عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Aug-2026

ترامب يحتاج إلى تحدي التاريخ لإنهاء الحرب على إيران

 الغد

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
ويل والدورف* - (فورين بوليسي) 24/7/2026
 
يُظهر التاريخ أن الرؤساء عندما يزجون بالبلاد في حرب يشعرون بأن لهم مصلحة خاصة في ذلك الصراع -سواء من الناحية السياسية أو النفسية أو المتعلقة بالسمعة. 
 
 
عندما وافق الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مذكرة التفاهم مع إيران في منتصف حزيران (يونيو)، وعد بالتوسط للتوصل إلى اتفاق نهائي يكون من شأنه أن "يجلب السلام والأمن إلى المنطقة بأسرها". لكنّ المفاوضات تعثرت منذ ذلك الحين، واستؤنف القتال، وأُعيد فرض العقوبات الأميركية، وعادت السفن الحربية الأميركية إلى فرض حصار على إيران. وباختصار، عدنا إلى نفس الحرب التي وصلت إلى طريق مسدود، والتي اعتقدنا أننا تجاوزناها قبل شهر.
ويثير هذا الواقع سؤالًا مهمًا: هل يستطيع ترامب تحقيق السلام الذي وعد به؟
إذا كان يمكن اتخاذ التاريخ دليلًا هاديًا، فإن ذلك يبدو مستبعدًا. في معظم الأحيان، لا ينجح الرؤساء الأميركيون في إنهاء الحروب التي يبدأونها عندما تصل إلى حالة من الجمود. وربما يتمكن ترامب من تجاوز هذه السابقة فقط إذا استند إلى جانبه الأكثر براغماتية، أو إذا مارس الكونغرس ضغوطًا عليه لفعل ذلك. لكنّ كلا الاحتمالين يبدو بعيد المنال. ويعني ذلك أن السلام النهائي يغلب أن يتحقق على يد خليفة ترامب. وسيكون الرئيس التالي في موقع أفضل للاعتراف بأن هذه الحرب كانت فشلًا، ويقوم بتقديم التنازلات اللازمة للتوصل إلى اتفاق؛ التنازلات التي ينبغي أن يقدمها ترامب لكنه لن يفعل على الأرجح.
يُظهر التاريخ أن الرؤساء عندما يزجون بالبلاد في حرب يشعرون بأن لهم مصلحة خاصة في ذلك الصراع -سواء من الناحية السياسية أو النفسية أو المتعلقة بالسمعة. وغالبًا ما تطغى اعتبارات مثل مغالطة التكاليف الغارقة ("لقد استثمرنا الكثير، ولا بد من تحقيق بعض المكاسب")؛ ومخاوف المصداقية ("التراجع سيضر بصورتنا في الخارج") على التفكير السليم القائم على موازنة الكلفة والعوائد، وتدفعهم إلى محاولة انتزاع ما يشبه النصر قبل الإقدام على صنع السلام.
يحدث ذلك بشكل خاص عندما يكون الخصم عنيدًا وشديد الإصرار، مثل إيران، حيث يستمر الجمود عادةً إلى أن ينقضي ما تبقى من ولاية الرئيس المعنيّ.
وقد تكرر هذا النمط في جميع الحروب الأميركية التي وصلت إلى طريق مسدود منذ الحرب العالمية الثانية. بعد أن دخلت الحرب الكورية مرحلة الجمود في صيف العام 1951، دفعت مخاوف الرئيس هاري ترومان بشأن الظهور بمظهر المتشدد في مواجهة الشيوعية على الصعيد الداخلي، وحرصه على مصداقية الولايات المتحدة، وتأثره بمنطق التكاليف الغارقة، إلى التمسك بشروط صارمة في مفاوضات الهدنة. وغادر منصبه من دون التوصل إلى معاهدة سلام.
وبعد هجوم الـ"تيت" في العام 1968، دفعت المخاوف نفسها الرئيس ليندون جونسون، المتعلقة بمكانته الداخلية، والتكاليف الغارقة، ومصداقية الولايات المتحدة، إلى اتخاذ موقف متشدد مماثل في محادثات السلام. وكان يردد متحسرًا: "لا أستطيع الانسحاب، ولا أستطيع إنهاءها بما حصلتُ عليه. فماذا عساي أن أفعل"؟
كذلك، بعد أن أخفق التصعيد الذي وعد به الرئيس باراك أوباما في إنهاء الحرب في أفغانستان، أوقف خطة سحب جميع القوات في العام 2015. وكان أوباما يخشى، في أحد الجوانب، أن يُسجل في التاريخ بوصفه الرئيس الذي "خسر" أفغانستان، بالإضافة إلى  تكرار الضرر السياسي الذي أعقب الانسحاب من العراق في العام 2011 وأسهم في صعود تنظيم "داعش".
