والوحدة في مواجهة تحالف اليمين السياسي المتطرف، مع اليمين الديني اليهودي المشدد.
2 - الانقسام الفاقع بين فصائل العمل السياسي الوطني في منطقة الاحتلال الثانية عام 1967، بين فتح وحماس، بين فصائل منظمة التحرير وبين حماس، وبين سلطتي رام الله وغزة، وفشلهم في إنهاء الانقسام، وغياب الوحدة الوطنية، وإشاعة مرض «الاستئثار» السائد بين طرفي الانقسام الفلسطيني.
3 - بسبب عدم التفاهم العميق بين البلدان العربية، وغياب الأولويات المشتركة فيما بينها، وإعطاء الأولويات لمصالح ضيقة على حساب المصالح القومية الاستراتيجية.
4 - بسبب غياب التفاهم والرؤى المشتركة بين تركيا وإيران، وبينهما وبين البلدان العربية، كل هذا يسمح للتغول والتوسع ومحاولات هيمنة وتسلط المستعمرة الإسرائيلية على منطقتنا في الشرق العربي، وشرق المتوسط، والبحر الأحمر، والقرن الإفريقي.
لهذا يجب معالجة هذه الأمراض السياسية، وتجنبها حتى تؤدي إلى الاستقرار والكرامة وحرية القرار العربي.