"الحائر" لطوقان.. قراءة تحليلية بالقصور الأموية التاريخية في البادية
الغد-عزيزة علي
يسعى الباحث الدكتور فواز أحمد طوقان في كتابه "الحائر: بحوث في القصور الأموية في البادية"، إلى إعادة قراءة العمارة الأموية في البادية ضمن إطار حضاري أوسع، يربط بين الوظيفة المعمارية والسياقين التاريخي والاجتماعي، مع دعوة الباحثين إلى مواصلة الدراسة والنقد والإضافة، للوصول إلى فهم أكثر تكاملًا لهذا النوع من المنشآت الأثرية.
يقدم الكتاب، دراسةً علمية تسعى إلى تفكيك المفاهيم الشائعة حول القصور الأموية الصحراوية، وإعادة تفسيرها ضمن سياق حضاري أشمل. وينطلق المؤلف من تساؤلات ميدانية نشأت خلال زياراته لتلك المواقع، ليبني عليها بحثا يجمع بين المصادر التراثية والدراسات الحديثة والمعاينة المباشرة.
ويعتمد الكتاب الذي صدر ضمن سلسلة "فكر ومعرفة"، التي تصدرها وزارة الثقافة الأردنية، على منهج يجمع بين المصادر التاريخية القديمة، والدراسات الحديثة، والمعاينة الآثارية المباشرة، بهدف تقديم فهم أدق لمفهوم "الحائر"، بوصفه نوعًا معماريًا له خصائص محددة، وليس مجرد تسمية عامة.
في تقديمه للكتاب، يذكر المؤلف أنه خلال زيارة عابرة للقصور الأموية الصحراوية في البادية الأردنية، في ربيع العام 1968، توقف أمام بوابة قصر الحرانة متسائلًا عن موقعه، لا عن بنائه؛ إذ إن عظمة الدولة الأموية تتجلى في آثارها الأخرى، مثل الجامع الأموي، والمسجد الأقصى، وقبة الصخرة. وقد ازداد هذا التساؤل كلما توغل شرقًا في الصحراء باتجاه قصير عمرة.
وتعاظم تساؤله عند وقوفه على مشارف قصير عمرة، ولا سيما بعد أن علم بوجود خرائب قصر آخر، هو "العويند"، إلى الجنوب الشرقي منه، تحيط به الصحراء من كل جانب. وفي طريق العودة عبر البادية، ظل السؤال يلحّ عليه: لماذا اختار الأمويون هذه المنطقة لبناء قصورهم؟ ولماذا أعرضوا عن غوطة دمشق وسهول الجزيرة الفراتية، وآثروا قسوة الصحراء على نعيم الحاضرة؟
قال المؤلف "إنه تتبع أخبار هذه القصور في بطون الكتب، سعيًا إلى إجابة تشفي فضوله المعرفي، غير أن ما وجده لم يتطابق مع ما شاهده على أرض الواقع. وأخيرًا توصل المؤلف إلى تفسيرٍ رآه مناسبًا، نشره في "حولية مديرية الآثار العامة"، العام 1969، وما يزال متمسكا بوجاهته حتى اليوم".
وطرح المؤلف تساؤلًا حول سبب شيوع لفظ "الحير"، بدلًا من صيغته الفصيحة "الحائر"، مرجحًا وجود صلة وثيقة بين هذا المصطلح والقصور الأموية في البادية، وهو ما ربط هذا البحث بسؤاله الأول حول أسباب بناء تلك القصور في الصحراء.
وأكد طوقان أن لهذه الدراسة التاريخية، المعتمدة أساسًا على المصادر الآثارية، أهمية كبيرة في فهم الجوانب التاريخية والاجتماعية والسياسية للدولة الأموية. ويأمل في أن يساهم نشرها في إلقاء ضوء جديد يصحح ما شاب تاريخ هذه الدولة في بعض روايات المؤرخين العباسيين، معربًا عن ثقته بأن مثل هذه البحوث ستقود إلى إعادة كتابة التاريخ الأموي، استنادًا إلى الشواهد الآثارية، بعيدًا عن الدعاية العباسية.
