هل يترك ترامب أوكرانيا لبوتين.. السر يكمن في وقود الديزل؟
الغد
عواصم – لم يعد الخلاف بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مقتصراً على شروط إنهاء الحرب مع روسيا، بل انتقل إلى صراع على الأدوات التي تستطيع كييف استخدامها لإضعاف موسكو.
ويكشف الاتفاق الأميركي الروسي على توريد الديزل، بالتزامن مع مطالبة ترامب بوقف الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية ودعوته إلى قيادة جديدة في كييف، عن تحول محتمل في أولويات واشنطن، من الضغط على الكرملين إلى الضغط على الطرف الذي يفترض أنها تدعمه.
ويضع هذا التحول أوكرانيا أمام معادلة صعبة: كيف تواصل استهداف الموارد التي تمول الحرب الروسية، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى احتواء أسعار الوقود وتجنب انعكاساتها السياسية قبل انتخابات التجديد النصفي في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل؟
تعتبر كييف مصافي النفط الروسية جزءاً من البنية الاقتصادية والعسكرية التي تمكّن موسكو من مواصلة الحرب، إذ لا يقتصر دور الوقود على تشغيل المركبات المدنية، بل يشمل إمداد القوات والآليات العسكرية وتسهيل نقل المعدات والإمدادات إلى الجبهات.
وأعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية، مطلع تشرين الأول (أكتوبر)، أن هجماتها عطلت 51% من طاقة تكرير النفط الروسية، وهي نسبة لم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة. وأقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن الضربات ألحقت أضراراً اقتصادية ببلاده، مقدراً خسائرها بنحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتراهن كييف على أن استمرار استهداف المصافي سيرفع تكلفة الحرب على موسكو، ويحد من قدرتها على تمويل العمليات العسكرية. لكن هذه الاستراتيجية باتت تصطدم بمصالح الإدارة الأميركية، التي ترى أن تراجع إمدادات الديزل وارتفاع أسعاره يشكلان عبئاً اقتصادياً داخلياً، خصوصاً على المزارعين وشركات النقل.
لماذا غيّر ترامب لهجته تجاه كييف؟
في 13 أيلول (سبتمبر) الماضي، دعا ترامب زيلينسكي إلى وقف استهداف منشآت الوقود الروسية، معتبراً أن هذه الهجمات تسهم في نقص الديزل عالمياً. وتكررت مطالبه خلال الأسابيع التالية، قبل أن يعلن اتفاقاً مع بوتين لتوريد كميات كبيرة من الوقود الروسي إلى الأسواق.
ويقول محللون أن حسابات ترامب تجمع بين اعتبارات اقتصادية وسياسية. فارتفاع أسعار الوقود ينعكس على تكاليف النقل والزراعة والسلع الاستهلاكية، ويزيد الضغوط على الجمهوريين قبل الانتخابات النصفية، التي قد تؤثر نتائجها في قدرة الرئيس على تنفيذ برنامجه.
ومع ذلك وفق المحللين، فإن تحميل الضربات الأوكرانية وحدها مسؤولية ارتفاع الأسعار يتجاهل عوامل أخرى، من بينها اضطرابات الإمدادات العالمية والحرب على إيران والتوترات التي تؤثر في طرق نقل الطاقة. كما أن زيادة المعروض الروسي لا تعني بالضرورة انخفاض الأسعار بصورة ملموسة، خصوصاً إذا كانت الكميات محدودة أو واجهت صعوبات في النقل والتوزيع.
وتشير وكالة أسوشيتد برس إلى أن الاتفاق يتضمن توريد أكثر من 300 ألف طن من الديزل إلى الولايات المتحدة، مع شحنات إضافية مقررة لاحقاً، فيما خففت وزارة الخزانة الأميركية القيود المتعلقة بهذه الإمدادات. لكن الاتفاق يظل مثيراً للجدل بسبب أثره المحتمل في العقوبات المفروضة على روسيا منذ غزو أوكرانيا.
صفقة تمنح بوتين متنفساً
تكمن المشكلة بالنسبة إلى كييف في أن السماح بتدفق الديزل الروسي إلى الأسواق الأميركية قد يمنح موسكو إيرادات إضافية، ويبعث برسالة مفادها أن المصالح الاقتصادية الأميركية يمكن أن تتقدم على سياسة عزل روسيا.
