الدستور-مهدي نصير
من بواكير تجربة أحمد كناني كانَ له صوتٌ خافتٌ مميَّزٌ يحاول أن يكون حاضراً وسط صخب الأصوات العالية والتي تكرِّر إيقاعاتٍ وبلاغاتٍ سئمتها الذائقة العربية وسئمها الواقع المتغيِّر والمتفجِّر والباحث عن لغةٍ جديدةٍ تعبِّرُ عنه.
«ذاهبٌ في خساراته» والصادر عن دار أزمنة 2014 هو الديوان الثاني لأحمد كناني بعد «مرايا مغلقة» والصادر عام 1999 عن دار الينابيع للنشر والتوزيع.
قصيدة أحمد كناني قصيدةٌ انبثقت من التجربة الشعرية العربية بتطوراتها وأصواتها، فهو شاعر عموديٌّ محلِّق وهو شاعر تفعيلةٍ متمكنٌ من أدواته، وهو الخارج على هذا وذاك والباحث عن إيقاعِ قصيدته الخاص به.
نقرأ من «ذاهبٌ في خساراته»:
«أنا النهر/ أغسل/ قبح الرمال/ أبثّ/ الملاسة في ناتئ الصخر/ أنصب فخّ الغواية/ للكائنات البليدةْ/ فيسكنها الاشتهاء».
وهذا مقطعٌ تفعيليٌّ صارمٌ في التزامه بتفعيلة «فعولن» الخليلية.
ولا يرتكز أحمد كناني بل يحاول أن يبتعد قصداً - فينجحُ حيناً ويخفقُ حيناً – عن إيقاعات البلاغة اللغوية الجاهزة والقوالب التراثية الجاهزة والتراكيب ذات الصبغة والصيغة البلاغية العالية الجرس والعديمة التأثير الفعلي في بناء القصيدة التي عليها أن تنبثق بلغتها وجرسها وإيقاعها من واقع التجربة وليس من ما استقرَّ في الذاكرة من إيقاعاتٍ تراثيةٍ كانت عند ولادتها مدهشةً حتى استهلكها وأبلاها الشُّعراء عبر القرون.
من قصيدته « رعدة الراعدة « يعي احمد كناني بحثه الشاق عن صوته الخاص بعيداً عن فاعلن وفعولن فيقول:
«مدخل أول :فعولن تناسب قلبي المحبّ/ ورمل البلاد/ وخبزي وبيتي/ فاعلن/ صوت جاز النشاز/ فكسرته/ ثم/ حاولت صوتي».
أحمد كناني في ديوانه هذا يبحث عن الصوت العميق للأشياء وعن النسغِ الدفين وعن الأصيل أمام طوفان الزيف الذي يغمر مجتمعاتنا وحياتنا في كلِّ مناحيها، نقرأ له من نفس القصيدة «رعدة الراعدة»:
«هزني/ جدّ جدّي/ يسبِّح قبل طيور الصباح/ يُعدّ/ كمائنه للذئاب/ ليحرس/ عنزته الشاردة/ هزني/ جوع أمي/ على الرغم من صاجها والرغيف/ أراها/ تسرّح أغنامها في الفلاة/ تقول: سيعمي الإله الذئاب/ وتخفرها/ دائماً/ بالدعاء الشفيف/ وقلبي غداة اشتهى أن يضلّ/ إلى وجبة الـ(هوت دوغ)/ بحكمة راعيةٍ/ عاتبته وقالت: ستعشق طعم ( الكراديش) حين تجوع/ وتفتقد الجرة الباردة».
ترتكز قصيدة أحمد كناني في ديوانه الجديد على انبثاق الصورة أو المشهد أو الحالة الشعورية ومن ثم تتلبَّسُها الكلمات وتخاصرها اللغةُ وتراقصها الظِّلال الكثيرة لمعانٍ تتوالدُ وتشفُّ ولا تقول كلَّ شيء، يقول أحمد كناني في قصيدته «لحنٌ قديم».
«انتبهي: عالقتان كحمامتين وديعتين/ إنهما القمران/ اللذان زرعتهما/ هناك/ في سفح/ صدرك المعشب»!.
هذه صورةٌ تتعالقُ مع لحظةِ شغفٍ حارَّةٍ تتلبَّسُها لغةٌ شفيفةٌ تكادُ تمسُّ تلكَ اللحظة أو تلك الصورة التي حمل المقطع شيئاً منها.
