عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    22-Aug-2026

غزة.. تقويم الوضع

 الغد

يديعوت أحرونوت
 رون بن يشاي  21/8/2026
 
صباح الثلاثاء من الأسبوع الماضي، وقفتُ على تلة على أطراف حي الشجاعية في غزة، وتذكرتُ أول مرة جئتُ فيها إلى هنا منذ سنوات عديدة. كان ذلك بعد حرب الأيام الستة بفترة وجيزة، في تموز 1967. من التلة، كان من الصعب رؤية مخيمَي جباليا والشجاعية للاجئين. كانت معظم المنطقة المحيطة بالتلة، التي ترتفع 90 مترا فوق مستوى سطح البحر، مليئة بالبساتين والحقول المزروعة والرمال. إلى الشرق، كان بإمكاني رؤية ناحل عوز وكفار عزة. أما قرية سديروت الصغيرة، فكانت ما تزال بعيدة المنال من هناك.
 
 
أما اليوم، فالمشهد مختلف تماما. أصبحت الأراضي الفلسطينية بحرا من الأنقاض: كتل خرسانية، وأسقف مهدمة، وقضبان حديدية هيكلية بارزة، واللون الرمادي هو السائد. على الجانب الإسرائيلي، تكتسي بساتين وحقول ناحل عوز بالخضرة. وتزرع الجرارات وغيرها من الآلات الزراعية حتى آخر خط، بالقرب من السياج المحيط، الذي يزيد ارتفاعه الآن على عشرة أمتار في بعض الأماكن.
يزعم بعض مفسري الكتاب المقدس أن هذه التلة هي "بوابات غزة"، المكان الذي حطم فيه البطل شمشون أعمدة معبد الأوثان وقتل العشرات. وقد أشار رحالة أوروبي من القرن الثامن عشر، رسم خريطة لغزة، إلى التلة باسم "جبل شمشون".
عبارة "بوابات غزة" هي وصف دقيق لما رأيته عندما وقفت على السد الترابي المحيط بالموقع العسكري الإسرائيلي الكبير الذي أُقيم مؤخرا على قمة التلة الإستراتيجية. وهو مجمع مربع كبير يتسع لقوة قوامها سرية أو أكثر، ويُعد أحدث ما توصلت إليه هندسة المواقع الأمامية في قطاع غزة. يضم دبابات وقذائف هاون ونقاط مراقبة، بالإضافة إلى ترسانة من التقنيات البصرية والكهروبصرية والرادارية، المصممة لمنع أي هجوم مفاجئ على الموقع، ولتمكين القائمين عليه من السيطرة على عمليات المراقبة والاستخبارات والتوجيه الناري في محيطه بالكامل، وصولا إلى ما وراء الخط الأصفر.
تكاد الكتل الخرسانية الصفراء التي تحدد الخط الأصفر، وهو الحدود الرسمية لسيطرة الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة، تختفي بين الأنقاض. يقع الموقع على بُعد بضع مئات من الأمتار شرق الخط الأصفر، ما يمنع مقاتلي حماس والجهاد الإسلامي من اقتحامه مباشرة من المناطق التي ما يزالون يسيطرون عليها. سيتعين عليهم عبور مئات الأمتار من أرض وعرة قبل الوصول إلى الموقع.
على بُعد بضعة كيلومترات شمالا وجنوبا، يمكن رؤية السواتر الترابية التي تعلوها جدران جاهزة مصنوعة من قوالب حديدية مملوءة بالرمل، وتحيط بالمواقع الأمامية المجاورة، التي بُنيت جميعها وفقا للنموذج نفسه. وتحيط 42 نقطة تفتيش عسكرية حاليا بالأراضي التي تسيطر عليها حماس. ووفقا للقيادة الجنوبية، يسيطر الجيش الإسرائيلي حاليا على 64 في المئة من أراضي قطاع غزة، بينما تسيطر حماس على 36 في المئة.
في أكتوبر 2025، عندما تم التوصل إلى وقف إطلاق النار وإطلاق سراح آخر الرهائن، كانت نسبة تقسيم الأراضي بين الجيش الإسرائيلي وحماس، التي اتفق عليها الوسطاء، متساوية تقريبا (50:50). ولكن خلال العام الذي انقضى منذ ذلك الحين، تقدّم الجيش الإسرائيلي بالخط الأصفر غربا وشمالا. ويُعد هذا ضغطا فعالا للغاية، ما يدفع حماس إلى مزيد من المرونة في المفاوضات مع كبار أعضاء مجلس السلام.
