عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    22-Jan-2026

أين ما زرعناه منذ عقود؟*رمزي الغزوي

 الدستور

العام الماضي أنهت الصين حملة «الحزام الأخضر» التي استمرت 46 عاماً، لتطويق صحراء «تكلامكان» على امتداد نحو ثلاثة آلاف كيلومتر في منطقة «شينجيانغ» شمال غربي البلاد، زرعت خلالها ملايين الأشجار للحد من زحف الرمال والتقليل من الغبار. كان ذلك عملاً دأوباً مثمرا شاهدت بعضاً من آثاره ومجرياته وقت زيارتي لتلك الصحراء الواقعة على طريق الحريق القديم، قبل تسع سنوات.
 
نحن بدأنا احتفالاتنا الرسمية «الدؤوبة أيضاً» بيوم الشجرة عام 1939 بزراعة جبل القلعة في عمان. فأين ما زرعناها طيلة تلك العقود الطويلة؟ أين الغابات التي من المفترض أنها تألقت وصار لها ظلال وارفة وأثر في تلطيف حرّ الصيف؟ ولكي لا أقسو على نفسي بمرارات المقارنة أسال عما زرعناه العام الماضي فقط؟ هل بقيت شجرة واحدة من تلك الفسائل على قيد الحياة؟ الزراعة لا تعني غرس الفسيلة بالتراب والمضي بعيدا بعد الاحتفال الرسمي، بل تعني العناية والرعاية لما زرعت حتى تكبر الاشجار وتضرب جذورا لها في الأرض.
 
ولآن الأحلام تسري عن النفسي. فما زال لدي حلم يعلق في رأسي أن يسير الراكب من عمان إلى بغداد تحفه الأشجار وتظلله وتسليه، كما كان في سالف العصور، حسب قول العلماء وتصوّرهم. وهذا الحلم اجتراري، بمعنى أنه مرّ بصفحة ذهني حين كنت طالباً أسافر على تلك الطريق الملفوفة بالرمل.
 
وحلمي الأكثر اخضرارا الآن أن تغدو عمان مزركشة بالحدائق تطريها نقاوة الأوكسجين وتنقيها من هباب السيارات وأن تصبح طريقا قصيرة كغمضة عين لتنوع أشجار الجانبين. والكابوس أن أكثر من عقدين مرا على افتتاح شارع الأردن والمشهد كلكم تعرفونه، أكياس بلاستيك تتطاير وكؤوس قهوة تتهاوى من شبابيك السيارات وأحلام مقتولة لا تحظى بشفقة أحد؟.
 
لدي حلم أن نزرع ملايين الأشجار ونرعاها، ونستميت لأجلها، وأن نستثمر غاباتنا بطرق صحيحة، وعلمية مدروسة، وأن نستحدث المشاريع التي تلائمها وتنميها وتنمينا. لا أن ندمرها من أجل أقامة صناديق الإسمنت البلهاء. لدي حلم أن تكون الشجرة أولوية كبرى في حياتنا، وأن لا تضيع غابات معمرة، بجرة قلم من مسؤول غافل، وأن نضرب مافيات التحطيب التي تجتاح ثروتنا. وأن ندخل كل وسائل الحماية للغابات بما فيها الطيارات المسيرة.
 
ولدي فكرة أن يفرض على كل مستثمر غرس شجرة حرجية، أو مثمرة، في أراضينا الجرداء، عوضاً عن كل متر مربع يغرسه من إسمنت في ترابنا. وعلى كل صاحب برج أن يشجّر غابة تحمل الاسم الذي يحمله برجه الشاهق، لتكون معادلاً موضوعياً للطبيعة. لدي حلم أن تشارك الشركات الكبرى في حلم التخضير.
 
لدي جنون آخر يبيح لي أن أطالب بجعل يوم الشجرة عيدا وعطلة رسمية (كما كان). عطلة لا للنوم والتمطي بل تكون عملاً ومعاول وزراعة وغراساً. فنحن لن نجذر محبتنا للأرض، دون أن نتشارك ونتواشج مع أبنائنا في لثم ترابها، وبغرس شجرة تضرب عميقاً نتفرع منه في سماء المحبة والنماء.