ولأن هذا العمل موجه في المقام الأول إلى غير المختصين بالآثار الإسلامية، فقد حرص المؤلف على تجريد المتن من التفصيلات المعمارية الدقيقة وسائر الشروح المطولة، وأثبتها في الحواشي، تجنبًا للإطالة وإبقاءً على سلاسة النص. كما خص الحواشي الإضافية بأهل الاختصاص، مع سعيه إلى توثيق أهم المصادر لمن يرغب في التوسع.
وعن كثرة الإحالات إلى المراجع الغربية، فيرجعها إلى أن الدراسات ذات القيمة العلمية حول هذه القصور كتبت في معظمها بتلك اللغات؛ ومن ثم فقد أراد إتاحتها للقارئ العربي، ولا سيما المتخصص، لما تقدمه من فائدة لا تقتصر على موضوع "الحائر"، بل تمتد إلى العمارة الأموية عمومًا. ويعتذر المؤلف لغير المختصين عن طول الحواشي، راجيًا تفهم ذلك لما فيه من خدمة للبحث وإفادة للمتخصصين.
وقال طوقان "في هذا التصدير لابد من لفت انتباه القارئ إلى طبيعة المصادر المعتمدة في هذا البحث، إذ قُسمت إلى قسمين رئيسين: مصادر أولية وأخرى ثانوية، بصرف النظر عن حجم المادة التي يضمها كل مصدر. وقد تبين منذ البداية أن المصادر القديمة، حتى القرن التاسع عشر الميلادي، تعد في مجملها مصادر أولية، وذلك لسببين: أولهما اندثار كثير من قصور بني أمية، حيث لم تصلنا عنها إلا إشارات عابرة حفظتها كتب التراث.
وثانيهما تعرض ما بقي من هذه القصور، حتى أواخر القرن التاسع عشر، للعبث والتخريب، سواء عن جهل، كما في قصير عمرة، أم عن قصد، كما في قصر المشتى، وقصر البائر، والحلابات، وحمام السرح".
وأشار المؤلف، إلى أنه اعتمد قدر الإمكان، على هذه المصادر الأولية القديمة. أما المصادر الثانوية، ومعظمها حديثة التأليف، فقد زودته بمادة علمية غنية أغنته في كثير من الأحيان عن البحث الميداني، لما تضمنته من نتائج حفريات، ومصورات للقصور، ومخططاتها، فضلًا عن تحليلات الباحثين ونظرياتهم.
ويبين طوقان أن بعض الدراسات الحديثة انشغل أصحابها بأهداف محددة إلى حد كاد يبعدها عن غاياتها العلمية. ومن ذلك دراسة سوفاجيه عن قصور الأمويين، إذ سعت أساسًا إلى إثبات أن كثيرًا من منشآت الأمويين في البادية كانت، في حقيقتها، مستوطنات زراعية. لذلك حرص المؤلف على الإشارة إلى هذه الدراسة في الهوامش، لما تتضمنه من معلومات مهمة تتعلق بالأعمال المائية في تلك المواقع.
وأوضح المؤلف أنه اطلع على دراسات أخرى، رأى أنها ضعيفة من حيث المنهج والنتائج، وقد نبه إلى بعض نماذجها في الحواشي، مبينًا مواضع الخلل فيها. ويرجع ذلك، في الغالب، إلى ما لحق بتاريخ الدولة الأموية من إجحاف، الأمر الذي جعل بعض الباحثين، يندرجون ضمن سلسلة من الأحكام غير المنصفة في تناول هذا التاريخ ومنجزاته.
أما البحث الميداني الذي أجراه المؤلف، فتمثل في الكشف والمعاينة المباشرة لعدد من أهم القصور الأموية، ولا سيما الواقعة في الأردن وجنوب سورية. وفيما يتعلق بقصري الحائر الغربي والشرقي، فقد اكتفى بدراسة ما نُقل من آثارهما إلى المتحف الوطني في دمشق، حيث تتوافر نماذج فنية بارزة، خاصة من القصر الغربي، إلى جانب نمذج أخرى تعود إلى مدينة الرقة والعصر الأموي عمومًا.
