عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Oct-2026

قراءة في تجربة الكوفحي.. من الشعر إلى بناء الوعي الثقافي

 الغد-عزيزة علي

تناولت أمسية شعرية وقراءة نقدية تجربة الشاعر والأكاديمي الدكتور إبراهيم الكوفحي، وسلطت الضوء على ملامح مشروعه الثقافي الذي يجمع بين الإبداع الشعري والرؤية النقدية والمعرفة الأكاديمية، في إطار رؤية تستند إلى التفاعل بين التراث العربي ومتطلبات التجديد والمعاصرة.
 
 
وجاءت هذه الأمسية بتنظيم من ملتقى سماء الثقافة، أول من أمس، في قاعة المكتبة الوطنية الأردنية، وتضمنت قراءة نقدية قدمها الدكتور زهير شاكر في ورقة تناولت التكوين المعرفي للكوفحي، وأثره في بناء مشروعه الثقافي، إلى جانب رؤيته النقدية ودورها في تعزيز الوعي الثقافي، وملامح تجربته الشعرية وما تنطوي عليه من أبعاد إنسانية وفكرية وجمالية. وتولت رئيسة الملتقى، هيام ضمرة، قراءة الورقة نيابة عن شاكر الذي تعذر عليه الحضور، فيما أدار الأمسية مهند أبو فلاح.
وركزت الورقة على المكانة التي تحتلها اللغة العربية والتراث في تجربة الكوفحي، مؤكدة أن التجديد الثقافي لا يتحقق بالقطيعة مع الموروث، وإنما بإعادة قراءته وفتح حوار معرفي متواصل بين الماضي والحاضر. كما تناولت دور النقد في تجاوز التحليل الفني للنصوص إلى استكشاف أبعادها الفكرية والحضارية، وربط الأدب بقضايا الإنسان والهوية والذاكرة والانتماء.
وتناولت الورقة تجربة الكوفحي بوصفها نموذجًا للمثقف العربي الذي استطاع الجمع بين الإبداع الشعري والرؤية النقدية والخبرة الأكاديمية، ضمن مشروع ثقافي متكامل.
وتسعى الورقة كما أشار شاكر إلى تقديم قراءة تحليلية في تجربة الكوفحي، انطلاقًا من فرضية مفادها أن قيمتها لا تكمن في تعدد أدواره الأدبية والعلمية فحسب، بل في نجاحه في بناء منظومة معرفية متماسكة تجمع بين الأصالة والتجديد، والتراث والمعاصرة، والجمال والوعي الحضاري.
وأشار شاكر، في ورقته، إلى أن أهمية دراسة تجربة الكوفحي تنبع من كونها تقدم نموذجًا للمثقف العربي الذي لم يكتفِ بإنتاج المعرفة، بل أسهم في توجيهها نحو خدمة الإنسان والهوية والثقافة، ما يجعل تجربته جديرة بالدراسة والتحليل في سياق الأدب العربي المعاصر.
وتوقفت الورقة عند التكوين المعرفي للكوفحي وأثره في بناء مشروعه الثقافي، مشيرة إلى أن مسيرته العلمية تعكس تكوينًا أكاديميًا راسخًا في اللغة العربية وآدابها، أسهم في تشكيل شخصية معرفية تجمع بين العمق المنهجي والانتماء الحضاري.
ولفتت إلى أن ارتباط الكوفحي باللغة العربية لم يكن وظيفيًا أو مهنيًا فحسب، بل اتخذ أبعادًا فكرية ووجدانية جعلت منها محورًا رئيسًا في مشروعه الثقافي.
وانعكس هذا الارتباط، وفق الورقة، في اهتمامه بالأدب والنقد والتحقيق العلمي ودراسة أعلام الثقافة العربية، الأمر الذي أسهم في بلورة رؤية متوازنة تقوم على استيعاب التراث وإعادة قراءته في ضوء أسئلة العصر. ورأى شاكر أن الكوفحي أدرك أن الثقافة العربية لا يمكن أن تتجدد عبر القطيعة مع موروثها، بل من خلال حوار معرفي متواصل بين الماضي والحاضر، الأمر الذي أضفى على مشروعه طابعًا حضاريًا يتجاوز حدود التخصص الضيق.
وتناول شاكر الرؤية النقدية لدى الدكتور إبراهيم الكوفحي، معتبرًا أن النقد في تجربته يمثل مشروعًا معرفيًا يتجاوز التحليل الفني للنصوص إلى استكشاف أبعادها الفكرية والثقافية والحضارية.
وأوضح أن النص الأدبي، في رؤية الكوفحي، ليس بنية لغوية مغلقة، بل كيان معرفي يعكس طبيعة الإنسان والمجتمع والتحولات الثقافية التي يعيشها. ومن هنا، اتجهت قراءاته النقدية إلى الكشف عن الأنساق العميقة الكامنة في الأعمال الأدبية، وربطها بسياقاتها التاريخية والفكرية.
