عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Nov-2026

سرقة الأفكار*إسماعيل الشريف

 الدستور

الكلمة قد تُسرق، لكن الروح لا تُنتزع، رواية «السماء لا تمطر حكايات» 
 
- زينب عفيفي.
 
قبل فترة، وقفت مع أحد الكتّاب المخضرمين المحترمين، فهمس لي قائلًا: أتعرف أن الكاتب الفلاني الشهير يستخدم أحيانًا بعض المصطلحات والتراكيب التي سبق أن كتبتُها؟
 
لم يعجبني كلامه. تذكرت والدي، رحمه الله؛ كان إذا سمع كلامًا لا يروقه، لا يعلّق عليه، وإنما يكتفي بابتسامة.
 
يستفزّني كذلك بعض الأصدقاء على منصات التواصل الاجتماعي حين يهاجمون الآخرين، متهمين إياهم بأنهم يسرقون «بوستاتهم».
 
إذا كنت تنشر كثيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات طويلة، فمن المحتمل جدًا أن تكتب يومًا فكرة أو عبارة تطابق، من دون أن تدري، منشورًا سبق أن نشره أحد أصدقائك. ستعتقد أنك قدّمت فكرة جديدة، بينما تكون قد كُتبت بالفعل من قبل. وحينها ستشعر بقدر كبير من الظلم إذا بادر صديقك إلى اتهامك بسرقة منشوره، ثم أرسل إليك على الخاص رسالة تعجّ بالوجوه الغاضبة!
 
أستغرب أن يغضب أحد لأن أفكاره قد «سُرقت»؛ فسرقة الفكرة، في حد ذاتها، لا تُنقص من صاحبها شيئًا، ولا تنتزع منه ما كتب أو فكّر فيه.
 
ربما يمكن تفسير هذا الغضب بشيء متأصل في غرائزنا الحيوانية وفي جيناتنا البعيدة؛ إذ نتعامل مع من يأخذ شيئًا منا باعتباره تهديدًا، فيتحول في وعينا إلى خصم ينبغي مطاردته. ولعل من حسن حظنا أن المجتمعات تحكمها قوانين تنظّم العلاقات بين الناس وتضبط ردود أفعالهم؛ فبغياب هذه القوانين قد لا نكون بعيدين كثيرًا عن العودة إلى شريعة الغاب.
 
أما من يُتَّهم بالسرقة، فهو الآن الطريدة المهدَّدة التي لا تفكر إلا في النجاة والفرار بحياتها!
 
والنتيجة أن هذا النوع من التنمّر قد يؤدي إلى اختفاء بعض المواهب الكتابية الصاعدة قبل أن تجد فرصتها للنضج والظهور. وهو يشبه تمامًا ما يفعله بعض الآباء حين يقابلون كل محاولة لأبنائهم في التعبير أو إبداء الرأي بعبارة ساخرة: شو بفهمكم!
 
ترى، كم موهبةً ضاعت، وكم صوتًا خفت، بين هاتين الكلمتين؟
 
ثم إن «السرقة» قد تحدث أحيانًا من دون وعي. لنفترض أنك قرأت يومًا عبارة جميلة أعجبتك، ثم نسيتها مع مرور الوقت. قد تبقى تلك العبارة كامنة في اللاوعي، وبعد سنوات طويلة، حين تحاول التعبير عن فكرة معينة، قد تخرج على لسانك أو قلمك من غير أن تدرك أنك قرأتها من قبل. بل قد تظن أنها وُلدت للتو في ذهنك، فتربت على رأسك مزهوًّا بنفسك وتقول: يا لي من عبقري موهوب!
 
نقل المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري عن محمد حسنين هيكل قوله: إن النسيان، وليس التذكّر، هو الذي يصنع المثقف.
 
والخلاصة: لا تنشغل كثيرًا إذا شعرت أن أحدًا يقتبس أفكارك ويعيد استخدامها. بل انظر إلى الأمر من زاوية أجمل؛ فربما كان ذلك دليلًا على أن ما تكتبه جميل وذكي ويترك أثرًا في الآخرين.
 
أما أنتم، فاستمروا في الكتابة. لا تخافوا، ولا تجعلوا مثل هذه الأمور توقفكم. وإذا أحببتم الكتابة، فنصيحتي لكم: اقرأوا، واقرأوا كثيرًا، وولّدوا أفكارًا جميلة. وإذا استلهمتم فكرة من غيركم، فلا تستحوا من ذلك، بل اذكروا مصدرها بوضوح.
 
واكتبوا لأنفسكم ولأرواحكم أولًا، بعيدًا عن مطاردة أيقونات الإعجاب وأرقام التفاعل.