والآن، يواجه ترامب تحديات مماثلة في إنهاء حربه على إيران التي دخلت مرحلة الجمود عندما أغلقت إيران مضيق هرمز في أوائل آذار (مارس). وكما حدث في حالات الجمود السابقة التي واجهتها الولايات المتحدة، تتجاوز كلفة هذه الحرب بقدر كبير المكاسب التي تُحققها للأمن الأميركي، وهي مكاسب تبقى محدودة في ظل تراجع المصالح الأميركية في الشرق الأوسط وصعود تحديات أكثر أهمية في مناطق أخرى، وخاصة في آسيا.
كما فعل أسلافه، يواصل ترامب زيادة الضغوط على نفسه من أجل التوصل إلى النوع الذي يريده من الاتفاق. وهو يريد، قبل كل شيء، اتفاقًا نوويًا أفضل من ذلك الذي توصل إليه أوباما مع إيران، وهو الذي دأب كل الوقت على التنديد بذلك الاتفاق "المريع وأحادي الجانب" الذي "ما كان ينبغي إبرامه على الإطلاق". ويجد ترامب نفسه اليوم واقعًا تحت ضغط مفارقة التكاليف الغارقة لإثبات أنه كان محقًا عندما انسحب من الاتفاق النووي الذي أبرمه أوباما في العام 2018، وبدأ سياسة "الضغط الأقصى".
وعلى نطاق أوسع، يسعى ترامب إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بطرق حاول رؤساء سابقون تحقيقها وأخفقوا. وعن ذلك قال مؤخرًا: "انظروا. طوال 47 عامًا، لم يكن أي رئيس مستعدًا لفعل ما أفعله أنا بشأن إيران".
منذ أن وصلت الحرب على إيران إلى طريق مسدود، تركت هذه الاعتبارات المرتبطة بالسمعة أثرًا كبيرًا في المفاوضات. وقد استمرت محادثات "مذكرة التفاهم" أسابيع عدة، في ما يعود في جزء منه إلى أن ترامب، الذي خسر قدرًا كبيرًا من أوراق الضغط بعد إغلاق مضيق هرمز، لم يستطع القبول باتفاق يجعله يظهر بمظهر الخاسر.
وكان ترامب يكرر أمام مساعديه أنه يحتاج إلى شيء يبدو وكأنه "انتصار"، مثل توسيع نطاق "اتفاقات أبراهام"، أو الحصول على تعهد إيراني بالتخلي عن اليورانيوم عالي التخصيب. وقبل أسبوعين من توقيع "مذكرة التفاهم"، رفض المسودة النهائية التي صاغها المفاوضون ووافقت عليها إيران لأنه رأى أنها تشبه "أكداس الأموال النقدية" التي ارتبطت -في رأيه- بالاتفاق النووي الذي أبرمه أوباما.
تكتسب هواجس ترامب المتعلقة بسمعته وزنًا أكبر في هذه المرحلة. في البداية، وعلى خلاف "مذكرة التفاهم" التي كانت في جوهرها وقفًا لإطلاق النار وإطارًا لتحديد جدول الأعمال، يحاول الطرفان الآن الاتفاق على شروط تتعلق بقضايا ملموسة تمس بصورة مباشرة القضايا التي يعلق عليها ترامب أهمية كبرى في ما يتعلق بإرثه السياسي وسمعته. ومع وجود إرثه على المحك، يُظهر ترامب استعدادًا أقل لتقديم تنازلات في هذه المفاوضات؛ حيث لم يعد بإمكانه تسويق بنود الاتفاق النهائي بالطريقة التي استطاع بها تقديم "مذكرة التفاهم"، باعتبار أنها كانت أقل تحديدًا وأكثر عمومية. ويدفعه ذلك إلى التمسك بالمطالب القصوى نفسها التي تبناها قبل الحرب، وهو ما بدأت بوادره في الظهور منذ انطلاق المفاوضات.
