الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ألون بن مئير* – (مدونة الكاتب) 14/8/2026
يمر العالم بلحظة تتشابك فيها الحروب والفقر واللامساواة وتآكل المؤسسات، حتى لم تعد الأزمات الكبرى حبيسة الأطراف البعيدة. وتكشف الأزمات، من غزة والسودان إلى أوكرانيا، عن عجز النظام الدولي عن الوقاية والمساءلة، وتفاقم هشاشة المجتمعات بفعل التدهور الاقتصادي والمناخي والتكنولوجي. ولا تتعلق المشكلة بنقص المعرفة بقدر ما هي غياب الإرادة السياسية؛ ويقتضي كسر هذه الحلقة إعادة بناء التعاون الدولي والعقود الاجتماعية والمؤسسات الديمقراطية وآليات المساءلة، قبل أن يصبح ثمن الفشل أكثر كارثية.
إننا نعيش في هذه الأوقات لحظةً تاريخية من الاضطراب المتراكِب. لم تعد الحروب وعدم المساواة والفقر ظواهر مقصورة على الأماكن "القصية". لقد تشابكت وانضفرت جميعاً معاً لتصنع أزمة عالمية واحدة تمتد عبر القارات، والأقاليم، والأنظمة. ولم يعد حجم الفقر وحده هو ما يميز هذه اللحظة -ثمة نحو 1.1 مليار إنسان يعيشون في فقر متعدد الأبعاد في مختلف أنحاء العالم- وإنما أصبحت تتميز بانهيار الأنظمة نفسها التي كان يفترض أن تحول دون استشراء الفقر في المقام الأول. إننا نواجه الآن "`لانظامَ`عالمياً جديداً" تتكاثر فيه الصدمات، بينما تتآكل أمام أعيننا أدوات امتصاص الصدمات التي كان ينبغي أن يوفرها التعاون العالمي، والديمقراطية، والعقود الاجتماعية. وقد تضافرت خمس قوى بنيوية لتقودنا إلى هذا الواقع الحزين.
أولاً، تجزأت القوة. أفسحَت لحظة أحادية القطبية الوجيزة التي أعقبت الحرب الباردة الطريق أمام نشوء ساحة مكتظة بالقوى الكبرى والمتوسطة التي تتنافس عن طريق العقوبات والرسوم الجمركية والطاقة وسلاسل الإمداد، وتستخدمها كأدواتٍ للإكراه. وكانت النتيجة مواجهة جيو-اقتصادية تقوض الثقة وتعرقل العمل الجماعي في مواجهة تغير المناخ وفي مجال الحد من التسلح. وهكذا، تتحول الصراعات الإقليمية إلى حروب بالوكالة، ويصبح النظام العالمي على نحو متزايد انعكاساً للقوة أكثر منه انعكاساً للقانون.
ثانياً، أفرغت اللامساواة وحالة انعدام اليقين الاقتصادي العقودَ الاجتماعية من مضمونها. وقد خلّفت الأزمة المالية العالمية، وجائحة "كوفيد"، وصدمات التضخم، مجتمعات مثقلة بديون متزايدة، وأجور راكدة، وتركيز متصاعد للثروة. وبالنسبة لكثيرين، أصبحت الحياة أكثر هشاشة وانعداماً للأمان -حتى في وقت شهد ازدياداً للثروة. وهذا الشعور بانعدام الأمان قابل للانفجار سياسياً: فهو يغذي مشاعر السخط، ويمكّن الديماغوجيين، ويضعف التوافق الديمقراطي. وهو في الدول الهشة يزيد خطر الانهيار؛ وفي الدول الأكثر ثراءً، يدفع نحو سياسات محصلتها صفر، وإلى صعود زعامات من نموذج "الرجل القوي".