ومن هذا المنطلق، اعتبر زيلينسكي الاتفاق خطوة تضر بالموقف الأوكراني، ولا سيما أنه يأتي بالتزامن مع استمرار الضربات الروسية على المدن والبنية التحتية. كما أثار الإعلان تساؤلات بشأن مدى استعداد واشنطن لتخفيف الضغوط الاقتصادية على موسكو مقابل تفاهمات تتعلق بالطاقة أو بإنهاء الحرب.
ولا يعني ذلك أن الاتفاق وحده سيغير موازين الحرب، إذ تعتمد قدرة روسيا على مواصلتها على عوامل متعددة، من بينها إيرادات الطاقة والإنتاج العسكري والموارد البشرية. لكنه قد يضعف وحدة الموقف الغربي، ويمنح الكرملين فرصة لاستثمار الخلافات بين واشنطن وكييف.
هل يستخدم ترامب الاستخبارات لإجبار زيلينسكي؟
ويقول محللون إن الضغوط الأميركية تتجاوز ملف الوقود إلى احتمال استخدام المساعدات الاستخباراتية ورقةً لدفع كييف إلى تغيير استراتيجيتها. فقد أفادت تقارير صحفية بأن مبعوثي ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، ضغطا على الوفد الأوكراني خلال محادثات ميامي لوقف الهجمات على المصافي، وسط تكهنات بشأن مستقبل تبادل المعلومات الاستخباراتية.
لكن مسؤولاً أميركياً نفى توجيه تهديد بوقف هذا التعاون، ولذلك لا يمكن التعامل مع احتمال قطعه باعتباره قراراً مؤكداً. ومع ذلك، فإن مجرد طرحه يكشف حجم النفوذ الذي تملكه واشنطن، بالنظر إلى أهمية المعلومات الاستخباراتية في تحديد الأهداف الروسية وتتبع تحركات القوات وتوجيه الضربات الأوكرانية.
وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات ترامب بشأن ضرورة اختيار رئيس أوكراني جديد دلالة تتجاوز الخلاف حول الديزل. فمطالبته بزعيم مستعد لإبرام اتفاق تضع شرعية الخيارات السياسية الأوكرانية في قلب المواجهة، وتثير مخاوف من محاولة فرض تسوية بشروط تميل إلى موسكو.
هل يترك ترامب أوكرانيا لبوتين؟
لا يعني التقارب الاقتصادي بين واشنطن وموسكو بالضرورة أن ترامب قرر التخلي الكامل عن أوكرانيا، لكنه يشير إلى استعداده لإعادة ترتيب الأولويات الأميركية، حتى لو أضعف ذلك موقف كييف التفاوضي. وتزداد هذه المخاوف مع تقارير عن مباحثات تتعلق بأصول شركة النفط الروسية "لوك أويل"، وما أثارته من تساؤلات بشأن المصالح التجارية المحيطة بمسار التفاوض. غير أن وجود تضارب مصالح فعلي يظل مسألة تحتاج إلى أدلة واضحة، لا إلى الاستنتاج من العلاقات وحدها.
في المقابل، حاول زيلينسكي فتح مخرج تفاوضي، معلناً استعداد بلاده لوقف استهداف المصافي الروسية إذا أوقفت موسكو ضرباتها لمنشآت الطاقة الأوكرانية. ويعكس هذا الموقف رغبة كييف في رفض وقف أحادي للهجمات، وتحويل المقترح إلى تفاهم متبادل يمكن مراقبته والتحقق من الالتزام به.
في المحصلة يقول محللون أنه لا يكمن السؤال في ما إذا كان ترامب سيترك أوكرانيا لبوتين بصورة نهائية فحسب، بل في الثمن الذي ستدفعه كييف مقابل استمرار الدعم الأميركي. فإذا تحولت أزمة الديزل إلى مبرر لتخفيف الضغط على موسكو وتقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، فقد تجد الأخيرة نفسها أمام حرب أكثر صعوبة وتسوية أقل ملاءمة. أما إذا نجح زيلينسكي بانتزاع وقف متبادل للهجمات على منشآت الطاقة، فقد يتحول الوقود من أداة ضغط أميركية إلى مدخل لتهدئة محدودة، من دون أن يعني ذلك اقتراب نهاية الحرب.-(وكالات)