عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    22-Oct-2026

المحو البطيء للضفة الغربية

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ألون بن مئير* – (مدونة الكاتب) 8/10/2026
ثمة شعبٌ يجري محوه من الوجود -وليس في كارثة واحدة مدمّرة، وإنما من خلال حملة من الإرهاب اليومي: جرافات، ومستوطنون مسلحون، ومداهمات ليلية، ومنازل مهدّمة، ومياه مسروقة. إن معاناة الضفة الغربية ليست سياسة أمنية بقدر ما هي إنذار بانهيار إسرائيل الأخلاقي نفسه.
 
 
تأتي بعض الجرائم مصحوبة بالانفجارات، وتتقدم جرائم أخرى في صمت؛ في شكل جرافة تزحف عند بزوغ الفجر؛ وبندقية مصوّبة إلى صدر راعي أغنام؛ وطفل يُنتزع من فراشه؛ وعائلة تُحرم من الماء إلى أن يصبح الرحيل هو السبيل الوحيد للبقاء على قيد الحياة. وفي الضفة الغربية، أصبح تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم ممارسة يومية، وتحولت معاناتهم إلى ضجيج خلفي تعلّم كثيرون ألّا يصغوا إليه. المنازل تختفي، والقرى تُفرغ من سكانها، والأطفال يرتجفون طوال الليل، والبشر يُختزلون إلى عوائق تعترض الاستيلاء على الأرض التي اتخذوها موطناً لأجيال متعاقبة. وليس هذا أمناً؛ إنه تطهير عرقي؛ تدمير متعمد لقدرة شعب على العيش.
اقتضت نية إسرائيل ضمّ الضفة الغربية، أولاً، أن يُعرِّف القانون الأرض باعتبارها أرضاً خاضعة للسيادة الإسرائيلية. وما إن عوملت السيادة الإسرائيلية على الأرض باعتبارها شأناً محسوماً سلفاً حتى تحوّل الفلسطينيون إلى عقبات ينبغي إزاحتها بدلاً من اعتبارهم أشخاصاً أصحاب حقوق. وقد وصف توماس هوبز هذه النتيجة بدقة حين قال: "حيث لا توجد سلطة مشتركة، لا يوجد قانون؛ وحيث لا يوجد قانون، لا يوجد ظلم"؛ وفي مثل هذه الحالة، "تكون القوة والخداع هما الفضيلتان الأساسيتان في الحرب". 
واليوم، يعمل المستوطنون والجنود داخل هذا الفراغ: ويحذّر الأمين العام للأمم المتحدة من أن تهجير الفلسطينيين بلغ "مستويات لم يُشهد لها مثيل منذ العام 1967"، في ظل ما تصفه "منظمة العفو الدولية" بأنه تطهير عرقي تقوده الدولة. لم يكن ضمّ الأراضي نتيجةً لانعدام القانون؛ بل كان صانعه.
يكشف حجم الإرهاب الذي يمارسه الجنود والمستوطنون الإسرائيليون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية صورة صادمة لما يكابده الفلسطينيون يوماً بعد يوم. منذ بداية العام 2026 شنّ المستوطنون أكثر من 1200 هجوم أسفر عن إصابات أو أضرار، بمعدل ستة هجمات يومياً. كما تم إفراغ 46 تجمعاً سكانياً من سكانها بالكامل منذ كانون الثاني (يناير) 2023 -في أعلى وتيرة مسجّلة على الإطلاق.
