عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Sep-2026

لعبة خطرة بين طهران وواشنطن في هرمز

 الغد

كاميليا انتخابي فرد – (إندبندنت فارسية) 18/8/2026
 
مع ارتفاع كلفة الحرب واستمرار استنزاف الطرفين، تظل فرص التفاوض غير المباشر قائمة، وربما تتزايد كلما اتضح أن الحسم العسكري يفرض أثمانًا لا يمكن تحمّلها طويلًا. ومن ثم، لا تعني نهاية مهلة الستين يومًا إغلاق باب الدبلوماسية، وإنما الانتقال إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تُختبر فيها قدرة كل طرف على إدارة أوراق الضغط من دون استنزافها. وفي النهاية، لن يحسم المسار من يطلق التهديدات الأشد، بل من يحسن قراءة موازين القوة ومعرفة متى يصبح الانتقال من الضغط إلى التسوية أكثر جدوى من استمرار التصعيد.
 
 
تطوي المنطقة -وإيران ودول الضفة الجنوبية للخليج تحديداً- فصل الصيف بينما ما تزال التداعيات الثقيلة للحرب الجارية في الإقليم مستمرة، في وقت تعرضت فيه الهدنة الموقتة بين إيران والولايات المتحدة للخرق مراراً، مما أثار موجة من الغضب والقلق والإحباط.
وقد تضافرت حرارة الصيف القاسية في الجنوب، وتداعيات الحرب -والأهم من ذلك كله حال عدم اليقين- لتجعل هذا الصيف أشبه بموسم شديد القسوة على سكان واحدة من أغنى مناطق العالم.
ولا تمثل نهاية مهلة الستين يوماً للاتفاق بين إيران والولايات المتحدة في السابع عشر من آب (أغسطس) نهاية الدبلوماسية بين طهران وواشنطن، لكنها تمثل بلا شك نهاية مرحلة مهمة من هذه المواجهة. بعد شهرين من المفاوضات لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق نهائي، وما تزال الفجوة بينهما واسعة حول أحد أبرز الملفات الخلافية: وضع مضيق هرمز.
في الوقت نفسه، تؤكد واشنطن عزمها على تشديد الضغوط الاقتصادية والإبقاء على الحصار البحري المفروض على إيران قائمًا، بينما تهدد طهران بتبني موقف أكثر هجومية إذا فشلت المساعي الدبلوماسية. وبذلك لم تعد القضية الأساسية تتمثل في ما إذا كان بإمكان طهران وواشنطن التوصل إلى اتفاق ضمن المهلة التي انتهت، بل في الأدوات التي يمتلكها كل طرف لإجبار الآخر على التراجع، ومدى استعداده لتحمل كلفة استخدام هذه الأدوات.
في الواقع، زاد الانتقال إلى هذه المرحلة من أهمية مضيق هرمز، فيما خرج ملف إيران النووي وأوضاع نحو 90 مليون إيراني يواجهون ضغوطاً شديدة بسبب التضخم والاقتصاد المنهك والقمع والتهديدات الحكومية، من صدارة النقاشات الجارية هذه الأيام. ومن وجهة نظر طهران، لا تمثل التهديدات الأميركية الجديدة بتشديد العقوبات مجرد خطوة اقتصادية، ويرى النظام الإيراني أنها جزء من استراتيجية أميركية أوسع تهدف إلى زيادة كلفة استمرار المواجهة، ودفع طهران إلى تقديم تنازلات سياسية وأمنية كبيرة.
على مدى أعوام طويلة، عاش النظام الإيراني تحت العقوبات وطوّر آليات عدة للتعامل معها، من الشبكات المالية غير الرسمية والوسطاء التجاريين إلى بيع النفط عبر قنوات غير مباشرة والتعاون مع شركاء اقتصاديين، وعلى رأسهم الصين. لكن الظروف الحالية تختلف عن كثير من المراحل السابقة، إذ تترافق الضغوط الاقتصادية اليوم مع قيود شديدة على حركة الملاحة وصادرات النفط. وبذلك لم يعد السؤال يقتصر على ما إذا كانت إيران قادرة على الالتفاف على العقوبات، بل على حجم الكلفة التي باتت تتحملها في مقابل ذلك.
قد يتمكن النظام الإيراني من تحمل جولة جديدة من العقوبات. لكن هناك فارقاً بين البقاء والقدرة الاقتصادية على الصمود. قد يستمر الاقتصاد في العمل في ظروف الأزمة، لكنه قد يشهد في الوقت نفسه تراجعاً حاداً في إيرادات الدولة، والقدرة الشرائية للمواطنين، والاستثمار، والاستقرار المالي. وهنا تحديداً يمكن للضغوط الاقتصادية أن تبدأ تدريجياً في تغيير الحسابات السياسية في طهران.
