"ظاهرة القرأنة".. كتاب يؤصل مصطلحا نقديا لدراسة أثر القرآن بالشعر العربي
الغد-عزيزة علي
يشكل الكتاب الجديد "ظاهرة القرأنة: تأسيس للمصطلح ودراسة تطبيقية"، للدكتورة مهى عبد القادر المبيضين، والصادر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، إضافة نوعية إلى حقل الدراسات الأدبية والنقدية، من خلال تقديمه مقاربة علمية جديدة لإحدى أبرز الظواهر التي رافقت الشعر العربي في صدر الإسلام، وسعيه إلى تأصيل مصطلح نقدي جديد يفسر طبيعة حضور القرآن الكريم في البنية اللغوية والفكرية للشعر العربي، خلال تلك المرحلة.
الكتاب يتناول أثر القرآن الكريم في تشكيل التجربة الشعرية لدى شعراء صدر الإسلام، متتبعًا مظاهر هذا التأثير في الألفاظ والتراكيب والصور والمعاني، وصولًا إلى التحولات التي طرأت على المعجم الشعري والرؤية الفكرية والموضوعات الشعرية. كما يقدم قراءة تطبيقية تسعى إلى إثبات أن هذا الحضور لم يكن مجرد اقتباس أو استعارة لغوية، وإنما كان انعكاسًا لتحول حضاري وثقافي عميق أحدثه الإسلام في الوعي العربي.
ومن خلال هذه الدراسة، تقترح المبيضين مصطلح "القرأنة"، بوصفه مفهومًا نقديًا يعبر عن خصوصية تأثر الشعر بالقرآن الكريم، وترى أنه أكثر دقة من بعض المصطلحات النقدية المتداولة، لأنه يحيل إلى مرجعية نصية واحدة هي القرآن الكريم، الذي أصبح، بحسب الدراسة، المصدر الأبرز في إعادة تشكيل لغة الشعر ومضامينه، وإرساء منظومة جديدة من القيم والرؤية في الأدب العربي، خلال مرحلة التحول من الجاهلية إلى الإسلام.
وفي مقدمة الكتاب، تؤكد الدكتورة مهى المبيضين أن مرحلة صدر الإسلام تعد من أكثر المراحل مفصلية في تاريخ الأدب العربي عامة، والشعر خاصة، إذ شهدت تداخلاً واضحاً بين لغة الشعر الجاهلي ومعانيه من جهة، ولغة الوحي المتمثلة في القرآن الكريم من جهة أخرى، فامتزجت بلاغة القرآن بالبيان الشعري، في بيئة غلب عليها الاهتمام بفنون القول وأساليب البلاغة.
وترى المبيضين، أن المتأمل في تلك المرحلة يلحظ أن الشعراء كانوا في طليعة الفئات التي تأثرت بهذا التحول، الناتج عن التفاعل بين الموروث اللغوي والشعري ولغة القرآن الكريم ومعانيه. فقد عايشوا البيئة التي تنزل فيها الوحي على مدى ثلاث عشرة سنة في مكة المكرمة، ثم عشر سنوات في المدينة المنورة، حيث اختلطت ألفاظ القرآن الكريم ومفرداته بألسنة الناس، ومن بينهم الشعراء.
وأضافت المؤلفة أن هذا الواقع جعل من الطبيعي أن تتسرب ألفاظ القرآن ومعانيه وتراكيبه، بما تحمله من إيقاع وبناء وصور بلاغية، إلى الشعر، لتبرز بذلك الظاهرة التي اختارت تسميتها في هذا الكتاب "ظاهرة القرأنة"، وترى أن هذه الظاهرة ما كانت لتتشكل لولا تأثر شعراء تلك المرحلة بألفاظ القرآن الكريم وتراكيبه ومعانيه، بما انطوت عليه من قيم جديدة، ومن ترسيخ لقيم راسخة، ولكن بروح تعبيرية لم تكن مألوفة من قبل.
المبيضين تبين أن ذلك كله، ما كان ليكون لولا أن الشعراء المسلمين الأوائل وجدوا أنفسهم أمام لغة وخطاب سماوي يعلو على ما عرفته العرب من بيان وفصاحة، ويبلغ منزلة سامية في التعبير والتأثير. فقد ساهم هذا الخطاب في إعادة تشكيل الصورة في العقل والوجدان معاً، بما أحدثه من أثر عميق في النفوس وهز المشاعر.
وتذهب المؤلفة، إلى أن المعاني التي تضمنها كلام الوليد بن المغيرة تمثل إرهاصات مبكرة لما تسميه "ظاهرة القرأنة"، إذ إن هذا التأثير لا يمكن اختزاله في مجرد محاكاة لغوية أو استعارة لألفاظ القرآن الكريم بقصد تجميل الأسلوب وتحسين العبارة، وإنما ارتبط بتحول روحي وتربوي وثقافي أعمق. وقد تجلى هذا التحول في شعر شعراء تلك المرحلة، الذين حملت قصائدهم روحاً جديدة تجسد أثر القرآن الكريم، فظهر النفس القرآني في مفرداتهم وتراكيبهم، وفي معانيهم، بل وفي الغايات التي نُظمت من أجلها القصائد في كثير من الأحيان.