القتل خارج نطاق القضاء
تجري عمليات قتل الفلسطينيين خارج نطاق القضاء حتى من دون محاولة التستر عليها. وقد وثّقت تسجيلات كاميرات المراقبة التي حصلت عليها منظمة "بتسيلم" عمليتي إعدام ميدانيتين من بين عمليات عديدة نُفّذت من مسافة قريبة. تم إطلاق النار على رامي جندب، البالغ من العمر 25 عاماً، فسقط على الأرض؛ ثم اقتربت سيارة جيب عسكرية، وأطلق أحد الجنود النار عليه مجدداً قبل أن يصوّر الرجل وهو يحتضر بهاتفه المحمول. وتوفي جندب في اليوم التالي. وقُتل ثائر شاهين، البالغ من العمر 36 عاماً والذي كان قد اختبأ تحت سيارة، برصاصة أُطلقت عليه من مسافة قريبة. وتحوّلت اللقطات المقززة والمروّعة التي تُظهر جندياً يصوِّر بلا اكتراث رجلاً أطلق النار عليه للتو إلى مشهد فاضح يجسّد الإفلات من العقاب؛ حيث فتح الجيش الإسرائيلي تحقيقاً استعراضياً غايته إظهار أنه يفعل شيئاً، لمجرد الاستهلاك العام فحسب.
تكشف عمليات القتل الوحشية خارج نطاق القضاء عن انهيار الضوابط الأخلاقية في واقع أصبح فيه القتل العشوائي على هذا النحو بالكاد يثير انتباه الرأي العام الإسرائيلي. ووصف مدير منظمة "بتسيلم" هذه الممارسات بأنها "نتيجة عملية متسارعة لنزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين والتخلي التام عن حياتهم"، تُرتكب في ظل إفلات كامل من العقاب. وتتواصل عمليات القتل خارج نطاق القضاء بوتيرة منتظمة تبعث على القشعريرة، كاشفةً عن تبلّد أخلاقي راسخ. وتُعامل الأرواح الفلسطينية، بما فيها أرواح الأطفال، بوصفها أرواحاً يمكن الاستغناء عنها وليس كأرواح لها القيمة الإنسانية ذاتها التي تتمتع بها أرواح الآخرين.
عنف المستوطنين
الآن، أصبح جانب كبير من المجتمع الدولي يدرك تماماً طبيعة الإرهاب المتواصل الذي يمارسه المستوطنون ضد الفلسطينيين. ولا تكتفي الحكومة الإسرائيلية بالتسامح مع عنف المستوطنين؛ وإنما هي التي كلّفتهم بممارسته. فقد سلّح الوزراء الميليشيات، ومَوّلوا البؤر الاستيطانية، ووفّروا الحماية لمرتكبي هذه الاعتداءات من الملاحقة القضائية. ويحرق المستوطنون بساتين الزيتون، ويقطعون خطوط المياه، ويسرقون الماشية، ويحرقون السيارات والخيام والصفوف الدراسية، ويقتحمون المنازل، ويضربون القرويين بأعقاب البنادق، ويحطمون الألواح الشمسية، ويفرغون خزانات المياه، ويضخّون مياه الصرف الصحي في الأراضي الزراعية. كما يدمّرون خطوط الكهرباء ويسرقون المعدات. وحتى حزيران (يونيو) من هذا العام، تعرّضت أكثر من 190 منشأة للمياه والصرف الصحي للضرر أو التدمير.
وتخلص "منظمة العفو الدولية" إلى أن سلوك المستوطنين ليس من فعل أفراد منفلتين، وإنما هو سياسة دولة تهدف إلى تسريع الضم. والغاية هي إنهاك الفلسطينيين: جعل الزراعة مستحيلة، والحصول على المياه متعذراً، والنوم غير آمن، ودفع العائلات إلى الرحيل من دون الحاجة إلى توقيع حتى أمر واحد بالتهجير. وقد أدّت البؤر الاستيطانية الرعوية وحدها إلى توسيع نطاق سيطرة المستوطنين ليشمل نحو 746 ألف دونم -أي ما يقارب 22 في المائة من المنطقة "ج". ووجدت حركة "السلام الآن" أن المستوطنين استولوا خلال عامين ونصف العام فقط على 70 في المائة من إجمالي الأراضي التي استولوا عليها منذ تسعينيات القرن الماضي.