مع ذلك، لا يبدو توقّع أن تجبر الضغوط الاقتصادية وحدها النظام الإيراني على الاستسلام الإستراتيجي واقعياً. لا يريد قادة طهران ترسيخ رواية مفادها أن العقوبات والضغط العسكري الأميركي أرغماهم على التراجع. ولذلك، حتى لو اتجهوا نحو اتفاق، فمن المرجح أنهم سيحاولون تقديمه باعتباره خياراً سياسياً ودبلوماسياً وليس نتيجة مباشرة للضغط الأميركي. وفي هذا السياق يكتسب مضيق هرمز أهمية حيوية بالنسبة لطهران. فمن خلال قدرتها على تعطيل أحد أهم مسارات الطاقة في العالم، تستطيع إيران رفع كلفة الضغوط الأميركية على الأسواق العالمية، وعلى حلفاء واشنطن الإقليميين. ولذلك لم يعد ملف هرمز مجرد قضية عسكرية أو بحرية، بل أصبح جزءاً أساساً من المفاوضات السياسية.
في الأيام الأخيرة توصل النظام الإيراني وسلطنة عُمان إلى تفاهمات بشأن خريطة مسارات الملاحة في هرمز، فيما أعلنت طهران أنها تعمل على استكمال اتفاق مشترك مع مسقط. وهو تطور يشير إلى أنها ما تزال تنظر إلى المضيق لا فقط بوصفه أداة للمواجهة بل أيضاً ورقة تفاوض. لكنّ هرمز يمثل في الوقت نفسه سلاحاً ذا حدين، حيث تعتمد إيران بدورها على الخليج في صادرات الطاقة وتجارتها الخارجية، وكلما طال أمد اضطراب الملاحة ارتفعت كلفته الاقتصادية عليها.
كما أن استهداف السفن التجارية أو خلق حالة من انعدام الأمن في ممر مائي دولي قد يدفع دول المنطقة والمجتمع الدولي إلى مزيد من الاصطفاف ضد طهران، ويزيد من خطر تحول الأزمة الدبلوماسية إلى أزمة أمنية أوسع. وبذلك لا تكمن القيمة الحقيقية لهرمز بالنسبة لإيران بالضرورة في إغلاقه إلى أجل غير مسمى، وتكمن في قدرتها على التهديد باستمرار تعطيله، واستخدام هذا التهديد على طاولة المفاوضات.
في المقابل، يتشكل تطور غير مسبوق، حيث لا تبدي واشنطن استياءها من مسار الوساطة العُمانية وحسب، بل إن دونالد ترامب هدد سلطنة عُمان بهجوم عليها بسبب محاولات مسقط التوصل إلى حل مع طهران. ويمثل هذا التهديد بحد ذاته مؤشراً على ازدياد تعقيد الأزمة. فإذا تحول الوسيط المفترض أنه يؤدي دور قناة الاتصال بين الطرفين إلى جزء من النزاع، فإن المساحة الدبلوماسية ستصبح أكثر هشاشة.
مع ذلك، لن يكون استبعاد عُمان من مسار الوساطة شيئًا بسيطاً؛ فقد منحت علاقات مسقط التاريخية مع كل من طهران وواشنطن السلطنة قدرة على نقل رسائل لا تستطيع دول أخرى في المنطقة نقلها أحياناً. ولذلك قد يجعل الضغط على عُمان الموقف الأميركي أكثر تشدداً على المدى القصير، لكنه قد يُضعف على المدى البعيد أحد المسارات القليلة الباقية للخروج من الأزمة.
ولكن، على الرغم من انتهاء المهلة المحددة، لا ينبغي استنتاج أن الدبلوماسية فشلت، وأن الخيار الوحيد الباقي هو تصعيد المواجهة العسكرية. وأرى أن كلفة حرب طويلة ستكون مرتفعة للغاية بالنسبة للطرفين، مما يجعل احتمال استمرار المحاولات غير المباشرة للتوصل إلى اتفاق قائماً بدرجة ملحوظة.
لا يستطيع النظام الإيراني البقاء إلى أجل غير محدد تحت الضغوط الاقتصادية والبحرية. كما لا تستطيع الولايات المتحدة إدارة أزمة هرمز وارتفاع أسعار الطاقة لفترة طويلة من دون تحمل كلفة. ولذلك يمتلك الطرفان، حتى لو تبنّيا علناً مواقف متشددة إلى أقصى حد، دوافع للإبقاء على قنوات التفاوض مفتوحة. ويبقى السؤال: أي الطرفين سيصل أولاً إلى قناعة بأن كلفة استمرار المواجهة أصبحت أعلى من كلفة تقديم تنازلات؟
إنها لعبة صبر واستنزاف، لكنها في الوقت نفسه لعبة ترتفع فيها أخطار سوء التقدير إلى مستويات كبيرة. وليست نهاية مهلة الستين يوماً نهاية الأزمة ولا نهاية الدبلوماسية، وإنما بداية مرحلة يتعين فيها على الطرفين تحديد كيفية استخدام أوراق الضغط التي يمتلكانها من دون أن تتحول هذه الأوراق نفسها إلى نقاط ضعف. والاختبار الحقيقي يبدأ الآن -وليس في معرفة من يستطيع إطلاق تهديدات أكثر، بل في معرفة من يستطيع تحديد اللحظة الأنسب للتسوية.
 
*كاميليا انتخابي فرد Camelia Fard: رئيسة تحرير "إندبندنت فارسية".