"مسيرة النضال الشعبي في القدس العاصمة".. دراسة تحليلية وتوثيقية
الغد-عزيزة علي
يعد كتاب "مسيرة النضال الشعبي في القدس العاصمة 1917–2025م"، للدكتورة نائلة الوعري، دراسة تحليلية وتوثيقية لمسار النضال الشعبي الفلسطيني في أبعاده السلمية والمدنية واللاعنف، منذ دخول الاحتلال البريطاني فلسطين العام 1917 وحتى الحالي، مع التركيز على القدس كرمز للنضال الوطني. كما يقدم الكتاب الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت، قراءة معمقة استنادا إلى مصادر محلية وأرشيفية، ويغطي أكثر من قرن من المواجهة الشعبية ضد الاستعمار البريطاني ثم المشروع الصهيوني، موضحا كيف أصبح النضال الشعبي جزءا من الحياة اليومية لجميع فئات المجتمع.
ويتناول الكتاب ميدان النضال الشعبي، محددا مفهومه ونطاقه الجغرافي من المحلي إلى الإقليمي والدولي، مع إبراز دور الجاليات العربية والإسلامية في دعمه. كما يدرس القاعدة البشرية للنضال في القدس وفلسطين، وعلاقات الدعم الإقليمي والدولي. ورؤية النضال الشعبي ورسالته وأهدافه.
يعرض الكتاب الثوابت الفلسطينية، من وحدة التراب وحق تقرير المصير إلى إقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس. ومشروعية النضال ومبرراته.
كما يناقش الأسس التاريخية والقانونية والشرعية التي يقوم عليها النضال الشعبي الفلسطيني. ويتناول الكتاب مفاهيم النضال الشعبي وقيادته الوطنية "1917–2025"، البنية القيادية في الداخل والشتات، من المجلس الإسلامي الأعلى إلى منظمة التحرير والحركات الإسلامية. ودور مؤسسات المجتمع المدني في النضال الشعبي "1917–2025"، ويرصد الكتاب مساهمات الهيئات الدينية، البلديات، النقابات، الجمعيات، والأطر الثقافية في دعم النضال الشعبي. ويستعرض فعاليات المقاومة الشعبية السلمية "1917–2025"، أساليب النضال وأدواته، والفعاليات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المرتبطة به، وأهدافه في تعزيز الجبهة الداخلية وترسيخ الوعي الوطني.
في تقديمه للكتاب، يشير المؤرخ الفلسطيني د. جوني منصور إلى أن الهبات والانتفاضات الفلسطينية بلغت أوجها في الثورة الكبرى العام 1936، وأن مسيرة التصدي للمشاريع الاستعمارية استمرت وما تزال فاعلة إلى اليوم. فرغم نكبة العام 1948، عادت الصحوة الفلسطينية إلى تحرك الفلسطينيين في الشتات، مؤكدة تمسكهم بوطنهم وحقهم في العودة، وإقامة دولتهم الشرعية على أرض فلسطين وعاصمتها القدس الشريف. وتحولت هذه الشعارات إلى ثوابت وطنية لا يتزعزع عنها أي فلسطيني، ومن يتخلى عنها يواجه نقدا لاذعا غير مسبوق. من هنا، تظل البوصلة الفلسطينية متجهة إلى القدس. ولماذا القدس؟ لأنها ليست مدينة عادية كسائر مدن فلسطين أو العالمين العربي والإسلامي، بل هي مدينة تحمل في جنباتها مسيرة تاريخية طويلة عاشها الشعب الفلسطيني منذ آلاف السنين، محافظا على شعلة حضورها متقدة. وهي تعكس الحضور الفلسطيني الكنعاني الأصيل المستمر عبر الزمن، في مواجهة سردية صهيونية تزعم حقا إلهيا لشعب مجهول الأصول. كما تحتل المدينة مكانة دينية وروحية في وجدان أهلها وسكانها الأصليين، بناة سورها ومساجدها وكنائسها ومؤسساتها.
من خلال هذا الكتاب تسعى المؤلفة إلى دراسة خلفيات ومسارات النضال الشعبي الفلسطيني، وتجارب الفلسطينيين في القدس عبر الزمن. فالثورات والانتفاضات الفلسطينية، بدءا بالانتفاضة الأولى العام 1987 المعروفة عالميا بـ"انتفاضة الحجارة"، ثم الانتفاضة الثانية العام 2000 "انتفاضة القدس"، وصولا إلى "طوفان الأقصى"، العام 2023 تحت شعار "دفاعا عن القدس"، كلها تؤكد تمسك الفلسطينيين بحقهم في أرضهم ووطنهم وتاريخهم وتراثهم ومقدساتهم الإسلامية والمسيحية.