ثالثاً، أصبح الانهيار البيئي عاملاً محورياً في إشعال الصراعات. ثمة التغير المناخي يغذي موجات الطقس المتطرف، وشحّ المياه، وانعدام الأمن الغذائي. وحين تنهار سبل العيش أو تجف الأراضي، تواجه المجتمعات خطر النزوح، والاستقطاب من جانب الجماعات المسلحة، والتنافس العنيف على الموارد.
رابعاً، نحن نشهد تآكل المؤسسات الديمقراطية بالتوازي مع صعود السلطوية. ثمة البرلمانات تُهمَّش، والمحاكم تُسيَّس، والإعلام المستقل يواجه القمع. والزعماء الذين يعجزون عن تحقيق الازدهار يلجؤون إلى القمع وإلى تحميل الآخرين مسؤولية الفشل. وفي مثل هذه الأنظمة، لا تمثل انتهاكات حقوق الإنسان انحرافات استثنائية؛ بقدر ما تصبح أدوات للسيطرة.
وأخيراً، أدّى الاضطراب التكنولوجي إلى تحويل فضاء المعلومات إلى ساحة معركة. هناك تُستغل المنصات الرقمية لنشر المعلومات المضللة، وزرع الاستقطاب في المجتمعات، وحشد التطرف. وتطمس العمليات السيبرانية الخط الفاصل بين الحرب والسلام، بينما تؤدي الدعاية المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى تقويض الثقة بالمؤسسات -وبالحقيقة ذاتها.
يمكننا أن نرى هذا الفشل وهو يجلى بوضوح في ثلاث أزمات.
ولننظر إلى غزة. بعد سنوات من الحصار، والحروب المتكررة، والفقر الممنهج، أفضت الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة إلى نزوح جماعي، وجوع مفرط، وتدمير هائل للبنية التحتية المدنية على نطاق لم يسبق له مثيل. وقد سُوّيت أحياء بأكملها بالأرض، وتحولت المستشفيات والجامعات إلى أنقاض، وأدى اقتصاد مدمر مُسبقاً إلى حدوث مجاعة واسعة النطاق ومقتل أكثر من 73 ألف شخص -معظمهم من المدنيين. وبالنظر إلى هذه الوقائع مجتمعة، فإن ما حدث لا يقل عن أن يكون إبادة جماعية كاملة.
في الوقت نفسه، تشهد الضفة الغربية موجة من النزوح الإجباري والعنف الاستيطاني هي الأشد منذ العام 1967. ويتم استدعاء القانون الدولي، لكنه يتعرض للتجاهل بصورة فاضحة بينما تغيب المساءلة غياباً تاماً. وفي الحقيقة، أصبحت غزة والضفة الغربية مرآة لإفلاسنا الأخلاقي، وانكشف بوضوح خواء الخطاب الإنساني.
وهناك السودان الذي يشكل بدوره إخفاقاً مأساوياً آخر لإنسانيتنا المشتركة. هناك أفضت مواجهة شرسة بين فصائل مسلحة متنافسة إلى إغراق البلد في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم. وقد تعرّضت المدن للقصف، ونُهبت الأسواق، وهوجمت المستشفيات، وتعرضت المجتمعات للإرهاب على أسس إثنية، بينما نزح ملايين الأشخاص وتشردوا داخل البلاد. ومع ذلك، يغيب الاهتمام والانخراط الدوليين بينما تواصل آلات القتل التدفق إلى أيدي أطراف القتال -وكأن التدمير البطيء لأمة بأكملها ليس أكثر من عرض جانبي.
وبعد أربع سنوات من حرب شاملة، تواجه أوكرانيا خطوطَ قتال مترسخة، وبنية تحتية محطمة، وملايين اللاجئين، وجيلاً يعاني من آثار الصدمة. وقد أعادت الحرب عسكرة أوروبا، وجلبت المخاوف النووية إلى الواجهة، وعمّقت الصدمات التي أصابت الطاقة عالمياً. كما عززت الانقسام العالمي بينما تتعامل الأطراف المتعارضة مع أوكرانيا باعتبارها ساحة للمعركة من جهة، واختباراً لحدود نظام الأمن الذي نشأ بعد الحرب الباردة من جهة أخرى. ولا تتعلق المخاطر هنا بالأراضي وحدها بقدر ما تتعلق بما إذا كان سيتم القبول بالقوة الغاشمة مرة أخرى بوصفها أداة مشروعة للتوسع والنفوذ.
