عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Apr-2026

برجس يوقع مجموعته القصصية الجديدة "نحيل يتلبسه بدين أعرج"

 الغد-عزيزة علي

 وقع الروائي والقاص جلال برجس مجموعته القصصية "نحيل يتلبسه بدين أعرج"، الصادرة عن دار الشروق المصرية، في منتدى شومان الثقافي، وذلك في أمسية حضرها النقاد والمثقفون، ناقشوا فيها مضامين المجموعة وأسئلتها الوجودية والإنسانية.
شارك في الحفل، الذي أقيم أول من أمس، وأداره نزار الحمود، كل من وزيرة الثقافة السابقة القاصة بسمة النسور، والدكتور عمر العامري.
وسلط حفل التوقيع الضوء على عوالم سردية تنشغل بأسئلة الإنسان المعاصر وتحولاته القلقة، من خلال قراءات نقدية ومداخلات تناولت مضامين المجموعة ودلالاتها الفنية والفكرية. وشهدت الأمسية التي شارك فيها نخبة من النقاد والمثقفين الذين قدموا تحليلات معمقة للنصوص، حديث المؤلف عن تجربته ورؤيته التي تعكس هموم الواقع الإنساني في ظل التحولات الراهنة.
وقالت القاصة بسمة النسور، إن برجس يتمكن ببراعة في هذه المجموعة من خلال توظيف عناصر فن القصة، من حيث اللغة المختصرة المكثفة، التي تجمع بين البساطة والعمق، وتتحرر من فائض الحكي والشرح والتبرير. كما يحافظ على وحدة الزمان والمكان التي تتحرك ضمنها الشخصيات، مانحا إياها فضاء واسعا حرا للتعبير عن ذواتها وأفكارها ورؤاها.
وأضافت أن الشخصيات تعبر عن أحزانها ومخاوفها وهواجسها وأحلامها وانكساراتها وخيباتها واضطراباتها النفسية، وقلقها الوجودي العميق، كما تطرح أسئلة الحياة الصعبة، في حين يظل هاجس الموت خيطا ناظما لجميع القصص.
وقدمت النسور تحليلا لعدد من قصص المجموعة، من بينها قصة "مدينة العيون المتلصصة"، حيث رأت أن النص يفضح، من خلال شخصية الموظف الجديد في تلك المدينة الفضولية، مواقف وأسرارا وسقطات ولحظات شديدة الخصوصية من حياة الآخرين، في ظل ما يعانونه من ضعف وانحرافات نفسية وأخلاقية. كما يدين الظاهرة الفضولية الجمعية، وانتفاء مفهوم الخصوصية.
وأضافت أن الكاتب يستعير حالة الحر القائظ ودرجات الحرارة غير المحتملة التي أحاطت بلقاء عاطفي محروم من التعبير بين الموظف والموظفة الصامتة، بوصفها تعبيرا عن حالة الاختناق والضيق التي تحيط بعلاقتهما المرتبكة والغامضة، وكذلك عن مرحلة الانكشاف الكبرى في مدينة مستباحة الخصوصية.
ورأت النسور أن برجس يمزج في مجموعته بين الواقعية والغرائبية بما يخدم النصوص القصصية، موضحا العلاقة بين الواقع واللامعقول، مع حضور واضح للتأثر بعلم النفس والتوصيف الدقيق للاضطرابات النفسية المعاصرة، مثل الاكتئاب، الذهان، الوسواس القهري، التوحد، والسوداوية.
وخلصت النسور إلى أن جميع الشخصيات في المجموعة مذكرة، بمعنى أنها جميعا من رجال بملامح مشتركة، يعملون في مؤسسات حكومية وخاصة، مثل مأمور مستودع الأحوال المدنية، ضريبة الدخل، شركة الكهرباء، شركة قطع السيارات، أو محرر في صحيفة محلية. وأوضحت أن حضور المرأة في المجموعة هامشي وغير مؤثر، متجسدا في زوجة متبرمة أو عاشقة مخذولة، أو مانيكان تجري في الشوارع، بما يعكس أبعادا رمزية مرتبطة بالواقع الاجتماعي والنفسي للشخصيات.
