عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    26-Feb-2026

"عودة إلى الطنطورة": قراءة توثيقية بتاريخ القرية الفلسطينية

 الغد-عزيزة علي

 صدر عن دار أمواج للنشر والتوزيع كتاب بعنوان "عودة إلى الطنطورة (قراءة جديدة)"، للباحث الأردني أحمد حسن علي آل خديش، وهو عمل توثيقي يسعى إلى إعادة قراءة تاريخ قرية الطنطورة الفلسطينية من منظور يجمع بين الدقة الأرشيفية واستحضار الذاكرة الشفوية.
 
 
ويقدم الكتاب مقاربة تاريخية تتجاوز السرد التقليدي لأحداث النكبة، لتفتح نقاشًا أوسع حول الرواية والذاكرة والعدالة، مستندة إلى الوثائق والسجلات ومشجرات العائلات، إلى جانب شهادات الناجين وأحفادهم، في محاولة لإعادة بناء صورة المكان والإنسان، ومساءلة السرديات التي سعت إلى طمسها أو تشويهها.
جاء الكتاب في ثلاثة أبواب، الباب الأول: المزولة الطنطورية: يمثل مدخلًا لقراءة الزمن في "الطنطورة"، لا بوصفه تعاقبًا للساعات والأيام، بل باعتباره دليلًا على ديمومة المكان، وعلاقة الأرض بالإنسان. الباب الثاني: السجلات ومشجرات العائلات يتناول ما توفر من مشجرات عائلات الطنطورة، بهدف مساعدة جيل ما بعد نكبة فلسطين العام 1948م على توثيق تاريخ كل عائلة، وتعزيز الروابط بين الأجيال المتعاقبة، وترسيخ المعرفة بوصفها ضرورة ملحّة.
ويتوزع هذا الباب على ثلاثة فصول، الفصل الأول: سجل نفوس الطنطورة (1911–1914م). الفصل الثاني: مشجرات أهالي الطنطورة الأبية. الفصل الثالث: أسماء عائلات الطنطورة كما وردت عند الباحثين.
الباب الثالث بعنوان، الأوراق التاريخية: يضم أرصدة من الأرشيف الحيفاوي، في محاولة لسد الثغرات واستكمال الحلقات المفقودة، ويتألف من ثلاثة فصول وملحق، الفصل الأول: الوثائق الطنطورية. الفصل الثاني: الطنطورة في الصحافة العربية. والفصل الثالث: مقاسم الطنطورة.
كتب رئيس جمعية المؤرخين الأردنيين،  الدكتور غالب العربيات، تقديمًا للكتاب، أكد فيه أن الكتابة عن القرى الفلسطينية المدمرة ليست فعل استذكار عابر أو استجابة آنية يعقبها فتور، بل هي في جوهرها موقف معرفي وأخلاقي من التاريخ، ومن آليات إنتاجه، ومن الصمت الذي غالبًا ما يغلف الجرائم، حين تنتصر القوة على العدالة.
وأشار، إلى أن الكتاب "عودة إلى الطنطورة"، يكتسب أهميته الخاصة؛ إذ لا يقتصر على معالجة إحدى أكثر محطات النكبة إيلامًا، بل يطرح سؤالًا عميقًا حول معنى كتابة التاريخ، وحدود الرواية، ودور الذاكرة في مواجهة النسيان المنظم.
وأشار العربيات، إلى أن الطنطورة شأنها شأن القرى الفلسطينية التي استُبيحت، ليست حاشية على متن النكبة، بل جريمة تضاف إلى سجل المحتل، وقضية تاريخية مكتملة الأركان: مكانًا، وسكانًا، وحدثًا، وسياقًا، ونتائجَ ما تزال ممتدة إلى الزمن الراهن.
فالطنطورة، ليست مجرد جغرافيا أزيلت، بل ذاكرة أريد لها أن تُلغى، وشهادة سعت الرواية الصهيونية إلى طمسها أو تشويهها أو التشكيك في مشروعيتها. مبينا أن الباحث أحمد بن خديش ينطلق من إدراكٍ واعٍ بأن الصراع على فلسطين لم يكن يومًا صراعًا على الأرض وحدها، بل هو صراع على الرواية، بقدر ما هو صراع على السيادة.