وتشير المبيضين إلى أن أهمية هذا الكتاب تكمن في استحداث مصطلح "القرأنة"، للدلالة على الاعتماد الواسع لشعراء صدر الإسلام ومن جاء بعدهم على الألفاظ القرآنية وما حملته من دلالات جديدة، فضلاً عن توظيف العبارات والآيات القرآنية في نصوصهم الشعرية، وتكرار حضورها في معظم قصائدهم، بما ساهم في ترسيخها وتعميق دلالاتها في الوعيين الأدبي والثقافي.
وترى المؤلفة، أن أهمية استحداث مصطلح خاص لوصف حضور القرآن الكريم في الشعر تنبع من رسوخ هذه الظاهرة في النفوس، وثباتها بوصفها مظهراً ثقافياً وأدبياً منذ المراحل المبكرة للدعوة الإسلامية، إذ تراجع جانب كبير من ملامح القصيدة الجاهلية التقليدية، لتحل محلها نصوص شعرية كرست قيم الدين، وعززت الإيمان والعقيدة، وانسجمت في مضامينها مع معاني الإسلام وهدي القرآن الكريم.
وخلصت المبيضين، إلى أنه لا" مشاحة في الاصطلاح"، ومن ثم، فإن القرآن الكريم جدير بأن ينفرد بمصطلح يعبر عن حضوره في الأدب عامة، وفي الشعر على وجه الخصوص. ومن هذا المنطلق، تقترح مصطلح "القرأنة الشعرية"، بوصفه بديلاً أكثر دقة من مصطلح "التناص"، الذي يحيل إلى التفاعل مع مرجعيات نصية متعددة، في حين يختص مصطلح "القرأنة الشعرية"، بإحالة النص الشعري إلى مرجعية واحدة هي القرآن الكريم، بما يمنحه موقعاً محورياً ومركزيةً أساسية في بناء النص الشعري والأدبي.
وفي خاتمة الدراسة، تؤكد الدكتورة مهى المبيضين، أنه بعد تتبع مظاهر التأثر بالقرآن الكريم في شعر المخضرمين، سواء من خلال استحضار ألفاظه أو استلهام معانيه ومضامينه، يمكن القول إن ظاهرة "القرأنة"، لم تكن مجرد استعراض لغوي أو تقليد لفظي، بل مثلت تعبيرًا عن حالة من الوعي الديني والثقافي، تجلت فيها هيمنة النص القرآني على وجدان شعراء تلك المرحلة، وانعكست بوضوح في نتاجهم الشعري.
وتشير إلى أن الدراسة كشفت عن عمق هذا التأثر، إلى الحد الذي جعل شعراء تلك المرحلة يتمثلون النص القرآني، ويعيدون توظيفه في سياقات شعرية جديدة، بما يعكس اندماجهم الحقيقي في منظومة القيم التي جاء بها الإسلام. ونتيجة لذلك، خفت صوت العصبيات القبلية في شعر المخضرمين الذين أسلموا وحسن إسلامهم، وحلت محله تعبيرات جديدة مستمدة من روح الإسلام، تستقي مادتها اللغوية من معين القرآن الكريم، وتعبر عن الهوية الجامعة التي تشكلت لدى جماعة المسلمين في عهد الرسول ﷺ، بما رسخ قيماً جديدة قوامها الإيمان والانتماء إلى العقيدة، بديلاً من الانتماءات القبلية الضيقة.
وتتابع المؤلفة مؤكدة أن هذا الأثر امتد إلى عصر الخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم، إذ يمكن القول إن المعجم الشعري لدى الشعراء المخضرمين في ظل الإسلام شهد تحولاً واضحاً لا ينبغي التقليل من شأنه. فقد تأثروا بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف في ألفاظهم وأساليبهم وتعبيراتهم وطرائق صياغتهم، واستمدوا في الغالب لغتهم من هذا المعين المتجدد، الذي لا ينضب.
كما شهدت دلالات كثير من ألفاظهم تطوراً ملحوظاً، وظهرت دلالات ومصطلحات جديدة انسجمت مع مفاهيم الحياة الإسلامية، ومع التحولات التي طرأت على المجتمع في تلك المرحلة. وانطلاقاً من هذه الرؤية، ارتأت الباحثة نحت مصطلح "القرأنة" بوصفه توصيفاً علمياً لهذه الظاهرة، وتعبيراً دقيقاً عن التحول الذي شهده الشعر العربي في تلك المرحلة المفصلية من تاريخه، حيث غدا القرآن الكريم المرجعية اللغوية والبلاغية والفكرية الأبرز في تشكيل الخطاب الشعري.