كما لم يسهم تراجع الضغوط الاقتصادية داخل الولايات المتحدة -وهي التي قد تعود إذا استمر تجدد القتال بعد توقيع "مذكرة التفاهم"- في تسهيل التوصل إلى اتفاق. ومع انخفاض أسعار الوقود بعد دخول المذكرة حيز التنفيذ، لم يعد ترامب يواجه الإلحاح نفسه الذي كان يشعر به عند التفاوض عليها. وأتاح ذلك، إذا جاز التعبير، مجالًا أوسع لتأثير اعتبارات السمعة في عملية صنع قراره.
بل إن هذه الاعتبارات أطاحت مُسبقًا بالمفاوضات بصورة مباشرة في مناسبة واحدة على الأقل.
عندما تم إعلان شروط "مذكرة التفاهم" في 17 حزيران (يونيو)، تعرض ترامب لهجوم حاد من منتقدين رأوا أن المذكرة -وبذلك ترامب نفسه- بدت ضعيفة وقدمت تنازلات مفرطة لإيران. وأثار حفيظته بصورة خاصة تشبيه المذكرة بالاتفاق النووي الذي أبرمه أوباما النووي. ولتبديد هذا الانطباع، نسف ترامب الجولة الأولى من المحادثات رفيعة المستوى بإصداره تصريحًا متشددًا قال فيه أنه "سيقصف إيران قصفًا ساحقًا ويتولى السيطرة عليها". وأدى ذلك إلى انسحاب الإيرانيين من المحادثات، ولم تحقق المفاوضات أي تقدم منذ ذلك الحين. ويبدو أن عودة ترامب الأخيرة إلى الحرب تقدم مثالًا آخر كلاسيكيًا على رئيس بدأ حربًا ويبذل جهده -وسط فشل محرج لإنقاذ ماء وجهه بكل السبل.
بطبيعة الحال، لا تستمر الحروب التي تصل إلى طريق مسدود إلى الأبد. لكنّ الذي ينجح في العادة في وضع نهاية لها هو الرئيس الذي يخلف الرئيس الذي بدأ الحرب.
والسبب هو أن الرؤساء الذين يخلفون أسلافهم يكونون، في العادة، أكثر تحررًا من القيود التي كبلت من سبقهم. إنهم لم يبدأوا الحرب، ولذلك يشعرون بقدر أقل من الالتزام بمواصلتها، ويجدون مساحة أوسع للاعتراف بالفشل، كما يكونون أكثر قدرة على تعديل شروط التفاوض بما يتيح التوصل إلى اتفاق. وقد خاض كل من ترامب وسلفه جو بايدن حملتيهما الانتخابيتين على أساس إنهاء الحرب غير الشعبية في أفغانستان، ثم أوفيا بهذا التعهد بعد وصولهما إلى البيت الأبيض.
وبالنظر إلى أن ترامب يُعتبر، من نواحٍ كثيرة، الرئيس الأكثر خروجًا عن المألوف في التاريخ الأميركي، فإنه قد يتمكن من كسر النمط الذي اتبعه أسلافه. في العام الماضي، على سبيل المثال، تجاهل المخاوف المتعلقة بالمصداقية أو الظهور بمظهر الضعيف عندما أنهى الحرب الجوية العقيمة ضد الحوثيين، كما رفض إرسال قوات برية أميركية إلى الحرب مع إيران. وفي كلتا الحالتين ركز ترامب، مُحقًا، على حسابات الكلفة والعائد بالنسبة للأمن القومي الأميركي.
مع ذلك، يبقى التاريخ مرشحًا لأن يفرض منطقه في ما يتعلق بإيران أيضًا. ويبدو ترامب أكثر ارتباطًا، على المستوى الشخصي، بتحقيق انتصار في هذه الحرب مقارنة بما كان عليه الحال في مواجهة الحوثيين. يضاف إلى ذلك أن ضعف آلية صنع القرار في مجال الأمن القومي داخل إدارته يجعل القيود المفروضة على قراراته محدودة للغاية. كما يبدو ترامب غير مهتم بالاستماع إلى وجهات نظر جديدة -حتى عندما تكون متاحة داخل فريقه.