مؤلفة الكتاب الدكتورة نائلة الوعري، تستعرض مسيرة النضال الشعبي السلمي والمدني غير المسلح في فلسطين خلال الفترة 1917–2025م، بدءا من مواجهة الاحتلال البريطاني (1917–1948م) ثم الصهيوني (1948–2025م). وأكدت الدراسة أن هذا النضال يختلف عن الكفاح المسلح، من حيث عدد المشاركين، مستوياتهم، أعمارهم، ميادينهم، أدواتهم، وخططهم. وخلصت الدراسة إلى أن حركة النضال الوطني ظلت مستمرة، تتقدم ببسالة واقتدار، وتسعى إلى تحقيق أهدافها المتمثلة في الحرية، الاستقلال، تقرير المصير، وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وتتجلى نتائجها فيما يأتي، أولا: انطلقت حركة النضال الشعبي في فلسطين، بما فيها القدس، لمواجهة المشروع الاستعماري منذ وصول طلائع الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى، حين اجتاز الحدود المصرية الفلسطينية عبر صحراء سيناء ضمن ما كان يعرف بجبهة الشام.
وتذمرت قبائل قضاء غزة وبئر السبع من توسع الجيش البريطاني في أراضيهم منتصف العام 1917م، وانضم بعض وجهاء العشائر إلى الثورة العربية في الحجاز بقيادة الشريف الحسين بن علي. انضم الحسين بن علي إلى الثورة، وتصاعد التذمر بسبب احتلال جميع أراضي فلسطين، بما فيها القدس، صباح يوم 9 ديسمبر 1917م، واستمرت حالة التدهور في فلسطين طوال فترة الحرب.
نتيجة لموجة التذمر والاضطراب خلال الحرب العالمية الأولى (1914–1918م) والخشية من تصاعدها، فرض الجيش البريطاني الأحكام العسكرية حتى 1 يونيو 1920م. ورغم مرور 108 أعوام على انطلاقة النضال، ما تزال المقاومة الشعبية صامدة.
ثانيا: تظل القدس عاصمة فلسطين الروحية والسياسية، ومع انطلاق حركة النضال الشعبي أضيف إليها لقب "عاصمة النضال الشعبي في فلسطين". ولم تتراجع خطوة رغم سيطرة الاحتلال المباشرة عليها خلال الفترة 1917–2025م، ومحاولات المستعمرين المختلفة من ترهيب وترغيب لتجريدها من هويتها ونضالها.
ثالثا: جمعت حركة النضال الوطني في الداخل والشتات بين النضال السلمي والكفاح المسلح في بعض مراحل مسيرتها، وهو ما يمكن وصفه بـ"سواعد البنادق وأغصان الزيتون". لكنها سرعان ما عادت إلى الخيار الشعبي السلمي، نظرًا لاختلال موازين القوى بين الشعب الفلسطيني وظهيره العربي والإسلامي مقارنة بالقوى الاستعمارية المدعومة بترسانات عسكرية حديثة لضمان مصالحها في المنطقة الحيوية.
رابعا: شكل النضال الشعبي الفلسطيني وما يزال نموذجا عالميا يُحتذى به، بما قدمه من إبداعات وأفكار خلاقة في ميادين المقاومة السلمية. وقد تناولته العديد من الدراسات والهيئات الدولية، مقارنة بتجارب الهند وباكستان وجنوب أفريقيا في حركات التحرر الوطني. وتستمر التجربة الفلسطينية من الإضراب العام والعصيان المدني العام 1936م، إلى انتفاضة الحجارة 1987م، وأحداث الأقصى 2000م، والبوابات الإلكترونية، واعتصامات المسجد الأقصى، وحي الشيخ جراح وباب العامود، ومسيرات العودة، ومراسيم تشييع الشهداء، دليلا على قدرة المقاومة الشعبية على التجدد والتطور، وإجبار الاحتلال على دفع ثمن وجوده حتى يرحل عن تراب الوطن. ومراسيم تشييع الشهداء، دليل على قدرة المقاومة الشعبية على التجدد والتطور، وإجبار الاحتلال على دفع ثمن وجوده حتى يرحل عن تراب الوطن.
خامسا: أصبحت حركة النضال الشعبي في فلسطين نمطا حياتيا شاملا، يشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وشارك فيها جميع أبناء المجتمع بغض النظر عن أعمارهم أو مستوياتهم الثقافية والاقتصادية. حتى أولئك الذين انخرط الاحتلال ببعضهم كـ"الطابور الخامس" عادوا إلى رشدهم وانحازوا لمسيرة شعبهم في الدفاع عن ترابه الوطني وتحقيق الحرية والاستقلال، رافضين الانصياع لإغراءات الاحتلال المادية الزائلة.
