ماكرون.. الغائب عن مشهد الاحتجاجات في فرنسا
الغد
إيما-كيت سيمونز* - (الإندبندنت) 2026/10/12
فيما تتسع احتجاجات الطلاب وأعمال الشغب في فرنسا، يتصاعد غضب "جيل ماكرون" تجاه الرئيس الذي حكم معظم سنوات وعيهم السياسي، وسط انتقادات لغيابه وصمته حيال أزمة تمسّ جيلًا لم يعرف رئيسًا سواه. وترى الكاتبة أنّ ماكرون لا يزال قادرًا على استعادة زمام المبادرة والخروج منتصرًا من هذه المواجهة، إذا أحسن استثمار نقاط قوته ونزل إلى الشارع لمحاورة المحتجين مباشرةً.
كان إيمانويل ماكرون "الغائب الأكبر" عن موجة احتجاجات طلاب المدارس الثانوية في فرنسا.
وعلى الرغم من أنه يعد الخصم الأول للمتظاهرين الذين يبدون كأنهم يكنون له كراهية عميقة وغريزية، مرددين هتافات من قبيل "ماكرون استقل"، فإن صمت الرئيس وقلة ظهوره العلني أصبحا يثيران الاستغراب والقلق على نحو متزايد.
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات في مختلف أنحاء البلاد، واستمرار تعطل العملية التعليمية جزئياً، بما في ذلك في بعض الجامعات، لم يدلِ ماكرون إلا بعدد محدود من التصريحات. وقد شاهد العالم بأسره صوراً صادمة لمدارس أُغلقت مداخلها بالحواجز، وأخرى تعرضت للحرق، وعشرات المراهقين الذين أصيبوا بجروح خطرة خلال أعمال الشغب، بينهم شاب بُترت يده إثر انفجار قنبلة صوتية صاعقة ألقتها الشرطة -وهي قنابل تقرر حظر استخدامها لاحقاً. كما أصيب مئات عناصر الشرطة، وتعرض 88 من المعلمين والعاملين في المدارس، بينهم مديرون، لاعتداءات.
ومع ذلك، ترك ماكرون رئيس وزرائه سيباستيان لوكورنو يواجه وحده تداعيات الأزمة، ويتحمل معظم الضغوط السياسية والإعلامية.
في ذروة التعبئة الشعبية، كان الرئيس خارج البلاد في زيارة دولة إلى إسبانيا برفقة الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا. ومن مدريد أدلى أخيراً بتصريح قال فيه: "أسمع وأتفهم مشاعر القلق، وأحياناً الغضب، التي قد يشعر بها شبابنا"، مؤكداً في الوقت نفسه، وبحق، أن أياً من ذلك لا يبرر اللجوء إلى العنف.
لكن حساباته على منصات التواصل الاجتماعي، المعروفة عادة بنشاطها المكثف، بدت على نحو لافت شبه صامتة. ومنذ ذلك الحين، لم يصدر عن الرئيس الفرنسي المعروف بكثرة تصريحاته أي موقف جديد. لكن تقارير إعلامية نُشرت صباح الأربعاء السابق لكتابة هذه السطور نقلت عن شخصيات على خلاف مع لوكورنو أن ماكرون كان غاضباً بشدة خلف الأبواب المغلقة. وذكرت صحيفة "لو باريزيان" أنه كان "يرفع صوته كثيراً"، معتبراً أن تعامل الشرطة مع المحتجين كان "قاسياً أكثر من اللازم ويفتقر إلى التعاطف".
وطالب الرئيس لاحقاً أجهزة الأمن بإظهار قدر أكبر من "التعاطف" واعتماد نهج أكثر توضيحاً وتواصلاً مع الطلاب. وبعد سلسلة من الإصابات الخطرة، أعلن وزير الداخلية لوران نونيز تعليق استخدام القنابل الصاعقة خلال الاحتجاجات التي تشهدها المدارس الثانوية.
يكاد يخيم على فرنسا شعور بأن البلاد تعيش "نهاية عهد". وما يزال ماكرون الذي تنتهي ولايته الثانية في الربيع المقبل قادراً على الظهور كلاعب فاعل على الساحة الدولية عبر القمم والزيارات الرسمية، لكن شعوراً متنامياً بالتخلي يسود في الداخل.
لا شك في أن أي تدخل مباشر من جانبه سيكون بالغ الحساسية، خصوصاً أن كثيراً من المحتجين يتعمدون تصويره بصورة شيطانية. إلا أن ذلك لا يشكل مبرراً كافياً لعدم مخاطبتهم أو التحاور معهم.
ففي نهاية المطاف، هؤلاء هم أبناء "جيل ماكرون" -بحسب توصيف سواز كيمينيه في صحيفة "لا تريبون ديمانش". فالمراهق الفرنسي الذي يشارك اليوم في التظاهرات كان يبلغ نحو ثماني سنوات فقط عندما وصل ماكرون إلى قصر الإليزيه في العام 2017، ما يعني أنه لم يعرف عملياً رئيساً آخر للجمهورية.
كما أن هؤلاء الشباب عانوا اضطرابات كبيرة في مسيرتهم التعليمية خلال جائحة "كوفيد-19"، وهم يحتجون اليوم على واقع يتمثل في الفصول الدراسية المكتظة، والنقص المزمن في المعلمين، وتهالك البنية التحتية المدرسية، فضلاً عن المنصة الإلكترونية المعقدة الخاصة بالقبول الجامعي، والتي يصفها كثيرون بأنها "كافكاوية" الطابع.
