عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Oct-2026

الأردن بعقلية حرب: ماذا بعد الخطاب؟*سائد كراجة

 الغد

في نيويورك، وضع خطاب جلالة الملك مرآة الواقع أمام العالم، وأمام إسرائيل، وأمام مؤسسات القانون الدولي. ولم يكتفِ بتوصيف ما يجري في غزة والضفة والمنطقة، بل وضع المشروع الإسرائيلي التوسعي في مكانه الحقيقي: تهديدًا يمس أمن الأردن ووجوده. قال الملك إن تقاعس العالم ليس قلة حيلة، بل هو خيار، ووصف ضفة تُضم فعليًا، ثم قال: «أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي.»
 
 
محليًا، الخطاب دعوة إلى مراجعة طريقة تفكيرنا في أمن الأردن، لا إلى تعديل موقف عابر. طول الحدود لم يعد ضمانة، والسلام وحده لم يعد رادعًا، ولا العلاقة مع واشنطن مظلة تكفي إذا تغيرت موازين المنطقة. وهذه مهمة الدولة والأحزاب والتيارات والمثقفين: إعادة تأطير الخطر فكريًا وسياسيًا قبل أن يفرض علينا منطقه وخياراته.
ومن هنا تبدأ المراجعة. نتنياهو هو الواقع، وعهده دفع العلاقة مع الأردن إلى توتر حاد. أما البدائل فلا تعيد المعادلة القديمة: آيزنكوت يرفض حل الدولتين، وبينيت يريد المنطقة (C) لإسرائيل وحكمًا ذاتيًا للفلسطينيين في (A) و(B)، ولابيد يقول إن حل الدولتين ليس في الأفق القريب. تختلف الوجوه والسرعة، لكن الاتجاه واحد بما يكفي كي لا يراهن الأردن على الانتخابات، بل على استمرار تراجع فرص الدولة الفلسطينية.
لهذا أقول إن الأردن أمام معركة وجود، لا بمعنى عمليات عسكرية بعد، بل لأن الخطر يقترب من الأرض والماء، أي من أصل بقاء الدولة. والحائط الذي بدأ بناؤه في الشمال على حدودنا ليس جدارًا فقط؛ هو إشارة إلى أن حدودًا اعتبرناها مستقرة تحت مظلة السلام، تعيد إسرائيل اليوم تحصينها ضمن تصور أوسع لحدودها الشرقية. ومع الضم في الضفة والتمدد في جنوب سورية، تسقط فرضية أن طول الحدود يكفي لحماية الأردن.
وعقلية الحرب تعني أن تتصرف الدولة وهي تعرف أن الوقت والموارد والقرار عناصر قوة: تحدد الخطر، ترتب الأولويات على أساسه، وتستبق ما قد يأتي. ماذا نحتاج إذا ساءت الظروف، وما الذي يجب بناؤه الآن قبل أن يصبح الغد متأخرًا؟
سنغافورة أقامت «الدفاع الشامل» وهي تعلم أن أمن الدولة لا تحميه المؤسسة العسكرية وحدها، بل الاقتصاد والمجتمع والخدمات والقدرة النفسية والرقمية. وفنلندا عاملت الغذاء والطاقة والاتصالات وصمود المجتمع بوصفها أجزاء من الأمن القومي. نحن لم نعد في زمن البناء الهادئ، لكن ما بقي من الوقت يجب أن يُستخدم بجدية.
وعقلية الحرب تبدأ من أعلى الدولة. الحكومة الحالية تستشعر حجم الأزمة وتعمل تحت ضغطها، لكن المطلوب أن يتحول هذا الشعور إلى قرارات وسلوك على الأرض: سرعة أكبر، أولويات أشد وضوحًا، واستعداد يسبق الخطر بدل أن يلاحقه.
وسياسيًا، المطلوب ليس اختراعًا من الصفر. كثير مما نحتاجه موجود في الأوراق النقاشية للملك: دولة القانون، المواطنة، الإدارة والإصلاح السياسي. ما كان يؤجل في زمن الاستقرار صار اليوم جزءًا من الأمن الوطني. الأزمة غيّرت كلفة الانتظار.
وفي الداخل، يبدأ الصمود بالثقة: خدمة لا تحتاج واسطة، رقمنة تقلل الفساد اليومي، إنفاق عام منضبط، إدارة أقل تعقيدًا، وقطاع خاص مُمكَّن من الاستثمار والتوظيف، وتعليم مرتبط بحاجات السوق، ومخزون آمن من الماء والغذاء والطاقة. هذه ليست ملفات متفرقة؛ إنها أدوات صمود.
وما يجمع الأردنيين في هذه المرحلة هو الوطن والدستور. فالمساواة في الحقوق والواجبات جزء من مناعة الدولة، ولا يبقى ولا يقبل معها حديث التشتت والتشظي.
وفي الخارج، تبدأ قوة الأردن من الداخل. السعودية ومصر لهما مصالحهما وحساباتهما، ولن تتحركا وفق حاجتنا وحدها. كلما كان الأردن أصلب اقتصادًا ومجتمعًا ومؤسسات، زادت قيمته في أي اصطفاف عربي. ومن هذا الموقع تستعيد مبادرة السلام العربية معناها: التطبيع مقابل السلام والدولة الفلسطينية، لا التطبيع بالتوازي مع الضم. الدبلوماسية تبقى الأداة الأولى، لكنها تكون أقوى حين تستند إلى أوراق حقيقية.
كان غرامشي يسميها «تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة». والخطاب حمل الشق الأول بوضوح: قراءة قاسية لما يجري حولنا. أما الشق الثاني فمهمتنا نحن؛ أن نحول الخطر إلى قرار، والقرار إلى عمل، قبل أن تضيق الخيارات أكثر. جنابك.