أما بقية المواقع، فقد زارها المؤلف ميدانيًا لأغراض الدراسة، مع تركيز خاص على قصر الحلابات، وحمام السرح، ومنطقة وادي الظليل، حيث كرر زياراته لها.
وبالنسبة لموقعي قصري الحائر في بادية تدمر، فقد تعذرت المعاينة الشاملة بسبب اتساع المساحة، ولا سيما في الحائر الشرقي، فضلًا عن حالته المتدهورة. لذا اقتصرت الزيارات على الاستطلاع العام.
وأضاف طوقان أنه استفاد من الدراسات السابقة وأعمال التنقيب، ولا سيما ما يتصل بقصر الحائر الغربي وموجوداته المحفوظة في متحف دمشق الوطني، كما واصل اهتمامه الميداني بعدد من المواقع، في مقدمتها قصير عمرة، وقصر الحلابات، وحمام السرح، ومنطقة وادي الظليل.
وخلص المؤلف، إلى أنه يأمل في أن يحظى هذا البحث باهتمام الدارسين، وأن يُقرأ قراءة نقدية معمقة، سواء بمناقضته أو استكماله؛ إذ إن مثل هذه الدراسات لا تكتمل ببحث واحد، بل تتطلب جهودًا متعددة تتناول الموضوع من مختلف زواياه. وأن يتصدى له عدد من الباحثين في تاريخ الدولة الأموية، لمناقشة نتائجه وتطويرها، خاصة أنها تمس النصوص التاريخية المتعلقة بهذه الدولة مساسًا مباشرًا، مما يستدعي المراجعة والتقويم، قبولًا أو نقدًا.
وفي خاتمة الكتاب، أوضح طوقان أن الفصول الأحد عشر السابقة، لم تكن عرضًا وصفيًا دقيقًا لعمارة قصور الحائر على نهج مؤرخي العمارة، ولا سجلًا لخلافاتهم أو اتفاقاتهم حول نماذجها، بقدر ما كانت تمهيدًا متدرجًا نحو بناء تصور شامل لمفهوم "الحائر"، بوصفه نمطًا معماريًا أمويًا يثير التساؤل في أصوله وخصائصه وسماته وانتشار فكرته.
كان من الضروري أن نبدأ بعرض موجز لمنشآت الأمويين في بلاد الشام، بوصف "الحائر"، أحدها، وأن نقدم للقارئ التصورات الشائعة حول بنائها، وهي – في نظر المؤلف – تصورات غير دقيقة، ليطرح في المقابل رؤية جديدة تستند إلى فهم أشمل للحضارة العربية الإسلامية في العصر الأموي. وبعد ذلك، عُرضت بإيجاز أبرز الحِيران الثلاثة المعروفة في الأوساط الأكاديمية: الحائر الغربي، والحائر الشرقي، وحائر سامراء.
وقد خصص طوقان فصلا لاستعراض الحِيران الأخرى التي ثبت وجودها في ديار الإسلام، أو التي يفترض إدراجها ضمن هذا التصنيف، حيث تبين وجود اضطراب في التسمية، إذ أطلقت على بعض المنشآت دون أن تنطبق عليها خصائص "الحائر". ومن هنا، كان لا بد من تتبع النصوص القديمة التي وردت فيها لفظتا "حائر"، "حير"، لاستنباط دلالاتهما وتحديد معالم هذا المصطلح في المصادر التراثية.
وقد شكل هذا الفصل، المخصص للنصوص، إلى جانب ما سبقه من معطيات آثارية وتاريخية، أساسًا معتمدًا في تحديد خصائص "الحائر"، وسماته ودلالاته. وعند هذه المرحلة، تبين للمؤلف – استنادًا إلى تلك المعايير – أن مجمع الأبنية الأموي في وادي الظليل يُعد "حائرًا"، تتوافر فيه الخصائص والسمات المميزة لهذا النمط المعماري.