على الرغم مما يكتنف هذا الخيار من صعوبات، فإن أفضل فرصة متاحة على المدى القريب لخفض التصعيد وإحلال السلام تكمن على الأرجح في ممارسة الكونغرس ضغوطًا عليه. ويبدأ ذلك بالطعن في ادعاء ترامب الجديد بأحقيته في الحصول على ستين يومًا إضافية من صلاحيات خوض الحرب من دون قيود بموجب "قرار صلاحيات الحرب".
من غير المرجح أن يتمكن الكونغرس من وقف الحرب بالكامل؛ ولم يحدث ذلك قط على أساس هذا القرار. لكنه يستطيع تعزيز الرقابة من خلال جلسات الاستماع، وتقييد التمويل، وفرض شروط على أي تمويل مستقبلي. وهو ما قد يسهم في كبح حمى الحرب داخل الإدارة، ودفع ترامب إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، والحد من أي تصعيد عسكري إضافي. وحتى عندما واصل الكونغرس إقرار تمويل الحروب، أسهم هذا النوع من التدخل التشريعي في نهاية المطاف في فرض السلام في فيتنام، وحدّ من زيادة القوات الأميركية في العراق في العام 2007. كما حال دون تصعيد الحرب في السلفادور خلال ثمانينيات القرن الماضي بعد أن جعل عملية صنع السياسة، على حد تعبير وزير الخارجية الأميركي الأسبق جورج شولتز، "أشبه بالسير وسط مستنقع".
مع ذلك، ينبغي ألا تساور أحد أي أوهام في هذا الشأن. لن يتخلى ترامب عن القتال بسهولة. كما أن التجاذب التاريخي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية بشأن صلاحيات الحرب أتاح المجال في كثير من الأحيان أمام استمرار النزاعات. وكان الكونغرس قد بدأ في زيادة الرقابة والضغط لإنهاء حرب فيتنام في العام 1966، ومع ذلك لم يتم إبرام اتفاق السلام إلا في العام 1973.
وهكذا، يبقى الاحتمال الأرجح هو أن يغادر ترامب منصبه من دون اتفاق سلام، وأن يتعين على خلفه إصلاح الفوضى التي خلفتها الحرب على إيران.
أيًا يكن ذلك الخلف، من المؤمل أن تؤدي عدم شعبية الحرب وضغوط الكونغرس إلى توليد قدر من البراغماتية يدفعه إلى فعل شيئين لن يقدم عليهما ترامب: الاعتراف بالفشل؛ وتخفيف شروط التفاوض بما يسمح بالتوصل إلى اتفاق ينهي الصراع بصورة دائمة. وقد أظهر الرئيس ريتشارد نيكسون هذا النوع من البراغماتية عندما أنهى الانخراط العسكري الأميركي المباشر في حرب فيتنام، كما أظهره ترامب عندما توسط للتوصل إلى السلام في أفغانستان.
عندما يتعلق الأمر بإيران، يغلب أن تقتضي هذه البراغماتية القبول بخطيها الأحمرين: مواصلة تخصيب اليورانيوم؛ وضمان شكل من أشكال السيادة أو السلطة الإيرانية على مضيق هرمز -وهو السبب الرئيسي الذي دفع طهران إلى استئناف القتال مؤخرًا. ومع أن هذه التنازلات لن تكون على الأرجح بالقدر الذي يصوره كثيرون من حيث الكلفة في ظل محدودية المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، فإن تقبلها يبقى شأنًا بالغ الصعوبة. لكنّ هذا هو الثمن المؤسف لخسارة حرب ما كان ينبغي أن تبدأ من الأساس.
*ويل والدورف Will Walldorf: أستاذ في جامعة ويك فورست. وزميل أول في "أولويات الدفاع". له كتابات واسعة عن حروب تغيير الأنظمة التي خاضتها الولايات المتحدة، من بينها كتاب "لتشكيل عالمنا نحو الأفضل: السرديات الكبرى وتغيير الأنظمة بالقوة في السياسة الخارجية الأميركية، 1900–2011" To Shape Our World for Good: Master Narratives and Forceful Regime Change in United States Foreign Policy, 1900-2011. ويعمل حاليًا على تأليف كتاب بعنوان "حروب أميركا الأبدية: لماذا طال أمدها؟ ولماذا تنتهي الآن؟ وما الذي سيأتي تاليًا" America’s Forever Wars: Why So Long, Why End Now, What Comes Next.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Trump Needs to Defy History to End the Iran War