تكشف هذه الأزمات الثلاث عن نمط أوسع: هناك مجتمع دولي يوثّق ويناقش ويستنكر، لكنه نادراً ما يتدخل لوقف الصراعات أو جبر أضرارها أو الحيلولة دون وقوعها قبل أن تنفجر. ومن الواضح أن مشكلتنا لا تكمن في نقص المعلومات؛ وإنما في نقص الإرادة.
يناقش مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرارات ويعتمدها، ثم يجري تجاهل معظمها إلى حد كبير. ويتم نشر بعثات حفظ السلام بتفويضات لا تستطيع تنفيذها، وبموارد لا تحصل عليها، وفي النهاية تُلام عندما تفشل. وتعاني المهمات الإنسانية نقصاً مزمناً في التمويل، مما يجبر الوكالات على اتخاذ قرارات قاسية بشأن كيفية توزيع الموارد المحدودة. وفي الوقت نفسه، تقوِّض المعايير المزدوجة مصداقية القانون الدولي بينما تُطالب الدول بمساءلة أعدائها بالمساءلة بينما تُقدم الأعذار لحلفائها.
كيف نكسر هذه الدائرة الشرسة؟
إن ما أطرحه أدناه هو بالتأكيد أسهل على القول منه على الفعل. ثمة نقص الإرادة السياسية، وشح الموارد، والمصالح الأنانية، والتنافس السياسي المميت الذي يتخذ في كثير من الأحيان طابعاً عنيفاً، والتي تجعل كلها من أي علاج مقترح نضالاً شاقاً -إن لم يكن مستحيلاً- في ظل الظروف الراهنة. ومع ذلك، لا بد من الشروع في النقاش حتى لا نستسلم لليأس ونترك الأمور تمضي على عواهنها إلى حيث تمضي، بما يلحق بنا الضرر.
علينا أن نعيد تصميم التعاون بين الدول بحيث يصبح مؤثراً وذا نتائج ملموسة وليس مجرد ممارسة بروتوكولية. عندما تؤدي منافسة القوى الكبرى إلى شل المؤسسات الدولية، ينبغي تمكين ائتلافات القوى المتوسطة والمنظمات الإقليمية من فرض حظر الأسلحة، وضمان المرور الآمن للناس، وتقديم الوساطة في الصراعات العنيفة. وعلينا أن ننشئ آليات إنفاذ متداخلة ومتعددة المستويات حتى لا تتوقف حماية المدنيين على أهواء ديكتاتور أو على استخدام حق النقض في مجلس الأمن الدولي.
علينا أن نعيد بناء العقود الاجتماعية من خلال التصدي لعدم المساواة بشجاعة سياسية. ويمكن للضرائب التصاعدية، وشبكات الأمان الاجتماعي القوية، والرعاية الصحية والتعليم الشاملان، والاستثمارات في القطاعات القادرة على خلق فرص العمل، أن تكسر حلقة الفقر المستوطن، وأن تحد من التطرف والسخط. وبالإضافة إلى ذلك، علينا أن نتعامل مع العمل المناخي بجدية من خلال وضع استثمارات ضخمة في الطاقة النظيفة، وإنفاذ الأحكام المنظِّمة لاستخدام موارد الأرض والمياه.
