عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Oct-2026

انتخابات فلسطينية بمفاتيح صهيونية مؤجلة*نادية سعدالدين

 الغد

تُظهر خبرات حركات التحرر الوطني والنماذج التاريخية السابقة نجاح كثير منها في خوض انتخابات عامة آلت لاستقلال ناجز بعدما كان شعبها رازحا تحت الاستعمار المباشر أو أنظمة الفصل العنصري، مقابل أخرى أخفقت تجاربها نظير غياب شروط ستة عن عناصر توظيف الاستحقاق الانتخابي كأداة نضالية في مسار إنهاء الاحتلال.
 
 
لم تكن الانتخابات غاية لحركات التحرر، بل تكتيكا نضاليا يلجأ إليه في ربع الساعة الأخير من عمر الاستعمار، كأداة اشتباك سياسي لتجديد الشرعية وإثبات الأغلبية الساحقة أمام المجتمع الدولي وشل ذريعة المستعمر بـ»عدم وجود ممثل شرعي للشعب»، وتحويل صناديق الاقتراع لاستفتاء شعبي علني للمطالبة برحيل الاحتلال ونيل الاستقلال.
ويخبرنا النصف الثاني من القرن العشرين عن نماذج أفريقية وآسيوية ناجحة تمكنت مقاومتها المحلية من توظيف المحطات الانتخابية كجسر نحو التحرر؛ مثل غانا التي نالت استقلالها (1957) بعد ستة عقود من الاحتلال البريطاني عقب ثلاث عمليات انتخابات عامة (1951 و1954 و1956)، وأوغندا التي تمكنت مجالسها المنتخبة من مفاوضة بريطانيا ونيل الاستقلال (1962)، والمؤتمر الوطني الهندي الذي وظف المنبر البرلماني في حراك الاستقلال (1947) بعد قرابة قرنين من الاستعمار البريطاني، والاتحاد الوطني الأفريقي الزيمبابوي الذي اكتسح الانتخابات العامة عام 1980 قبل الاستقلال من الحكم الاستعماري الطويل، فضلا عن مسار تصفية الفصل العنصري عبر نموذج جنوب أفريقيا.
ولكن حركات تحرر أخرى واجهت مصائر بائسة تراوحت بين الفشل في إنهاء الاحتلال، أو التورط في دوامة الحكم الذاتي المحدود، أو إعادة إنتاج الاستعمار بأشكال جديدة (مثل النموذج الأفريقي الفرنسي) عبر استقلال شكلي يتجسد بعلم ونشيد تحت مظلة التبعية الاقتصادية، مقابل لجوء القوة الاستعمارية أو القوى الإقليمية التابعة لها بقلب النتائج الانتخابية بالقوة، مثل تجربة فيتنام التي نالت استقلالها عبر الكفاح المسلح (1975) وليس من خلال صناديق الاقتراع.
فالانتخابات تحت الاستعمار لم تكن يوما ضمانة كافية لتحقيق التحرر؛ فنجاحها كأداة للاستقلال مشروط؛ أولا: تكامل الأدوات النضالية بالدمج بين العمل السياسي وأوراق القوة الميدانية.
ثانيا: الإجماع الوطني والجبهة الموحدة، بانعكاس العملية الانتخابية لإرادة موحدة واستناد حركات التحرر لإجماع شعبي أو تشكيل جبهة وطنية عريضة مضادة لاختراق المستعمر للصف الداخلي وإثارة الفتن.
ثالثا: تحويل الانتخابات لاستفتاء علني حول بقاء المستعمر أو رحيله عبر تحديد التفويض السياسي بسقف «تقرير المصير والاستقلال الكامل» وليس صراعا على مناصب خدمية أو إدارة شؤون الحياة اليومية تحت مظلة المستعمر لإنتاج حكم ذاتي مبتور.
رابعا: ربط العملية السياسية بسقف زمني محدد يؤدي إلى الاستقلال الكامل وعدم جعلها مفتوحة الأمد.
خامسا: بيئة دولية داعمة وضغط خارجي لحماية نتائجها. 
سادسا: قيادات سياسية ترفض المساومة على الثوابت الوطنية أو الانخراط في بنية النظام الاستعماري، وتقوم باستخدام المنابر البرلمانية لتفكيك شرعية المستعمر قانونيا وسياسيا، وليس للتكيف مع شروطه أو للتناحر الداخلي.
فلسطينيا؛ تغيب غالبية تلك المتطلبات، فالانتخابات التشريعية والرئاسية (1996 و2005 و2006) والمحلية (2005 و2012 و2017 و2021 و2026) التي جرت تحت الاحتلال ووفقا لسقف «أوسلو»، لم تؤد إلى تفكيك الاستعمار الاستيطاني الإحلالي ونيل الاستقلال، ولكنها كرست الانقسام الفلسطيني الممتد منذ عام 2007، إزاء غياب الوحدة الوطنية، ودوران التنافس حول إدارة سلطة خدمية إدارية مطوقة أمنيا واقتصاديا وسياسيا، وتباين البرنامج السياسي، وعدم تحول الزخم الأوروبي والدولي الداعم للعملية الانتخابية إلى أدوات ضغط فاعلة لكف عراقيل الاحتلال، وتراجع الثقة الشعبية تجاه قيادة السلطة الفلسطينية، والتي تعمقت أثناء حرب الإبادة الصهيونية ضد قطاع غزة نتيجة ما وصفته استطلاعات الرأي بالدور الضعيف.
وربما أدركت القيادة الفلسطينية تلك الموانع في قرار تأجيل الانتخابات التشريعية إلى (سبتمبر) 2027، نظير تحكم الكيان المحتل بمفاتيح إجرائها، وربما جاء بضغط صهيوني أو غربي، ولكنها حتمًا تُدرك ثقل حضور حركة «حماس» سياسيا والذي قد يصبح فوزا ساحقا شبيها بعام 2006، وهو ما لا تقبل به.
إلا أن الإرجاء دون توافق وطني أو وضع إستراتيجية موحدة خارج عباءة «أوسلو»، وقبل إنهاء الانقسام وإعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير لضم كافة الفصائل والقوى الفلسطينية بإطارها ودمجها مع أوراق القوة الميدانية للمقاومة، يعني إعادة إنتاج نفس المعضلة عند حلول الموعد الجديد.