حرب الاحتلال ضد القدس.. استهداف أحياء عربية بالهدم والتهجير القسري
هدم 312 منشأة فلسطينية منذ مطلع العام الحالي
الغد-نادية سعد الدين
يستهدف الاحتلال أحياء عربية تاريخية في القدس المحتلة لتغيير هويتها ومعالمها، عبر أداتي هدم المنازل ومصادرة الأراضي الفلسطينية، تمهيدا للتهجير القسري لسكانها لصالح الاستيطان، في إطار سياسة النيل من الوجود الفلسطيني.
وتصاعدت مؤخرا عمليات الهدم التي تنفذها قوات الاحتلال في مدينة القدس المحتلة، عبر هدم عشرات المنشآت التجارية والسكنية، في ظل عدوانٍ متواصل على بلدات القدس، ولا سيما الرام وكفر عقب وقلنديا، في إطار حرب الاحتلال العلنية على الوجود الفلسطيني في المدينة، بهدف تفريغها من أهلها وتهجيرهم.
وطبقا للمعطيات الفلسطينية حتى شهر نيسان (أبريل) الحالي، تشهد مدينة القدس وضواحيها تصاعدا في سياسة هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية؛ حيث وثّق مركز معلومات فلسطين "معطى" تنفيذ 102 عملية هدم استهدفت وحدات سكنية ومنشآت متنوعة في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، في الربع الأول من العام الحالي.
في حين أفادت تقارير فلسطينية بأن سلطات الاحتلال هدمت 312 منشأة فلسطينية، تشمل منازل ومنشآت تجارية وزراعية، في مختلف المناطق، بما فيها القدس المحتلة، وذلك في أول ستة أسابيع من العام الحالي، بينما تم رصد 49 عملية هدم وتجريف خلال شهر شباط (فبراير) الماضي وحده.
وتستمر انتهاكات الاحتلال بشكل مكثف في مناطق مثل سلوان، وبيت حنينا، ومخيم قلنديا، حيث يتهدد خطر الهدم مئات المنازل الفلسطينية.
وينتهج الاحتلال منذ فترة سياسة أكثر غلوا وتطرفا، بدفع الفلسطينيين لهدم منازلهم بأنفسهم في القدس المحتلة لصالح التوسع الاستيطاني، في واحد من أكثر الإجراءات الصهيونية عنصرية وعدوانا.
وأشارت دراسة صادرة بعنوان "الهدم الذاتي في القدس: بين المطرقة والسندان"، عن مركز القدس لحقوق الإنسان، إلى أن ما يُعرف بسياسة "الهدم الذاتي" لم يعد حالة فردية أو استثناء محدودا في مدينة القدس المحتلة، بل أصبح نمطا متصاعدا في عمليات هدم المنازل الفلسطينية، بفعل منظومة قانونية وإدارية صهيونية تُنتج ضغطا مباشرا على السكان، يدفعهم إلى هدم منازلهم بأنفسهم.
وأفادت الدراسة بأن هذا التحول لم يأتِ بشكل عفوي، بل ارتبط بشكل مباشر بالتعديلات التي أُدخلت على قانون التنظيم والبناء التابع للاحتلال، والتي ساهمت في تسريع إجراءات الهدم وتقليص هامش الاعتراض القانوني، إلى جانب تضييق قدرة المحاكم على وقف أو تأجيل أوامر الهدم.
وبحسبها، فإن آلية التنفيذ الحالية تضع أصحاب المنازل أمام مهلة زمنية قصيرة لا تتجاوز غالبا 21 يوما، يتعين خلالها إما تنفيذ الهدم ذاتيا أو مواجهة تنفيذ مباشر من قبل آليات بلدية الاحتلال، مع تحميلهم كامل التكاليف المالية للعملية في حال التنفيذ القسري.
ورأت أن هذه المنظومة لا تعمل فقط عبر الأوامر الإدارية، بل عبر ضغط مركّب يجمع بين التهديد المالي (غرامات وتكاليف باهظة)، والضغط القانوني (إمكانية الملاحقة أو تراكم المخالفات)، والضغط الزمني (مهل قصيرة لا تتيح حلولا بديلة)، ما يجعل خيار الهدم الذاتي إجبارا قسريا وليس قرارا حرا.
من جانبه، قال خبير القانون الدولي، صلاح عبد العاطي، إن ما يُسمّى بـ"الهدم الذاتي" في القدس المحتلة لا يمكن قراءته كإجراء إداري محايد، بل كآلية قسرية تُستخدم للالتفاف على الحظر الصريح لتدمير الممتلكات الخاصة في الأراضي المحتلة، بما يجعل منها انتهاكا جسيما ومركبا في جوهره القانوني.
وأكد عبد العاطي، في تصريح له أمس، أن القانون الدولي لا يجيز بأي حال فرض "الهدم الذاتي"، فالهدم الذي يتم تحت التهديد بالغرامات والتكاليف الباهظة أو الملاحقة وخطر تنفيذه بالقوة لا يمكن اعتباره فعلا طوعيا، بل يتم "بالإكراه" والإجبار القسري، حيث يُنسب الفعل قانونيا إلى سلطات الاحتلال، في إطار سياسة التهجير القسري التدريجي.
وقال إن هذا الإجراء الصهيوني يرقى إلى انتهاك جسيم، وقد يُصنّف كجريمة حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وقد يرتقي، في حال اتساع نطاقه أو طابعه المنهجي، إلى جريمة "اضطهاد" كجريمة ضد الإنسانية.
وأضاف أنه يعكس أيضا سياسة عامة ممنهجة لدى الاحتلال، تتسم بالتكرار والاستمرارية والاستهداف الجغرافي في القدس المحتلة، وترتبط بنظام تخطيطي تقييدي يحمل أبعادا ديمغرافية ضمنية.
من جانبها، أكدت حركة "حماس" أن "تصعيد قوات الاحتلال الصهيوني من عمليات الهدم في مدينة القدس المحتلة، عبر هدم عشرات المنشآت التجارية والسكنية، في ظل عدوانٍ متواصل على بلدات القدس، ولا سيما الرام وكفر عقب وقلنديا، يعد جريمة وحربا علنية على الوجود الفلسطيني في المدينة، وفي إطار تفريغها من أهلها وتهجيرهم".
وأضافت الحركة، في تصريح لها أمس، إن "عمليات الهدم المتواصلة والإخطارات المتصاعدة في مدينة القدس تُمثّل انتهاكا صارخا لكل الأعراف والقوانين الدولية، واستمرارا لعمليات التهويد الممنهج والتطهير العرقي، والاستهداف الخطير للمدينة المقدسة".
وطالبت المجتمع الدولي وكافة الدول والأطراف المعنية بالتحرك الفوري لوقف مجازر الهدم في مدينة القدس المحتلة، والضغط على حكومة الاحتلال لوقف هذه الجرائم اليومية بحق الشعب الفلسطيني.
وأكدت أن "مدينة القدس ستبقى أرضا فلسطينية خالصة، ولا سيادة للاحتلال فيها، وأن الشعب الفلسطيني سيظل راسخا في أرضه، ثابتا على ترابه، وسيواجه عدوان الاحتلال بكل إمكانياته المتاحة، وسيفشل مشاريع التهويد والتهجير مهما تمادى الاحتلال".
ومنذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023، أدت اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية إلى استشهاد ما لا يقل عن 1,154 فلسطينيا، وإصابة نحو 11 ألفا و750، إضافة إلى اعتقال قرابة 9,600 آخرين، وفق معطيات فلسطينية رسمية.