عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Sep-2026

"وادي موسى حاضنة البتراء" كتاب يوثق ذاكرة المكان والإنسان

 الغد-عزيزة علي

 صدر عن دار الخليج للنشر والتوزيع كتاب "وادي موسى حاضنة البتراء: ذاكرة المكان والإنسان"، للباحث هاني علي الفلاحات، وهو كتاب يوثق جانبًا من الذاكرة التاريخية والاجتماعية للمكان، ويرصد نماذج من الأماكن والشخصيات التي ارتبطت بتاريخ وادي موسى وحاضنة البتراء، وأسهمت في تشكيل ملامحها الاجتماعية والثقافية.
 
 
ويستند الكتاب إلى مجموعة من المقالات التي كتبها الفلاحات في فترات سابقة، وتناولت أماكن ذات قيمة تاريخية واجتماعية، وشخصيات من أبناء المنطقة تركت أثرًا في مجتمعها، لكنها لم تحظَ بما يكفي من التوثيق والحضور في الذاكرة المعاصرة. ويأتي جمع هذه المقالات في كتاب في محاولة لحفظ جانب من ذاكرة المكان والإنسان، وإعادة تقديمه إلى الأجيال الجديدة.
ويقدم الكتاب قراءة في العلاقة المتشابكة بين الإنسان والمكان، انطلاقا من أن المكان ليس مجرد حيز جغرافي، بل وعاء للذاكرة والأحداث والتجارب الإنسانية، وأن كثيرًا من تفاصيل التاريخ الاجتماعي تبقى مرتبطة بالأمكنة التي شهدتها، وبالأشخاص الذين عاشوا فيها وتركوا بصماتهم عليها.
ويطرح الكتاب، في جانب منه، هاجس التحولات التي تشهدها مدينة وادي موسى، وما قد يرافق النمو العمراني والاجتماعي من تراجع لبعض الموروثات والقيم المرتبطة بالمكان، داعيا إلى توثيق الذاكرة المحلية قبل أن تتوارى بعض تفاصيلها من وعي الأجيال الجديدة.
ويؤكد المؤلف أن الكتاب يمثل بداية لمشروع توثيقي قابل للاستمرار، لافتا إلى أن حاضنة البتراء تزخر بأماكن وشخصيات أخرى تستحق التوثيق، وأنه يعتزم مواصلة المشروع في إصدارات لاحقة، إلى جانب إعداد مؤلف خاص يتناول الرموز الاجتماعية في لواء البتراء وإسهاماتهم في خدمة المجتمع والمكان.
الدكتور فارس العمارات كتب تقديمًا للكتاب، تناول فيه العلاقة الوثيقة بين ذاكرة الإنسان والمكان، مؤكدا أن هذه العلاقة تكشف عن ترابط وتداخل عميق بينهما، بحيث يمثل كل منهما جزءًا مكملا للآخر. موضحا أن استخدام مفهوم "ذاكرة الإنسان والمكان"، لا يأتي من باب المجاز أو المصادفة، إذ إن حضور المكان في ذاكرة الإنسان نتاج علاقة متينة قائمة على التعايش والتفاعل.
ويشير إلى أن المكان يتحول، في هذه الحالة، إلى شاهد على الأحداث التي شهدها أو عاصرها الإنسان، الأمر الذي يفسر اهتمام الدراسات الأدبية والنقدية بالمكان بوصفه شاهدًا على أحداث ارتبطت بإنسان أو مجموعة من الناس، وحاملًا لذاكرتهم.
وبيّن العمارات أن المكان لا يقتصر على كونه حيزًا ماديًا، بل يشمل أبعادًا معنوية وافتراضية، تنصهر فيها الوقائع والأحداث والأفعال. ومن ثم، يستحيل تصور كثير من الأحداث أو تسجيلها أو استحضارها من دون المكان الذي احتضنها.
وأكد أن المكان، عند استقرائه، ليس مجرد حيز مادي أو وعاء للذاكرة، وإنما عنصر أساسي في حياة الإنسان لا يمكن إغفاله أو تجاهله؛ فهو يمثل مادة الحياة، إن لم يكن الحياة ذاتها.