ومن هنا، تأتي مقاربته للطنطورة بوصفها نموذجًا كاشفًا لطبيعة العنف التأسيسي الذي رافق قيام دولة الاحتلال، وللآليات التي استُخدمت لاحقًا لإعادة صياغة الذاكرة، سواء عبر الأرشيف الرسمي، أو التعليم، أو الإعلام، أو إسكات أصوات الناجين.
ويرى، أن الكتاب يعتمد في بنائه المنهجي على الذاكرة الشفوية بوصفها مصدرًا تاريخيًا أصيلًا لا بديلًا اضطراريًا. وهذه نقطة جوهرية؛ إذ لا يدرج المؤلف الشهادات باعتبارها مادة وجدانية فحسب، بل يُخضعها لمنهج المقارنة والتقاطع والتحقق الزماني والمكاني، واضعًا إياها في سياقيها التاريخي والسياسي. وهكذا تتحول الذاكرة من حكاية شخصية إلى وثيقة إنسانية ذات قيمة معرفية، تطالب بحقها في أن تكون جزءًا من السرد التاريخي العام.
ويُحسب للباحث، وفقًا للعربيات، أنه لا يقع في فخ التبسيط أو التعميم، ولا يستسلم لإغراء السرد العاطفي المجرد، على الرغم من قسوة المادة التي يعالجها. فالمجازر، كما يعرضها، ليست مجرد مشاهد صادمة، بل مدخلا لفهم البنية العميقة للعنف: كيف يُرتكب، وكيف يُبرَّر، وكيف يُمحى من السجلات، ثم كيف يعود إلى الظهور عبر شهادات الناجين وأحفادهم، بعدما أخفق الصمت في دفنه.
أما على مستوى اللغة، فيقدّم الكتاب نموذجًا متوازنًا يجمع بين الدقة والإنسانية؛ فهي لغة لا تتزيّن ولا تخفف من ثقل الألم، لكنها في الوقت ذاته لا تستعرضه. إنها كتابة واعية بوظيفتها، تدرك أن تناول المجزرة لا يعني استدرار المأساة، بل تحمّل مسؤولية سردها بإنصاف. وهذا التوازن يمنح النص قدرة على مخاطبة القارئ المتخصص والعام معًا، من دون أن يخسر أحدهما لصالح الآخر.
وفي تعاطيه مع الرواية الصهيونية، لا يلجأ المؤلف إلى خطاب المواجهة أو الاتهام المباشر، بل يعتمد منهج التفكيك الهادئ؛ بإبراز التناقضات، واستحضار الاعترافات الجزئية، ومقارنة الشهادات، وكشف الثغرات التي سعت السردية الرسمية إلى ترميمها. وهكذا يتحول الكتاب إلى مساءلة معرفية للرواية الغالبة، تقوم على تراكم الأدلة وطرح الأسئلة العميقة وصولًا إلى جوهر الحقيقة.
وعن أهمية الكتاب، يرى العربيات أنها تتجاوز موضوع الطنطورة ذاته، لتلامس إشكالية أوسع في الكتابة التاريخية العربية المعاصرة، تتمثل في موقع الذاكرة في إنتاج المعرفة، وحدود "الموضوعية" حين تتحول إلى ستار للصمت، ودور الباحث حين يقف أمام حدث لم يُحسم أخلاقيًا بعد.
وأشار العربيات، أن الكتاب يدعو إلى إعادة التفكير في العلاقة بين التاريخ والعدالة، وبين التوثيق والإنصاف والانتصار للحقيقة. كما يذكّر بأن القرى المدمّرة ليست ماضيًا منتهيًا، بل حاضرًا مؤجّلًا يعيش في ذاكرة الأجيال، وفي خرائط العودة ومفاتيح البيوت، وفي أسماء الأماكن والإصرار على تسميتها. فالطنطورة، كما يعرضها العمل، لم تختفِ، بل أُخفيت قسرًا؛ والفرق بين الاختفاء والإخفاء فارق أخلاقي ومعرفي عميق.