سادسا: إن النضال الشعبي السلمي في العالم، بما فيه فلسطين، هو نمط من المقاومة المنظمة التي تسير وفق أهداف وخطط وأنظمة محددة، ولها مقاتلوها وأساليبها الميدانية، ولا يقل تنظيمها عن الكفاح المسلح. من أهم مبادئها التحلي بالإرادة، والصبر، والثبات، ورباطة الجأش، وتجنب الانجرار إلى المواجهة العسكرية المباشرة، مع تحويل ترسانة الاحتلال البرية والبحرية والجوية والفضائية والاستخباراتية والسيبرانية إلى عبء ثقيل عليه، سواء استخدمها في القمع أو تركها راكدة في مستودعاته.
سابعا: التزمت حركة النضال الشعبي الفلسطيني بالثوابت الوطنية، ولا سيما حق تقرير المصير وممارسة الحياة الكريمة، والسعي نحو الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. ولم تتنازل عن هذه الثوابت مهما كثرت الضغوط والتحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية محليا وإقليميا ودوليا، وظلت قياداتها تصر على موقفها منذ العام 1917م، من دون أن يتنازل أي زعيم فلسطيني عنها أو عن أي جزء منها، مهما حصل على تفويض شعبي أو دعم عربي وإسلامي ودولي.
ثامنا: حظيت حركة النضال الشعبي السلمي بدعم العالمين العربي والإسلامي، وجالياتهما في الخارج، وأصحاب الضمير الحي، والهيئات الأممية، ماديا ومعنويا في مواجهة الاحتلال. في المقابل، وقفت بريطانيا الإمبراطورية إلى جانب المشروع الصهيوني في الفترة 1917–1948م، ثم نقلت التزاماتها إلى الولايات المتحدة وهاري ترومان وحلفائها من الدول العظمى، معتبرة فلسطين قاعدة استراتيجية لحماية مصالحها الاقتصادية والعسكرية. ودعمت الولايات المتحدة المشروع الصهيوني ماديا ومعنويا عبر قنوات متعددة تشمل الأموال والمعدات والخبرات والقوى البشرية والاستيطانية، ولم يتردد كبار مسؤوليها في الإعلان صراحة عن التزاماتهم بأمن إسرائيل وتزويدها بكل ما يلزم.
تاسعا: أدرك الاحتلال أهمية الكثافة السكانية العربية الإسلامية والقنوات الممتدة من العالمين العربي والإسلامي، التي كانت تزود فلسطين بالعلماء والطلاب والمرابطين والزوار والتجار والعمال، مما عزز البيئة السكانية في مواجهة الهجرة الصهيونية والاستيطان. فعمل الاحتلال على قطع هذه الروابط عبر الحدود والموانئ ومطار القدس، وبعد العام 1967م، عمد إلى تجفيف القنوات الداخلية بين القدس والأقاليم الفلسطينية باستخدام الجدار الفاصل، البوابات الإلكترونية، الحواجز العسكرية، وتحديد أعداد الزائرين حسب أعمارهم، إضافة إلى الطرد، الهدم، سحب الهويات، الإقامات الجبرية، والاعتقال.
وتقول المؤلفة "إن حركة المقاومة والنضال الشعبي الفلسطيني ستستمر مهما طال الزمن، ولن تثنيها أي عقبات أو مغريات عن سعيها إلى نيل الحرية والاستقلال، وحق تقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. وكما رحل الغزاة والمحتلون عبر التاريخ، فإن الاحتلال الصهيوني الغاصب إلى زوال، ولن ترهب الشعب الفلسطيني ترسانته العسكرية المدعومة من القوى الاستعمارية الغربية، بقيادة الولايات المتحدة".
وتؤكد أن دراسة حركة المقاومة والنضال الشعبي الفلسطيني تمثل مسارا جديدا في البحث التاريخي، يركز على دور الشعب بشرائحه كافة، في إدارة صراعه وتحقيق أهدافه، بدلا من اقتصاره على النخب السياسية والعسكرية والثقافية. وتشكل هذه الدراسة إطارا علميا يمكن للباحثين البناء عليه في المستقبل لتعميق الفهم حول ديناميات النضال الشعبي وأشكاله ومرتكزاته، وتبرز أهمية مواصلة البحث الأكاديمي في هذا المجال، بما يثري المعرفة ويعزز مكانة فلسطين وعاصمتها القدس كقضية مركزية للفلسطينيين والعرب والمسلمين وكل أحرار العالم.