فيما قال الدكتور عمر العامري، إن عنوان المجموعة "نحيل يتلبسه بدين أعرج"، هو عنوان إحدى قصصها، وقد اختاره الكاتب عنوانا للمجموعة كلها، ربما لكونه ينطوي على فكرة جامعة لشتات اثنتي عشرة قصة. مبينا أن الأسئلة التي تتبادر إلى الذهن عند تلقي هذا العنوان هي: من يكون هذا النحيل؟ ومن هو البدين الذي يتلبسه؟ ولماذا يبدو هذا البدين أعرج؟ مشيرا إلى أن هذه التساؤلات تمثل مدخلا مهما لفهم رؤية الكاتب والمقولة الكبرى التي تتضمنها المجموعة.
وأضاف العامري أن كلمة "نحيل"، تحيل، من الناحية السيميائية، إلى الضعف والهشاشة؛ أي إلى ضعف الإنسان الذي يشكل محور هذه القصص، التي تدور في مجملها حول معان وجودية كبرى، مثل الاغتراب والتشيؤ والعبث والضياع.
ولفت العامري إلى أن ورود الكلمة بصيغة النكرة يعمق الإحساس بالضياع وفقدان الهوية، وهي من أبرز الإشكاليات التي تتلبس معظم الشخصيات المحورية في هذه المجموعة.
وفي تحليله لقصة "نحيل يتلبسه بدين أعرج"، أوضح العامري أن ثيمة الكتابة تحضر بوضوح في هذه القصة، كما في سائر قصص المجموعة، حيث جاءت دلالاتها، في أغلب السياقات، إيجابية، تفضي إلى الارتياح والتطهير والتخفف من ثقل الآلام والأسئلة التي ترهق روح الشخصية وتثقل كاهلها.
وأشار العامري إلى أن برجس يكني عن تلك الآلام والهموم بـ"البدين"، الذي يتلبس "النحيل". واستشهد بما ورد في إحدى صفحات القصة: "عند انتصاف الليل حمل قلمه وراح يكتب، يكتب من دون انقطاع، يكتب وهو يلهث، والعرق يسيل على وجهه، وكلما تلاشى شيء من بياض الصفحات أمام حبر قلمه شعر بشيء من الارتياح".
وأضاف العامري، أنه في هذه الوقفة مع الموازيات النصية في مجموعة برجس القصصية، وتتبع أصدائها الدلالية والجمالية والفلسفية، نجح الكاتب في توظيف هذه الموازيات توظيفا فنيا ودلاليا فاعلا؛ إذ لم تأتِ منفصلة عن المتن الحكائي لقصص المجموعة، بل أسهمت في تشكيل جدلية تناوبية بين العتبات النصية والمتن السردي.
وبين أن هذا التفاعل تجلى من خلال انسراب الدلالات وتعالقها تعالقا عضويا وجماليا مع المتون القصصية، على المستويين الفني والموضوعي، بما يعزز وحدة البناء السردي ويعمق أبعاده الدلالية.
ومن جانبه، قال الروائي والقاص جلال برجس إن "النحيل" في هذه المجموعة يرمز إلينا نحن؛ نحن الذين نحلم بحياة لا حرب فيها ولا دماء، ونحلم بشروق شمس البهجة والإنسانية. أما "البدين"، فيمثل التحولات التي نشهدها في هذه المرحلة، والتي تعيق تحقيق تلك الأحلام.
وأضاف أن شخصيات هذه المجموعة يمكن رؤيتها في شوارع الأردن، وفي المدن العربية، وحتى في بعض المدن العالمية التي زارها، مؤكدا أنها شخصيات مأزومة تعكس واقعا إنسانيا مضطربا. واستحضر في هذا السياق مقولة الراحل غسان كنفاني: "لا أستطيع الكتابة عن الياسمين وأنا أشم رائحة البارود".
وأشار برجس إلى أنه أهدى هذه المجموعة إلى جدته سلمى "الحكّاءة"، التي تعرف من خلالها إلى عالم الحكاية، موضحا أنه كان يستمع إليها في طفولته، قبل أن يطلع لاحقا على النقد والأدب، ليتساءل: هل قرأت جدته تشيخوف ولوكاتش وغيرهما؟ وأضاف أنه سبق أن أهدى لها كتابين، وسيواصل إهداءها كل ما يكتبه.
وخلص برجس إلى أن شخصيات هذه المجموعة حاضرة في كل مكان، في هذه المرحلة التي ما يزال فيها الإنسان يحلم بالانتصار لإنسانيته، وإقصاء كل أدوات الحروب.