وأضاف أن اهتمام الكوفحي بأعلام الأدب والفكر العربي أسهم في ترسيخ ثقافة نقدية واعية، تقوم على إعادة اكتشاف الرموز الثقافية للأمة، وربط الأجيال الجديدة بمنجزها الحضاري. ويجعل هذا البعد من النقد لديه أداة لبناء الوعي الثقافي، لا مجرد نشاط أكاديمي محدود. وفي تناوله للتجربة الشعرية، أشار شاكر إلى أن الكوفحي قدم تجربة متوازنة تجمع بين جمال التعبير وعمق الرؤية الفكرية، لافتًا إلى أن الشعر لديه لا يقوم على الزخرفة اللفظية أو الانفعال العابر، بل ينطلق من رؤية إنسانية تسعى إلى فهم الوجود والهوية والإنسان.
وأضاف أن قصائده تنشغل بأسئلة كبرى تتصل بالمعنى والذاكرة والانتماء والزمان، كما تكشف عن حساسية وجدانية عالية وقدرة على تحويل الخبرة الإنسانية إلى بناء جمالي مؤثر، تتحول فيه المشاعر إلى رؤى، والحنين إلى وعي، والتأمل إلى معرفة.
وبيّن أن الكوفحي استطاع، من خلال تجربته، تقديم نموذج للشاعر المفكر الذي لا يفصل بين الجمال والحكمة، ولا بين الشعر ورسالة الثقافة.
وفي محور المشروع الحضاري للمثقف العربي، أكد شاكر أن أهمية تجربة الكوفحي تتجاوز حدود الإبداع الفردي، لتندرج ضمن مشروع ثقافي عربي أوسع، ينظر إلى الأدب بوصفه وسيلة لبناء الإنسان وتعزيز الهوية الثقافية وترسيخ قيم المعرفة والجمال.
وأوضح أن نشاط الكوفحي الأدبي والنقدي والأكاديمي ارتبط برسالة حضارية تسعى إلى حماية اللغة العربية، وتعزيز مكانة الثقافة في المجتمع، وربط الأجيال الجديدة بتراثها الفكري. وأضاف أن هذا التوجه يمثل امتدادًا لمدرسة عربية أصيلة رأت في المثقف حاملًا للمعرفة ورسالة التنوير معًا، وليس مجرد منتج للنصوص أو البحوث العلمية.
وأشار شاكر إلى أن تجربة الكوفحي تمثل نموذجًا متكاملًا للمثقف العربي الذي يجمع بين الإبداع والنقد والمعرفة الأكاديمية، ويقوم مشروعه الثقافي على رؤية حضارية تربط الأدب بالهوية، والثقافة بالإنسان. كما يتجاوز النقد في تجربته القراءة الفنية للنصوص إلى الإسهام في بناء الوعي الثقافي والمعرفي، فيما تجمع تجربته الشعرية بين العمق الفكري والحساسية الإنسانية والجمال الفني. ولفت إلى أن أثر الكوفحي الثقافي يمتد إلى مجالات التعليم والبحث العلمي والإبداع الأدبي وخدمة الثقافة العربية، مؤكدًا أن تجربته تكشف عن نموذج ثقافي استطاع تحقيق معادلة بين الإبداع والمعرفة، والأصالة والتجديد، والرسالة الثقافية والإنجاز العلمي.
ومن منظور الدراسات الثقافية والأدبية المعاصرة، أوضح شاكر أن أهمية هذه التجربة لا تكمن في حجم الإنتاج الأدبي والنقدي فحسب، بل أيضًا في طبيعة الرؤية التي تحملها، وقدرتها على جعل الأدب وسيلة لبناء الإنسان، والنقد أداة لصناعة الوعي، والثقافة مشروعًا حضاريًا مستمر الأثر.
وخلص إلى أن الدكتور إبراهيم الكوفحي يمثل أحد النماذج العربية التي أسهمت في إثراء الثقافة العربية المعاصرة، وترسيخ مفهوم المثقف الحضاري الذي يجمع بين الكلمة والمعرفة والمسؤولية.
تلا ذلك، قرأ الشاعر الدكتور إبراهيم الكوفحي مجموعة من القصائد مثل "آه.. لو نمضي صديقين، ايام الشباب، الجنون العنيف، هو موطني الحاني"، وما جاء في قصيدة "أيام الشباب" تقول القصيدة:
"تذكّرتُ أيّام الشّبابِ، وإنّها/لأيّامُ جِدٍّ، ما عرفتُ بها هَزْلا/إذا ما لَهَا حولي الرّفاقُ، رأيتني/ أخوضُ البحارَ الهُوجَ، أستعذبُ الهَوْلا/يصيحونَ: مجنونٌ، ألا ارجعْ، وإنّني/لمستمتِعٌ إذ أمخُرُ الموجَ والليلا/وإذ أصرعُ (الحيتانَ) من كلّ جانبٍ".