وأكد أن "عودة إلى الطنطورة"، ليس كتابًا عن الماضي فحسب، بل عن الحاضر الفلسطيني ومعركة الوعي المفتوحة. فهو يذكّر بأن استعادة المكان تبدأ باستعادة اسمه، وأن العدالة المؤجلة لا تسقط بالتقادم، وأن التاريخ الذي يُكتب من دون أصوات الضحايا يظل ناقصًا، مهما بدا متماسكًا في أرشيف المنتصر وروايته.
وخلص العربيات، إلى أن الكتاب يمثل إضافة نوعية إلى أدبيات النكبة، وإلى مشروع أوسع يسعى إلى رد الاعتبار للذاكرة الفلسطينية بوصفها جزءًا أصيلًا من الحقيقة التاريخية. إنه عمل يستحق القراءة، لا بوصفه شهادة فحسب، بل بوصفه تمرينًا أخلاقيًا على الإنصات ومقاومة النسيان، والإيمان بأن الرواية العادلة، وإن تأخرت، لا تموت.
وكتب الدكتور محمد ياسر عمرو، عضو مؤسس في موسوعة القرى الفلسطينية، كلمة عن الكتاب أشار فيها إلى أن "عودة إلى الطنطورة"، يأتي نداءً من الذاكرة؛ لا ليستعيد الحنين فحسب، بل ليصون الحقيقة من الغياب. إنها عودة إلى المكان قبل أن يُشوَّه، وإلى الاسم قبل أن يُحرَّف، وإلى الإنسان قبل أن يُختزل في رقم أو رواية منقوصة. ففي صفحاته لا تبدو الطنطورة خبرًا تاريخيًا عابرًا، بل قرية نابضة بالحياة، بأهلها وبيوتها وأرضها وأسمائها التي أريد لها أن تُمحى فقاومت.
وأضاف أن الكتاب شهادة حب، وصرخة ذاكرة، ووثيقة حق تُستعاد فيها الطنطورة كما كانت: عامرة، حيّة، فلسطينية. وهو تأكيد أن القرى التي تُقتلع من الأرض لا تُقتلع من التاريخ، وأن العودة تبدأ من الكلمة، وتمتد إلى الوعي، ولا تنتهي.
وخلص عمرو، إلى أن الطنطورة ليست قرية غابت، بل روحًا أريد لها أن تُنسى فلم تُنسَ؛ مكانًا تعلّم فيه البحر أسماء أبنائه، وحفظت الأرض خطى من ساروا عليها جيلًا بعد جيل، من غير أن يتخيّلوا يومًا أن يُطالَب المكان بإثبات وجوده. هناك، عند انكسار الموج على الساحل، وُلدت الطنطورة فلسطينية، وعاشت فلسطينية، وستبقى كذلك ما بقيت الذاكرة حيّة.
في خاتمة الكتاب، أشار المؤلف إلى أن الطنطورة تتبدّى في صفحاته نصًا يجمع بين التوثيق الدقيق والسردية الحيّة، بقلب نابض وعقل يعيد بناء الذاكرة والهوية، ويكشف زيف الرواية الصهيونية، ولا سيما فيما يتعلق بالمجازر والشهداء.
وبين أن الكتاب ينطلق بلغة ذات تصوّر جمالي، تفصح عن حياة العائلات وطبيعة العلاقات بين أفرادها. وقد مرّ العمل بتحولات عديدة على مستوى الفكرة والأسلوب، ليغدو أكثر تعبيرًا عن القضية التي يتناولها.
وهكذا، جاءت صفحات الكتاب رحلةً تعيد إلى القارئ صدى الماضي بوصفه مفتاحًا لفهم الحاضر، من خلال تتبّع المنعطفات التاريخية لقرية الطنطورة في سجلاتها القديمة، واستكشاف مسالكها البحرية والتجارية، واستحضار شخصياتها، ومتابعة أحداثها الكبرى والصغرى، من العصور الكنعانية إلى مراحل الغزو، ومن تجارة القوافل إلى حركة الموانئ.
وخلص المؤلف، إلى أن الطنطورة ليست مجرد مكان، بل مرآة للروح تختزن الفرح والخوف والحنين والغموض، وتعاقب الفصول وفواصل الزمن. وهي، لمن أحبوها وعرفوها، بيتٌ منشود، ولمن سمعوا بها ولم يروها، فردوس مفقود.