هدم المنازل
أتقنت إسرائيل استخدام الهدم أداةً لانتزاع الممتلكات. ويترتب على الفلسطيني المقيم في المنطقة "ج"، الذي يريد إضافة غرفة أو إنشاء صهريج لتجميع المياه أو تركيب لوح شمسي، الحصول على تصريح يصفه "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية" (أوتشا) بأنه "شبه مستحيل" المنال؛ ثم عليه أن يشاهد الجرافات وهي تأتي لتهدم المبنى الذي لم تكن أمامه وسيلة قانونية لبنائه من الأساس. وحين يتبيّن أن نظام التصاريح لا يحقق الغرض بالسرعة المطلوبة، يتم تصنيف الأراضي كمناطق لإطلاق النار، أو محميات طبيعية، أو أملاك للدولة، ويُلقى على عاتق العائلات التي زرعتها لأجيال عبء إثبات أن هذه التصنيفات غير صحيحة.
تم تهجير ما لا يقل عن 37.135 فلسطينياً في أنحاء الضفة الغربية خلال العام 2025 وحده -وهو رقم قياسي. ولا تقتصر الفظاعة على الأنقاض التي تخلّفها عمليات الهدم؛ وإنما تكمن أيضاً في القسوة المحسوبة التي تنطوي عليها بنية قانونية صُمّمت بحيث يصبح المأوى الفلسطيني جريمة على الدوام، في حين تظل الأرض الفلسطينية متاحة للاستيلاء عليها في كل وقت. وقد خلصت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إلى أن نحو 32 ألف شخص هُجّروا، وأن قرابة 850 مبنى هُدمت؛ ووصفت المنظمة ذلك بأنه نقل قسري للسكان يرقى إلى جريمة حرب.
التقييد القاتل لحرية التنقّل
يجري تجريم تنقّل الفلسطينيين من حاجز إلى آخر داخل الضفة الغربية نفسها. وقد أحصى "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية" 925 حاجزاً وبوابة وساتراً ترابياً في أنحاء الضفة الغربية -وهو العدد الأكبر منذ عشرين عاماً- مما يقيّد حركة 3.4 مليون فلسطيني. وقد تستغرق رحلة لا تتجاوز ميلين للوصول إلى عيادة نصف يوم؛ وقد لا تتمكن أم تسعى للحصول على دواء لطفلها من الوصول إلى وجهتها أبداً في أرض نفد فيها مخزون ثلث الأدوية الأساسية. ومن الواضح أن الغاية ليست أمنية، وأنها تهدف إلى إنهاك الفلسطينيين واستنزافهم بجعل الحياة اليومية مرهقة إلى حدّ يصبح معه البقاء أمراً لا يُحتمل.
وكثيراً ما تغلق إسرائيل جميع المعابر، مستندةً إلى ذرائع مختلفة لا أساس لها مثل الاشتباه في تسلّل إرهابيين أو تهريب المخدرات. وقد وصفت "منظمة الصحة العالمية" ذلك بأنه "حجب متعمّد للمساعدات الإنسانية". وفي هذا الوضع يكون الأطفال أول من يموتون، ويموت كثيرون منهم بين ذراعي أمهاتهم في الطريق إلى المستشفى.
المداهمات الليلية
أصبحت المداهمة الليلية طقساً مميّزاً للاحتلال. وفيه يصل الجنود في الثانية أو الثالثة فجراً، من دون أن يكونوا في كثير من الأحيان بصدد ملاحقة مشتبه فيه -بل من دون أن يكون لديهم اسم محدّد من الأساس. يخلعون الأبواب بالقوة، وينتزعون الأطفال من أسرّتهم، ويعصبون أعينهم ويقيّدون أيديهم أمام آبائهم وأمهاتهم، ثم يقتادون صبياً بعيداً عن أسرته لأسابيع. والغاية هي بثّ الرعب لذاته. وقد سمّى نيتشه هذا الدافع بوضوح في كتابه "في جينيالوجيا الأخلاق" حين كتب: "إن رؤية الآخرين يتألمون تمنح المرء شعوراً طيباً، وإيلام الآخرين أكثر يمنحه شعوراً أفضل"؛ وهو ما وصفه بأنه "مبدأ إنساني قديم، جبار، إنساني أكثر مما ينبغي". ولا تكون القسوة هنا أثراً جانبياً؛ إنها المكافأة بحدّ ذاتها.