ومن منظور علماء النفس، تبدأ العلاقة بين الإنسان والمكان منذ الخطوات الأولى للولادة، مرورًا بمرحلة الطفولة، ومع مرور الأيام تتحول إلى علاقة اعتيادية وملازمة، قبل أن تترسخ وتأخذ طابعًا حميميًا، وقد تصل في بعض الأحيان إلى درجة العشق.
وتناول العمارات أهمية ارتباط المؤلف بالمكان والإنسان في وادي موسى، مشيرًا إلى سعيه الدؤوب للاهتمام بهذا الموضوع، وإصراره على توثيقه في مؤلف حمل عنوان "وادي موسى ذاكرة الإنسان"، ولم يقتصر اهتمام المؤلف على الذاكرة والمكان، بل امتد إلى الكيفية التي تتعامل بها ذاكرة المبدع مع الفضاء ومفرداته ومخلوقاته.
ويرى المؤلف أن ذاكرة المبدع تمثل خلاصة خبرة عاشها على مدى سنوات طويلة، عايش خلالها تفاصيل الإنسان والمكان في وادي موسى. ولذلك لم يختر الأماكن عشوائيًا، ولا تناول الإنسان بصورة اعتباطية، بل انطلق من اهتمامه بالتاريخ والآثار وخبراته السابقة في توثيق كل ما يرتبط بأهمية وادي موسى، إنسانًا ومكانًا.
وخلص العمارات إلى أن هذا التوثيق شمل الإنسان والمسكن والمكان المألوف، في محاولة للربط بينها ضمن سرد يجمع عناصر المكان والذاكرة، ويتيح للمهتمين الاستفادة من هذا الإرث واستحضار الصلة العميقة بين الإنسان والمكان، بما يجعل الأمكنة حاضرة في الذاكرة والوجدان.
وفي مقدمته للكتاب، يشير هاني علي الفلاحات إلى أن كثيرًا من النجاحات والإبداعات قد تولد في ظروف استثنائية ومن دون تخطيط مسبق، خلافًا للاعتقاد السائد بأن النجاح لا بد أن يسبقه حسن التخطيط والتنظيم الدقيق ووضوح الأهداف وحساب الإمكانات والمعطيات.
ويقول الفلاحات إن الوقائع الحياتية تثبت أن غياب التخطيط أو وضوح الأهداف لا يقود بالضرورة إلى الفشل، وأن بدايات متواضعة وظروفًا عابرة قد تثمر أعمالًا متميزة وإبداعات ذات أثر. ومن هذا المنطلق، جاءت فكرة إعداد كتاب "وادي موسى حاضنة البتراء: ذاكرة المكان والإنسان"، التي بدأت بمقالات قصيرة تسلط الضوء على جوانب من الحياة التاريخية والاجتماعية في مدينة وادي موسى.
وأوضح المؤلف أن تلك المقالات تناولت أماكن ذات قيمة تاريخية أو اجتماعية، وأشخاصا غفل عنهم الناس والتاريخ، رغم ما تركوه من مواقف أو صفات وقيم اجتماعية كان لها أثر في حياة مجتمعهم. ولم يكن الدافع إلى الكتابة عنهم مجرد توثيق مكان بعينه أو شخص بذاته، وإنما محاولة لحفظ جانب من ذاكرة المكان والإنسان وتقديمه إلى جيل يعيش في ظل أنماط حياة سريعة ومتغيرة، باتت فيها بعض القيم والأمكنة التي أسهمت في صناعة الأحداث وتشكيل الذاكرة مهددة بالنسيان.
ويشير الفلاحات إلى أن وسائل التعلم الجديدة وأنماط المعرفة الحديثة فرضت على الأجيال أشكالًا مختلفة من المعرفة والمعلومات، يختلط فيها الغث بالسمين، الأمر الذي دفعه إلى تقديم مادة معرفية خفيفة ومفيدة تستعيد قيمة المكان والإنسان، وتسهم في تحفيز جيل انصرف إلى واقع افتراضي على العودة إلى واقعه، بما يحمله من قيم الخير والعطاء والانتماء.
