عامٌ على وقف برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية: كيف نعيد دمج الكفاءات الأردنية؟
جو 24 :
كتب- اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني
بعد مرور عام على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوقف عدد واسع من برامج المساعدات الخارجية لدول العالم الثالث الممولة بواسطة الوكالة الأمريكية للتنمية USAID، برزت في الأردن مجموعة من الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي تستدعي قراءة تحليلية تأخذ في الاعتبار ليس فقط صدمة توقف التمويل على دخل الأسر المتضررة، بل أيضًا السياق الإقليمي الأوسع، وفي مقدمته الحرب الدائرة في المنطقة وما تفرضه من قيود إضافية على فرص الاستثمار والعمل.
أثر صدمة الدخل على الأسر
تُقدَّر الوظائف التي فُقدت في الأردن بسبب وقف برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بنحو 36 ألف وظيفة مباشرة. ومع احتساب الأثر الأسري، يتجاوز عدد المتأثرين 140 ألف شخص. هذا الحجم من الفقدان المفاجئ للوظائف شكّل ضغطًا إضافيًا على سوق العمل، الذي يعاني أصلًا من معدلات بطالة مرتفعة، وأدى إلى زيادة المنافسة على فرص محدودة.
اللافت أن هذه الوظائف تركزت في قطاعات الصحة والتعليم والتنمية والهندسة والخدمات العامة، والبنية التحتية، وهي قطاعات تعتمد بدرجة متفاوتة على التمويل الخارجي، ما جعلها أكثر عرضة للصدمات عند توقف هذا التمويل.
وبالنظر إلى أن هذه الوظائف كانت تمثل مصدر دخل رئيسي لعدد كبير من الأسر، فإن توقفها المفاجئ أدى إلى انقطاع التدفق النقدي مقابل استمرار الالتزامات المالية.
تشمل هذه الالتزامات أقساط القروض المصرفية، والنفقات التعليمية، والتزامات النقل، إضافة إلى الإنفاق اليومي. ووفقًا لمفاهيم الاقتصاد الأسري، فإن هذا النوع من الصدمات يؤدي إلى اختلال مباشر في الميزانية، يُعالج غالبًا عبر السحب من المدخرات أو التوسع في الاقتراض.
وفي ظل محدودية البدائل، تلجأ الأسر إلى أدوات تمويل قصيرة ومتوسطة الأجل. ومع استمرار الأزمة، تتزايد احتمالية تراكم الديون وارتفاع كلفة خدمتها، خصوصًا في حال التأخر في السداد، ما يضع بعض الأسر في مسار تعثر مالي تدريجي.
الانعكاسات على الرفاه الاجتماعي
عدم الاستقرار المالي يرتبط بارتفاع مستويات التوتر وتراجع الشعور بالأمان الاقتصادي. وتشير الأدبيات إلى وجود علاقة بين الصدمات الاقتصادية المفاجئة وازدياد احتمالات ظهور أعراض مرتبطة بـالاكتئاب، خاصة لدى الفئات التي تتحمل مسؤوليات أسرية مباشرة.
خصائص الشريحة المتأثرة
جزء كبير من المتضررين ينتمي إلى فئة مهنية ذات خبرات متراكمة وكفاءات عالية. كثير منهم في منتصف المسار المهني، مع التزامات مالية وأسرية، ما يجعل إعادة الاندماج في سوق العمل أكثر تعقيدًا مقارنة بحديثي التخرج. هذا العامل يرفع من كلفة البطالة ويطيل أمدها.
الأثر الاقتصادي غير المباشر
تراجع بل توقف الدخل لدى آلاف الأسر انعكس على مستويات الاستهلاك، ما أدى إلى انكماش في الطلب على السلع والخدمات، خصوصًا في المجتمعات المحلية التي كانت تعتمد على هذه الرواتب كمصدر إنفاق رئيسي. كما تأثرت أنشطة اقتصادية مرتبطة بشكل غير مباشر بهذه البرامج، ما وسّع دائرة التأثير لتشمل قطاعات صغيرة ومتوسطة.
