هل استهداف مطار أبو الظهور السوري رسالة اسرائيلية لتركيا؟*د. عمر الرداد
عمون
نفذت اسرائيل فجر الثلاثاء الماضي ضربات عسكرية استهدفت مطار أبو الظهور العسكري في إدلب، وجاء في تسريبات اسرائيلية ان الضربات استهدفت المدرج ومناطق التخزين، ولا شك ان هذه الضربات تحمل دلالات تتجاوز حجمها العسكري المباشر، حيث تعيد فتح ملف التنافس الإقليمي على مستقبل سوريا بعد سقوط النظام السابق، فالمطار المستهدف، رغم انه متوقف عن العمل عسكريا، الا انه يقع في نقطة تربط بين محافظات إدلب وحلب وحماة، ويشكل بوابة نحو المنطقة الشرقية والبادية السورية، لكن الاهم انه لا يبعد سوى نحو70 كيلومترًا عن الحدود التركية، وهو ما ارسل رسالة بكونه نقطة اشتباك رمزية بين تل أبيب وأنقرة، وربما عززت سياقات محددة هذه الفرضية، اذ جاءت الضربات بعد ساعات من زيارة وفد تركي "عسكري" إلى المطار لبحث إعادة تأهيله، مع وجود عربات إشارة تركية داخل المطار وتحليق طائرة استطلاع من طراز "بيرقدار" في المنطقة.
عمليا، ضرب المطارات العسكرية السورية ليس ظاهرة جديدة، فقد استهدفت اسرائيل وبصورة متكررة، خلال العقد الماضي مطارات دمشق وحلب والشعيرات والمزة، وكان هدفها تشكيلات الحرس الثوري الإيراني وحزب الله. لكن ما يميز المرحلة الحالية هو أن الاستهداف انتقل من "منع تموضع إيراني" إلى "منع تموضع تركي"، في ظل واقع سياسي مختلف تمامًا عن حقبة بشار الأسد، فبينما كانت الضربات سابقًا شبه معلنة ضد نظام معادٍ، فإنها اليوم توجَّه ضد دولة تحكمها سلطة جديدة تحاول واشنطن نفسها دمجها في ترتيبات إقليمية جديدة، وهو ما يفسر امتعاض "توم براك" من التصعيد، رغم ان تسريبات اشارت الى ان واشنطن ابلغت تركيا بالضربات قبيل وقوعها، وربما طلبت من انقرة ضبط النفس
ورغم ان الرسالة الاسرائيلية لهذه الضربات مرسلة لدمشق بصورة او باخرى، الا ان المرجح أن الهدف الحقيقي ليس المطار بحد ذاته، بل ما يمثله من احتمال تموضع عسكري تركي في شمال سوريا، فإسرائيل لا تخفي انزعاجها من محاولات تطوير القدرات العسكرية السورية، لا سيما الجوية منها، بالتوازي مع تنامي العلاقات السورية التركية، والغطاءات متعددة المستويات التي توفرها تركيا لسوريا الجديدة، وبذلك فالمرجح ان اسرائيل تريد منع أي تموضع عسكري تركي خارج مناطق الانتشار الحالية
الضربة لم تحظَ بتغطية أمريكية داعمة، ومع ذلك فالمؤكد انها ما كانت لتُنفَّذ من دون ضوء أخضر من واشنطن، رغم تصريحات توم براك اللاحقة، والتي اكد خلالها أن ما جرى "تصعيد غير ضروري لا يخدم الاستقرار الإقليمي"، لا سيما وان براك نجح في ترتيب مسار تركي-إسرائيلي لتفادي الاحتكاك العسكري داخل الأجواء السورية، حيث بدأت الدولتان بعد ضربات سابقة اتصالات فنية لإقامة آلية لمنع الاحتكاك في الأجواء السورية، مع تأكيد وزير الخارجية التركي حينها أن الهدف من تلك الالية هو منع سوء الفهم بين العناصر العسكرية وليس تطبيع العلاقات بين البلدين.
ورغم حدة الرسالة الإسرائيلية، فإن السيناريو الأقرب للواقع يبقى استبعاد فتح جبهة مباشرة بين تركيا وإسرائيل على الأرض السورية، فكلا الطرفين، رغم تباين مصالحهما، لا يملك حافزًا استراتيجيًا لتحويل التنافس على النفوذ إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، فتركيا التي تدرك حجم التفوق الجوي الإسرائيلي وتكلفة أي احتكاك مباشر، تفضل توسيع نفوذها عبر أدوات القوة الناعمة والدعم العسكري غير المباشر لدمشق الجديدة، في حين أن إسرائيل تكتفي بضربات "تحذيرية" محسوبة تهدف لرسم الخطوط الحمراء دون الانزلاق نحو تصعيد يهدد آلية التنسيق الفني التي أرستها مع أنقرة بوساطة أمريكية لمنع الاحتكاك الجوي، كما أن واشنطن، رغم عجزها عن ضبط الاندفاعات الإسرائيلية بالكامل، تبقى حريصة على منع أي تصادم بين حليفين لها في المنطقة، وهو ما يجعل أدوات الضغط الدبلوماسي والقنوات الخلفية أكثر ترجيحًا كمسار لإدارة هذا التنافس من احتمال انزلاقه إلى صدام عسكري تكون سوريا مسرحه
ضربة أبو الظهور بالمقاييس العسكرية تبدو محدودة، لكنها تكشف معادلة أعمق، مفادها ان سوريا ما بعد الأسد تحوّلت إلى ساحة تتقاطع فيها ثلاث إرادات متوازية: إسرائيل التي ترسم خطوطًا حمراء لأي تطور عسكري قرب حدودها وارتباط مواقفها من سوريا الجديدة بغياب يقين بقيادتها الجديدة، وانها لن تقبل بان تكون مخرجات سقوط الاسد باستبدال ايران بتركيا، وحسابات داخلية اسرائيلية تسبق الانتخابات القادمة، وتركيا التي تسعى لترسيخ نفوذها دون الانزلاق لمواجهات مباشرة، وواشنطن التي تحاول ضبط الإيقاع بين الطرفين دون أن تملك قدرة كاملة على ضبط اندفاعات إسرائيل التي تختلف "تكتيكيا" مع واشنطن في ادارة ملفات المنطقة، أما دمشق، فتبقى الطرف الأضعف في هذه المعادلة، محكومة بخيار الإدانة اللفظية في انتظار أن تتبلور موازين قوى تسمح لها بهامش تحرك أوسع