وفي معرض حديثه عن "مدينة وادي موسى"، يوضح المؤلف أن المدن غالبًا ما تفتقر إلى بعض القيم المكانية والتاريخية الراسخة، وإلى الحكايات المرتبطة بالرجال والنساء الذين تركوا أثرًا في مجتمعاتهم، إذ تقوم العلاقات الاجتماعية فيها بدرجة أكبر على المنفعة والمصلحة والتنوع والتنافس، مقارنة بالأعراف والعادات والموروث الاجتماعي.
ويقول إن هذا ما يلاحظه في وادي موسى خلال السنوات الأخيرة، حيث تبدو المدينة وكأنها في طور تشكل جديد، قد يؤدي، مع اكتمال ملامحها، إلى تراجع بعض القيم والموروثات والمفاهيم الاجتماعية الراقية. ومن هنا يرى أن من واجبه، وواجب كل من يستطيع، إحياء جانب من الذاكرة التاريخية والمكانية لدى الجيل المعاصر، واستحضار نماذج اجتماعية إيجابية، بما يعزز تقدير المكان والإنسان ومكانتهما.
ومن هذا المنطلق، تحولت المقالات القصيرة التي كتبها إلى مشروع كتاب، لما تضمنته من مضامين وقيم كانت حاضرة في الماضي وتراجعت في ثقافة الجيل الجديد. ويشير الفلاحات إلى أن الدكتور فارس العمارات بادر إلى الاتصال به ومناقشته في جمع هذه المقالات وإصدارها في كتاب، فوافق على الفكرة مترددًا في البداية، قبل أن يعلن العمارات عبر منشور عن قرب صدور الكتاب، داعيًا القراء إلى التفاعل معه.
ويضيف أن ردود القراء وترحيبهم بالفكرة وحماسهم لها شجعاه على المضي في المشروع، فبدأ مع العمارات اختيار الموضوعات التي تنسجم مع عنوان "وادي موسى، ذاكرة المكان والإنسان"، بحيث تركزت الكتابات على الأماكن الواقعة ضمن حاضنة البتراء في لواء البتراء، وعلى الأشخاص الذين ارتبطوا بهذه المنطقة.
ويؤكد الفلاحات أنه لم يكتب عن الأشخاص بهدف تعظيم المشاهير أو أصحاب المكانة، وإنما اختار نماذج من الناس البسطاء الذين قدموا لبلدهم بإخلاص، من دون غاية شخصية أو منفعة آنية. وكان عطاؤهم نابعًا من انتماء أصيل نشأ معهم وترسخ في حياتهم، فكانت أفعالهم بعيدة عن طلب الشهرة أو السعي وراء الصيت، وتعكس نفوسًا صافية أحبت الأرض والوطن وأدت واجبها دون انتظار مقابل.
ويؤكد المؤلف أن هذا الكتاب لن يكون الأخير الذي يحمل العنوان ذاته، إذ تزخر حاضنة البتراء بأماكن ذات تاريخ عريق، وشخصيات مميزة تركت أثرًا في المكان والإنسان، ما يفتح المجال لإصدار طبعات أخرى تتناول أماكن وشخصيات جديدة، متمنيًا أن يكتب لها التوفيق والقبول.
ويشير الفلاحات إلى أن ذلك لا يعني بأي حال الانتقاص من مكانة الرموز الاجتماعية الفاضلة، من الشيوخ وقادة الرأي والقضاة العشائريين، الذين تركوا بصمات واضحة في تاريخ وادي موسى، مؤكدًا أنه يعتزم تخصيص مؤلف مستقل يستعرض جوانب من عطائهم وإسهاماتهم في خدمة المكان والإنسان، وما بذلوه من وقت وجهد ومال، في سبيل مجتمعهم، على حساب مصالحهم وأسرهم.
وخلص الفلاحات إلى أن إنصاف هذه الشخصيات وحفظ أثرها مسؤولية وواجب، معلنًا العمل على إعداد مؤلف خاص يتناول الرموز الاجتماعية في لواء البتراء، على أن يبدأ جمع مادته بعد الانتهاء من الكتاب الحالي.