علينا أن ندافع عن الديمقراطية والفضاء المدني باعتبارهما أداتين وقائيتين. وينبغي أن نربط نقل الأسلحة، والتعاون الأمني، والتفضيلات التجارية باحترام سيادة القانون وحقوق الإنسان، لا أن نجعلها رهينة لتجاوزات وتبريرات مثالية منفصلة عن الواقع. هكذا يمكننا الحد من الصراعات المستقبلية والفظائع الجماعية.
وينبغي أن نستثمر في الصحفيين والناشطين والمحامين والمنظمات المحلية التي توثق الانتهاكات وتحاسب أصحاب السلطة، ولا يمكن لأي منظومة قانونية أن تؤدي وظيفتها من دونهم.
مع الانتشار الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي، نحتاج إلى وضع قواعد تحكم فضاء المعلومات. نحتاج إلى الشفافية، ووضع قيود على المعلومات الكاذبة، وإرساء معايير دولية للأنشطة السيبرانية، من أجل حماية الديمقراطية ووقف التلاعب والاستغلال في فضاء الإنترنت من التحول إلى عنف في العالم الواقعي.
علينا أن نحيي روح العمل الإنساني والمساءلة، وأن نرفض قبول التجويع والحصار والنزوح القسري الجماعي على غرار ما يحدث في غزة والسودان وأوكرانيا واليمن، وألا نعتبرها أدوات حرب يمكن التسامح معها.
وعلينا أن نعزز المحاكم الدولية والمحلية حتى يواجه القادة العسكريون والسياسيون الذين يأمرون بارتكاب الفظائع أو يتغاضون عنها عواقب حقيقية. ولا ينبغي أن ننسى أن الإفلات من العقاب هو الأكسجين الذي تتنفسه وتعيش عليه الدائرة الشرسة؛ وأن المساءلة هي الوسيلة التي نستطيع بها خنقها.
سوف يقاوم كثيرون ما سبق، وهم الذين يجنون الأرباح من الفوضى الراهنة. لكنّ علينا أن نتذكر أن "تكاليف" الوقاية تظل ضئيلة بما لا يقاس مقارنة بالتكاليف الكارثية التي ندفعها فعلياً -من أرواح تُزهق، وثروات تُستنزف، وتآكل يصيب أخلاقنا وقيمنا ذاتها.
إن هذه الحلقة المفرغة والدائرة الشرسة التي لا تنفك من الحروب وعدم المساواة والفقر هي من صنع قراراتنا نحن، ومِن صنع تقاعسنا وتغاضينا وتكيّفنا مع ما كان ينبغي رفضه. ولهذا تحديداً يمكننا إصلاحها -إذا ما بادرت كل حكومة مسؤولة عن شعبها إلى حشد مواردها البشرية والمادية، وإعادة صياغة مستقبلها بعزم لا يتزعزع بحيث يقوم على كرامة الإنسان والعدالة، وإذا ما استعدنا، معاً، إنسانيتنا المشتركة.
*ألون بن مئير Alon Ben-Meir: أكاديمي وكاتب ومحلل سياسي إسرائيلي-أميركي، ولد في العراق لأسرة يهودية وانتقل إلى إسرائيل في شبابه قبل أن يستقر لاحقاً في الولايات المتحدة. وهو معروف بكتاباته وتحليلاته حول سياسات الشرق الأوسط -وخاصة الصراع العربي-الإسرائيلي، حيث يدعو إلى تسوية سلمية تقوم على حل الدولتين. عمل أستاذاً للعلاقات الدولية في مركز الشؤون الدولية بجامعة نيويورك، وشارك في محاضرات وندوات دولية تناولت قضايا الأمن الإقليمي وحقوق الإنسان والدبلوماسية. تُنشر مقالاته في صحف ومجلات دولية، ويعرف بأسلوبه النقدي تجاه السياسات الإسرائيلية التي يراها معرقلة للسلام، مع تركيزه على الحوار والتفاهم بين الشعوب كسبيل لإنهاء النزاعات.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:Wars, Inequality, And Poverty No Longer Confined To Faraway Places