نسير على طول جدار نقطة التفتيش، فنرى أسفلنا مجموعة من الجنود يحدّقون في الشاشات، ونسمع تبادلات قصيرة عبر اللاسلكي. وفجأة، تقلع طائرة مسيّرة صغيرة من هذه المجموعة، متجهة نحو ما كان يُعرف سابقا بحي الشجاعية. يشرح الضابط، قائد فريق الطائرات المسيّرة:
"تلقينا معلومات عن موقع يُحتمل وجود من يراقبوننا فيه أو يخططون لزرع عبوة ناسفة. نحاول تحديد مواقعهم دون أن يلاحظونا. هذه الطائرة المسيّرة مصممة للوصول إلى هناك بهدوء، دون أن تُكتشف".
ثم يُريني على الشاشة شخصا يتحرك داخل المنزل المدمّر: "قد يكون أحد أفراد العصابة، لكنه أعزل حاليا، لذا لسنا ملزمين في هذه المرحلة بالتحرك ضده أو ضد أي شخص آخر قد يختبئ في هذا المنزل"، "كيف ستتصرفون؟" سألتُ.
أشار الضابط إلى مجموعة من الطائرات المسيّرة بأحجام وتكوينات مختلفة، والتي لا تسمح فقط بمراقبة وتصوير ما يحدث داخل حي غزة، بل تمكّن أيضا من شن هجمات مفاجئة. وخلافا لما يُشاع أحيانا في وسائل الإعلام، فإن المقاتلين في القطاع لا يواجهون أي قيود إذا رصدوا شيئا أو شخصا في محيط الخط الأصفر أو بالقرب من البؤرة الاستيطانية يمكن أن يشكّل تهديدا مباشرا.
"يقال إنكم تشعرون بالإحباط لأنكم مضطرون للحصول على إذن من رئيس الأركان لإطلاق النار على المسلحين الذين يستفزونكم. هل هذا صحيح؟" سألتُ أحد المقاتلين. أجابني المقاتل، وهو جندي نظامي في لواء المظليين:
"لا علم لي بهذا الأمر. لا توجد قيود عليّ، والأوامر بإطلاق النار على من يهددنا هي نفسها التي كانت سارية منذ وصولنا إلى هنا".
إن الفجوة بين التقارير الإعلامية والواقع على الأرض تنبع من الأوامر المتعلقة بعمليات الاغتيال المستهدفة في عمق قطاع غزة، والتي تتطلب بالفعل موافقة رئيس الأركان، وأحيانا موافقة القيادة السياسية أيضا. وفي اليوم نفسه من هذا الأسبوع الذي قمت فيه بجولة في المواقع العسكرية في قطاع غزة، نُفذت عملية اغتيال مستهدفة في المساء، قُتل فيها اثنان من كبار قادة حماس وعدد من قادة الفروع في التنظيم، بينما كانوا يجلسون في مقهى يخططون لنشاط وصفه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بأنه "مخطط إرهابي".
وأفاد الفلسطينيون بمقتل ستة مدنيين في عملية اغتيال واحدة، نُفذت، على ما يبدو، بواسطة طائرة مسيّرة، بعد أن بلور جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) التهمة بدقة.
قبل أسبوعين، شهدت وتيرة الاغتيالات تباطؤا ملحوظا استجابة لطلب من واشنطن، إلا أنها تسارعت مجددا هذا الأسبوع، وبلغت ذروتها في الأيام الأخيرة. وتُنفذ معظم هذه الاغتيالات بواسطة طائرات مسيّرة هجومية.
ووفقا لبيانات الجيش الإسرائيلي، منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر من العام الماضي، تم استهداف نحو 730 إرهابيا، قُضي على 520 منهم بشكل نهائي، من بينهم نحو 80 ممن شاركوا في مجزرة 7 أكتوبر، وحددت فرقة عمل تابعة للشاباك مواقعهم خصيصا لهذا الغرض، إضافة إلى رئيسَي فرعين عسكريين ونحو 125 قائدا من الرتب العليا والمتوسطة.
وفي يوم الثلاثاء وحده، أُضيف ستة قادة آخرين من حماس وقائد واحد من حركة الجهاد الإسلامي إلى القائمة. وقامت قوة من لواء المظليين، التي انضممتُ إليها، بتصفية عنصر من النخبة وقائد آخر من حماس يوم الأربعاء، ودمرت نفقا في منطقة الشجاعية على طول الطريق.
يشير الضوء الأخضر الأميركي لتسريع وتيرة القتل في غزة، بالإضافة إلى العمل العدواني في سورية، إلى أن ترامب يدرك ضرورة إظهار نتنياهو وحكومته حزما أمنيا قبل الانتخابات، لكسب أصوات الناخبين اليمينيين.