أحمد كناني شاعرٌ مطبوعٌ متمكنٌ من إيقاعاتِ أجداده الشُّعراء فتجده يحنُّ لإيقاعاتِ البحور الخليلية الراقصة والعالية والتي تحفظها الأذن العربية عن ظهر قلب، نقرأ لأحمد كناني ومن قصيدته « الرعاة « من هذا الديوان هذا المقطع العمودي من البحر الكامل الرصين:
« ما جفّ ضرعكِ يا نعاجُ وإنما/ أضحى الحليبُ مجفّفاً ومعلّبا/ راعي القطيع أضاع كلَّ لحونهِ/ ما عدتُ أعشق لحنه إن شبّبا/ ما عادَ ذئبُ الليلِ حول سياجنا/ يعوي ولا هرّت كلابي ثعلبا/ ما عاد يطربني القطيعُ ثغاؤُهُ/ فاللحنُ إن يمّمتُ شرقاً غرّبا».
والشعرُ في هذا الديوان يدنو من شغفِ الشِّعرِ ونارهِ التي تتوقَّدُ، يدنو ويقتربُ الشِّعرُ في هذا الديوان من نارٍ توقدها امرأةٌ في الحلمِ تحمل في قلبها كلَّ الأشياء التي نحبُّ: المرأة والجمال والخصب والوطن والكبرياء والشوق والحزنَ والشغفَ المتحرِّكَ في شهوةٍ لا ترتوي حتى تتجدَّد، نقرأ من قصيدة «الغيوم تخجلُ أن تراها»:
« يداي/ تتهمني بالغباء: كيف لَم أنتبه/ للحروف الكثيرة التي تتساقط/ من غيمة الشِّعر نحوي/ غداة/ تقترب مفاتنها من يدي/ التي تبتعد/ باتجاه القصيدة/ وتترك ديوان شَعرها/ دون قراءة».
يحضرُ الحزنُ والوطنُ والهزيمةُ وحزيران حضوراً عميقاً يُمشِّطُ خلايا الذاكرة المثقلة بواقعٍ مرٍّ تغدو به ذكرياتُ الذين حاربوا وانهزموا في حزيران 67 كأنها أصلٌ نتوق إليه: يا للرعب الذي تحمله هزيمةٌ تتخفى وتحتفي بهزيمة سابقةٍ أقلَّ منها قسوةً وبشاعة، نقرأ في هذا الوعي المُتشظِّي مقطعاً من قصيدة «قصائد»:
« إنه الخامس من حزيران/ حيث أبي/ يتذكّر خساراته/ ويحنّ إلى زيّهِ العسكريّ/ يفتح ألبومه/ كي يطلّ الوطنْ/ إنه الخامس من حزيران/ عمٌّ من الخمسة الشهداء/ تبقّى/ ظلّ حبيسَ أحلامه المتعبات/ وفي روحه/ وترٌ من شجنْ».
ويواصل عزفه على هذا الوترِ الحزين والمليءِ بالخيبةِ والعجزِ والخوفِ من القادمِ المرعب والذي كانت رؤوسهُ المرعبة تطلُّ في كلِّ مكان، نقرا من مقطعٍ آخر من قصيدة «قصائد»:
« كان يخلع بزّته العسكريةَ/ يعلّقها في الخزانة/ ثم يغفو/ وفي قلبه صورةٌ للوطنْ/ ها هو الآنَ/ بعد ثلاثين عاما/ يلمّع أزرار بزّته/ يدندن لحناً حزيناً/ ويبكي غداةَ يسمعُ/ نشيدنا المدرسيّ/ كمَن يبصر وجه البلاد/ بصفرتهِ في بياض الخريطة/ قد علاه الوهَنْ».
ولكن الأمل بالقادمِ وبالخصبِ - الذي تحضنه امرأةٌ / إلاهةٌ - والذي سيملأ الأرض خيراً وخصباً سيسود حيثُ يختتم أحمد كناني بهذا الأمل البعيد القادم المقطع الأخير من القصيدة الأخيرة في ديوانه فيقول:
«والنايُ إن كانت/ أصابعكَ الجميلة/ ترتقي درجاته/ سيسيل ألحاناً/ على جدب الطريق/ ويملأ الوادي عنبْ».