عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    22-Jan-2026

لقد حان الوقت للتحدث عن القتل في غزة

 الغد

هآرتس
بقلم: اوري بار - يوسف
 
 
 
في المقال الذي نشره في هذا الأسبوع يغيل ليفي ("هآرتس"، 18/1)، أشار إلى القضية الأكثر إيلاما في حرب 7 تشرين الأول (أكتوبر)، وهي خطاب الانتقام كدافع لإلحاق الأذى بالأبرياء في غزة. وتطرق ليفي إلى مقاتلي سلاح البر وعرض دافعين في هذا الخطاب: الأول هو الأهمية الدينية للتيار الحريدي، والثاني هو الحق في التفاخر باستخدام القوة الزائدة على يد من يسميهم "مقاتلو الياقات الزرقاء".
 
 
في الواقع كانت هناك فئة ثالثة، كبيرة ومهمة، انخرطت بقدر غير مسبوق من العنف في تاريخ حروب إسرائيل، وكانت مسؤولة عن الجزء الأكبر من الإصابات في صفوف المدنيين أثناء الحرب. هؤلاء هم أبناء وبنات وحدات النخبة، لا سيما وحدة الاستخبارات ووحدة العمليات وطواقم الطائرات. ما يزال من السابق لأوانه تحديد إذا كانوا تأثروا من خطاب الانتقام وكيف، لكن من الواضح أن هذه الفئة أظهرت مستوى مرتفعا من التوافق خلال فترة الحرب، وهو الأمر غير المسبوق في تاريخ الجيش الإسرائيلي، وبالتأكيد في سلاح الجو.
من أجل وضع الأمور في نصابها، هاكم أحداثا مهمة من الماضي:
في 9 تشرين الأول (أكتوبر) 1973، في أحد أصعب أيام الحرب، قرر وزير الدفاع في حينه موشيه ديان ورئيس الأركان في حينه دافيد اليعيزر استثمار معظم الموارد لحسم الحرب في هضبة الجولان، وكان العامل الحاسم في هذا القرار هو قصف أهداف عسكرية رئيسية في دمشق. ولكن رئيسة الوزراء في حينه غولدا مئير التي خشيت من إلحاق الأذى بالمدنيين، وافقت على ذلك بعد ضغوط كبيرة، وعندما عرفت عن وجود إصابات في أوساط المدنيين استخدمت الفيتو ضد أي هجمات مشابهة في المستقبل.
في حرب لبنان الأولى، ظهرت مخاوف أحداث في اليوم نفسه بشأن إصابة مدنيين ودمار لا حاجة إليه أثناء غارات لسلاح الجو. هذا الأمر كانت له تداعيات كبيرة على رغبة طواقم الطائرات في مواصلة مهاجمة أهداف مشابهة. وعندما عرف قائد سلاح الجو دافيد عبري عن ذلك، أصدر أمرا يقضي بأنه في أي موقف تخشى فيه طواقم الطائرات وقوع خسائر فادحة في صفوف المدنيين، فإنه يجب عليهم الاتصال به مباشرة، وهو الذي سيتخذ القرار وليس هي.
لم تكن الحال هكذا في هذه الحرب. فحتى الآن قتل أكثر من 70 ألف شخص في غزة وأصيب حوالي 170 ألف شخص، معظمهم من المدنيين وبسبب القصف الجوي.
لقد كشفت التحقيقات التي أجريت في الأشهر الأولى للحرب أن عملية اتخاذ القرار بشأن الهجوم كانت تعتمد على أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تحدد الأشخاص كهدف للتصفية، والمنشآت كهدف للإصابة وكفرصة لاستهدافها. وكان ضباط الاستخبارات يعطون الموافقة النهائية على تجريم الهدف. ولكن من الواضح أن هذه العملية كانت شبه آلية، وفي العادة تمنح في غضون ثوان، وحتى عندما لم يكن هناك، بحسب البيانات الصادرة عن الأنظمة، أي يقين حول التشخيص الصحيح للأهداف، وحتى عندما وصل عدد الضحايا الأبرياء (الضرر الجانبي) 10 أو 15 شخصا وأحيانا 100 شخص.
يصعب تحديد عدد العسكريين المشاركين في هذه العملية، بدءا ببناء وتشغيل المنظومات التي تسجل البيانات وتحدد الأهداف ومرورا بمن يوافقون على الهجوم وانتهاء بمن يطلقون النار. ولكن حتى التقديرات المتحفظة تشير إلى مئات الأشخاص الذين تسببوا بشكل ما بإلحاق الضرر بعشرات آلاف الأبرياء وتسببوا في تدمير مدني غير مسبوق.
هنا يطرح السؤال الذي لن تحاول أي لجنة تحقيق، رسمية أو غيرها، الإجابة عنه، وهو كيف يعقل أنه حتى ضمن هذه المجموعة الكبيرة، التي تربى أبناؤها وبناتها على الأغلب في عائلات ميسورة وتلقوا تعليما ليبراليا علمانيا، لم ينهض أي أحد حسب معرفتنا ورفض الامتثال للأمر. لا يمكن الادعاء بأنهم لم يكونوا يعرفون عن الأمر. ومع أن وسائل الإعلام الإسرائيلية فرضت رقابة طوعية بدرجة كبيرة على المأساة المستمرة، إلا أنه يمكن لأي شخص مشاهدة القنوات الأجنبية ومعرفة ما يحدث في غزة. في حالات نادرة، مثل حالة محمد أبو القمصان، الذي خرج من أجل استصدار شهادة ميلاد التوأمين اللذين أنجبتهما زوجته قبل أربعة ايام، فوجد عند عودته أن الثلاثة قتلوا في غارة جوية، حتى أن موقع "واي نت" الإخباري نشر النبأ.
قد تتعدد تفسيرات الطاعة الجماعية. فمذبحة 7 تشرين الأول (اكتوبر) وخطاب الانتقام في أعقابها يعدان نقطة انطلاق جيدة. ولكن بالنظر إلى خلفية المجموعة التي شغلت هذا النظام، فإن هذه غير كافية. بعض هذه التفسيرات بيئية، مثل غياب التواصل المباشر مع هدف الهجوم وتوزيع المسؤولية بين عناصر كثيرة، الأمر الذي يضعف الشعور بالمسؤولية الشخصية والميل إلى الاعتماد على التكنولوجيا كحل للمعضلة الأخلاقية والمصطلحات المهنية التي تخمد المشاعر الفطرية. وتتعلق تفسيرات أخرى بنظام التعليم الذي لا يعلم الناس طرح الأسئلة الصعبة، والاحتلال المستمر الذي يطمس هوية الفلسطينيين كبشر، والطريقة التي تناولت فيها وسائل الإعلام الحرب. يضاف إلى ذلك بعض عناصر الثقافة العالمية بشكل عام، والثقافة الإسرائيلية بشكل خاص، التي تعزز نزعة التوافق والطاعة.
لكن كل ذلك غير كاف. فبعد حرب الأيام الستة التي كانت مبررة من كل الجهات والتي حافظ فيها الجيش الإسرائيلي بدرجة كبيرة على الأخلاق القتالية، نشأ خطاب "المحاربين"، أما الآن فإن الواقع مختلف. الفراغ الأخلاقي الذي خلفته هذه الحرب الفظيعة يحتاج إلى إجابة. لقد حان الوقت للتحدث عن ذلك.