ولا غرض للمداهمات سوى الترهيب. وقد وصفت عائلات انتزع الجنود الإسرائيليون أطفالها من أسرّتهم كيف أصبح هؤلاء الأطفال يتبولون في أسرّتهم بعد ذلك، ويرفضون النوم وحدهم، ويستيقظون صارخين من الكوابيس، بينما ظلّ أصغرهم يرتجفون ولا يمكن تهدئتهم.
كل هذه ليست تجاوزات معزولة، وإنما آلية عمل منظومة متكاملة. وتعتقل القوات الإسرائيلية تعسفياً ما يُقدّر بنحو 500 إلى 1000 طفل فلسطيني كل عام يجري انتزاع الغالبية العظمى منهم من أسرّتهم خلال مداهمات مرعبة قبيل الفجر. وقد خلصت "منظمة إنقاذ الطفل" إلى أن 65 في المائة من الأطفال المعتقلين أُخذوا بين منتصف الليل والفجر، وأن 73 في المائة منهم عانوا بعد ذلك من الأرق، بينما أصيب 53 في المائة بكوابيس متكررة. والغاية هي تكريس مناخ دائم من الخوف بحيث لا تعرف أي عائلة في أي ليلة سيأتي الجنود لانتزاع أطفالها.
قد تنتزع إسرائيل ممتلكات الفلسطينيين قريةً بعد قرية، وقمةَ تلّ بعد أخرى، ومنزلاً بعد منزل تحوّل إلى حطام. لكنها لن تمحو أبداً وجود نحو 3.4 مليون فلسطيني في الضفة الغربية، ولن تكسر حقهم في الحرية والكرامة والوطن. وكل منزل يُهدم، وكل فدان يُستولى عليه، وكل طفل يُروَّع، لا يضمن مستقبل إسرائيل، وإنما يسرّع انهيارها الأخلاقي فحسب.
في 27 تشرين الأول (أكتوبر)، يتعين على الإسرائيليين أن يقرروا ما إذا كانوا سيوقفون هذا الانحدار أم سيمكّنون حكومةً تُفرغ إسرائيل من الداخل، وتتركها معزولةً ومبعثاً للخوف، ومجرّدةً من الشرعية الأخلاقية التي يتوقف عليها مستقبلها.
 
*ألون بن مئير Alon Ben-Meir: أكاديمي وكاتب ومحلل سياسي إسرائيلي-أميركي، ولد في العراق لأسرة يهودية وانتقل إلى إسرائيل في شبابه قبل أن يستقر لاحقاً في الولايات المتحدة. يُعرف بكتاباته وتحليلاته المتعلقة بسياسات الشرق الأوسط، وخاصة الصراع العربي-الإسرائيلي، حيث يدعو إلى تسوية سلمية تقوم على حل الدولتين. عمل أستاذاً للعلاقات الدولية في مركز الشؤون الدولية بجامعة نيويورك، وشارك في محاضرات وندوات دولية تناولت قضايا الأمن الإقليمي وحقوق الإنسان والدبلوماسية. نشر مقالاته في صحف ومجلات دولية، ويعرف بأسلوبه النقدي تجاه السياسات الإسرائيلية التي يراها معرقلة للسلام، مع تركيزه على الحوار والتفاهم بين الشعوب كسبيل لإنهاء النزاعات.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Slow-Motion Erasure Of The West Bank