بل إن الجدل امتد إلى مسألة أجهزة التكييف، ولا سيما بعد موجة الحر الأخيرة التي أجبرت بعض الطلاب على تقديم امتحانات البكالوريا في درجات حرارة بلغت 38 درجة مئوية. وباختصار، كما يردد بعضهم: ماكرون يجلس في أماكن مكيفة، أما الطلاب فلا.
وفي مقالة نشرت في مجلة "لو غران كونتينان"، تساءل معلم فضل عدم الكشف عن هويته عما إذا كان الحظر الأخير للهواتف المحمولة في المدارس قد أسهم في إشعال شرارة الاحتجاجات. وكتب قائلاً إن طلابه عندما رفعوا أنظارهم عن شاشات هواتفهم "اكتشفوا العالم الذي لا يطاق المُعدّ لهم".
وبحسب وزارة الداخلية، شارك 266 ألف شخص في تظاهرات شهدتها مختلف أنحاء فرنسا يوم الثلاثاء الماضي، فيما قدر المنظمون العدد بنحو 450 ألفاً.
وبدأت الحكومة أخيراً بالتحرك، وطُلب من المدارس الثانوية فتح المجال أمام النقاش والحوار مع الطلاب. كما تعهد وزير التعليم، إدوار جيفراي، باتخاذ إجراءات لمعالجة مشكلة غياب المعلمين الذين لا يجري تعويضهم، فيما توجه لوكورنو بكلمة إلى الأمة الأربعاء الماضي.
وفي الوقت الذي كان فيه ماكرون يشرف على تجربة إطلاق صاروخ باليستي من غواصة تعمل بالطاقة النووية -وهي مهمة تدخل أيضاً ضمن صلاحياته الرئاسية- سارع آخرون إلى ملء الفراغ السياسي الذي خلفته الأزمة الطلابية.
ثمة زعيم اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون الذي يواصل تأجيج المواجهة مع الشرطة -بل إنه تعهد، على طريقة دونالد ترامب- بملاحقة محافظ بنك فرنسا قضائياً بتهمة "الخيانة". أما "جريمته" المزعومة فهي الإقرار بأن فرنسا تواجه تكاليف اقتراض مرتفعة وأخطاراً متزايدة مرتبطة بديونها العامة، وأنها تحتاج إلى موازنة تخفض الإنفاق الحكومي.
في المقابل، تعرضت مقترحات مارين لوبان الاقتصادية لسيل من الانتقادات، حتى من صحيفة "لو فيغارو" اليمينية التي اعتبرت أن حساباتها بشأن حجم الوفر المتوقع مبالغ فيها وتستند إلى افتراضات غير واقعية.
كان ماكرون قد اعتبر في العام 2023 أن ملف التعليم يندرج ضمن "الشؤون الموكلة" لرئيس الجمهورية، استناداً إلى التقليد الديغولي الذي يمنح الرئاسة دوراً مركزياً في القضايا الكبرى.
وتكمن المفارقة هنا في أن سلطة شارل ديغول نفسه اهتزت بشدة أمام انتفاضة الطلاب في أيار (مايو) 1968، حتى أنه اختفى لفترة وجيزة متوجهاً إلى مدينة بادن - بادن الألمانية، قبل أن يستعيد زمام المبادرة ويفوز لاحقاً بانتخابات كاسحة، ثم يستقيل بعد خسارته استفتاء شعبياً في العام التالي.
ربما يجدر بماكرون أن يستعيد درساً من تجربته الشخصية. فقد تأخر كثيراً في التفاعل مع احتجاجات "السترات الصفراء" التي استمرت حتى العام 2020، لكنه تمكن في نهاية المطاف من احتواء جزء من الغضب عبر مبادرة "النقاش الكبير"، التي استثمرت إحدى أبرز نقاط قوته: النزول إلى الميدان، ومواجهة المواطنين الغاضبين، والاستماع إليهم، ثم مجادلتهم والدفاع عن سياساته.
واليوم، يواجه ما يشبه "السترات الشابة"، وفق التوصيف الذي أوردته مجلة "فرانك تيرور". فلماذا لا يعيد الكرة؟ في نهاية المطاف، هذا جزء من مسؤوليته.
صحيح أن بين المحتجين مخربين يمارسون الحرق والتكسير، كما أن جماعات سياسية متطرفة تحاول استثمار هذه الانتفاضة، لكن هناك أيضاً عشرات الآلاف من المراهقين العاديين الذين يعبرون عن شعور متزايد بأن ثمة خللاً عميقاً في أوضاع البلاد.
وحتى دونالد ترامب دخل على خط الأزمة، ناشراً تعليقات حول الاحتجاجات الفرنسية حمل فيها الإسلام والهجرة مسؤولية ما يجري.
ولذلك، يحتاج ماكرون إلى مغادرة برجه العاجي والتوجه إلى الطلاب لمحاورتهم ودحض الخطابات الشعبوية التي تتغذى على الأزمة، وربما يكون ذلك كفيلاً بإنقاذ الأشهر الأخيرة من رئاسته.
*إيما-كيت سيمون Emma-Kate Symons: صحفية وكاتبة أسترالية، عملت مراسلةً ومحللةً للشؤون السياسية الفرنسية من باريس، وكتبت لصحف ومجلات دولية بارزة. وتتناول كتاباتها السياسة الأوروبية، وصعود اليمين القومي، وقضايا الإسلام والاندماج والهجرة، كما ظهرت معلّقةً على الشؤون الفرنسية في وسائل إعلام دولية.