التأثير السلبي على الخدمات الأساسية
توقف البرامج لم يؤثر على العاملين فقط، بل امتد إلى المستفيدين من الخدمات الصحية والتعليمية والتنموية التي كانت تُقدَّم ضمن هذه المشاريع. هذا التراجع خلق فجوات خدمية، خصوصًا في المناطق التي كانت تعتمد على هذه البرامج كمصدر دعم رئيسي.
قيود السوق المحلي
سوق العمل الأردني لا يمتلك مرونة كافية لاستيعاب هذا العدد من الكفاءات في فترة قصيرة، خصوصًا في ظل تباطؤ بعض القطاعات، ما يؤدي إلى إطالة فترات التعطل وارتفاع الكلفة الاقتصادية والاجتماعية.
العامل الإقليمي—الحرب وتأثيرها الاقتصادي
يزداد تعقيد المشهد في ظل الحرب الدائرة في المنطقة، والتي تفرض جملة من الآثار الاقتصادية غير المباشرة. فحالة عدم الاستقرار الإقليمي تؤدي عادة إلى تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي، وارتفاع درجة المخاطر، ما يدفع المستثمرين إلى تأجيل أو تقليص مشاريعهم.
كما تؤثر هذه الظروف على قطاعات حيوية مثل السياحة والنقل والخدمات، وهي قطاعات تشكل مصادر تشغيل مهمة. إضافة إلى ذلك، فإن أسواق العمل الإقليمية—بما فيها بعض دول الخليج—قد تتأثر بسياسات احترازية في التوظيف نتيجة الضبابية الاقتصادية، ما يحد من فرص استيعاب العمالة الأردنية خارجيًا.
بالتالي، فإن الأزمة لم تعد ناتجة فقط عن توقف برامج USAID، بل أصبحت مرتبطة بسياق اقتصادي إقليمي ضاغط يقلّص من خيارات المعالجة التقليدية.
محدودية الاستجابة
حتى الآن، لم تتشكل استجابة مؤسسية شاملة بحجم التأثير. غياب أدوات امتصاص الصدمة—سواء عبر برامج تشغيل سريعة أو بدائل تمويلية—أدى إلى انتقال الأثر من صدمة مؤقتة إلى حالة ممتدة.
مسارات الاستجابة والسياسات المقترحة
في ضوء هذه التعقيدات، المعالجة الفعّالة تتطلب الانتقال من الحلول المؤقتة إلى مقاربة هيكلية أكثر تكاملًا ومرونة تستند إلى استثمار الكفاءات المتاحة. ويمكن تلخيص مسارات العمل المقترحة على النحو التالي:
•إطلاق خطة وطنية لإعادة الدمج الوظيفي بالشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص، مع حوافز تستهدف الكفاءات المتأثرة.
•تحفيز الاستثمار المحلي لتعويض جزء من تراجع الاستثمار الخارجي، مع التركيز على القطاعات القادرة على خلق فرص عمل.
•تنفيذ برامج إعادة تأهيل مهني تركز على المهارات الرقمية والقطاعات الأقل تأثرًا بالتقلبات الإقليمية.
•تنويع قنوات التشغيل الخارجي وعدم حصرها في نطاق جغرافي محدود، لتقليل المخاطر المرتبطة بالأوضاع الإقليمية.
•تعزيز بيئة ريادة الأعمال لتشجيع إنشاء مشاريع جديدة قادرة على توليد فرص عمل.
•إنشاء قاعدة بيانات وطنية لهذه الكفاءات تُستخدم في مواءمة العرض مع الطلب محليًا وخارجيا.
خلاصة
تكشف تداعيات توقف برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، مقترنةً بالظروف الإقليمية غير المستقرة، عن تحدٍ مركب يتجاوز حدود سوق العمل المحلي.
المعالجة تتطلب سياسات اقتصادية نشطة قادرة على امتصاص الصدمة، وتقليل أثرها على الأسر، مع تعزيز قدرة الاقتصاد على التكيّف مع بيئة إقليمية متقلبة. نجاح هذه المقاربة مرهون بقدرة الفاعلين الاقتصاديين على التحرك ضمن رؤية متكاملة تجمع بين الاستجابة السريعة والإصلاح الهيكلي طويل الأمد.