عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-May-2026

ثلاثة سيناريوهات لعالم ما بعد ترامب (2/1)

 الغد

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ما الذي ينتظرنا
يقدّم المقال التالي قراءة متشائمة -ومتماسكة إلى حد كبير- للتحولات الجارية الآن في النظام الدولي. وتنطلق أطروحته من فرضية أساسية هي أنّ ما يُعرف بـ"السلام الأميركي" Pax Americana الذي حكم العالم منذ الحرب العالمية الثانية أصبح يقترب من نهايته التاريخية. ويرى الكاتب أن صعود دونالد ترامب لم يكن انحرافًا في مسار السياسة الأميركية، وإنما كان تعبيراً عن أزمة أعمق تضرب الأسس التي قام عليها النظام الليبرالي الدولي نفسه.
ويذهب المقال أبعد من وصف تراجع الهيمنة الأميركية إلى محاولة رسم خرائط محتملة لما بعد هذا التراجع. ويتصور ثلاثة سيناريوهات كاحتمالات مستقبلية تعكس الاتجاهات الراهنة في السياسة الأميركية والعلاقات الدولية. وأول هذه السيناريوهات هو عالَم من كتلتين، يشكل بطريقة ما عودة إلى حرب باردة جديدة بين معسكر تقوده الولايات المتحدة وآخر تقوده الصين. وثمة مفارقة في هذا السيناريو، كما يشير براندز: إن وضعا كان يبدو قبل سنوات كابوسياً أصبح اليوم أقل السيناريوهات المستقبلية سوءاً باعتبار أنه يحتفظ بحد أدنى من التوازن الدولي ومن التضامن الديمقراطي القادر على كبح ما يسميه التوسع الصيني والروسي.
لكن براندز يشير أيضًا إلى تناقض أساسي في الترامبية نفسها. بينما يدفع ترامب حلفاء واشنطن إلى زيادة الإنفاق العسكري ومواجهة الصين، في ما قد يعزز تماسك الكتلة الغربية، تهدد نزعاته القومية والابتزازية وعداؤه للتحالفات التقليدية بتفكيك هذا المعسكر من الداخل. ويشير الكاتب إلى معضلة مركزية في هذا النهج، تتعلق بما إذا كان بوسع الولايات المتحدة قيادة "العالم الحر" بينما تتصرف في الوقت نفسه كقوة تسعى إلى إخضاع وابتزاز حلفائها أنفسهم.
يتصور السيناريو الثاني عالمًا من "مناطق النفوذ"، يُستبدل فيه نظام القطبين بعالم مقسم بين إمبراطوريات إقليمية متعددة: أميركا في نصف الكرة الغربي؛ والصين في شرق آسيا؛ وروسيا في فضائها السوفياتي السابق، وتركيا والهند والسعودية وإسرائيل في أقاليم أخرى. ويعكس هذا السيناريو في جوهره عودة منطق القرن التاسع عشر القائم على تقاسُم العالم بين القوى الكبرى. لكنّ الكاتب يلفت إلى أنّ هذا النموذج لا يعني الاستقرار بالضرورة، وربما يفتح الباب أمام حروب دموية وصراعات مستمرة، حيث مناطق النفوذ لا تبنى سلمياً وإنما تتأسس على الإكراه والعنف.
يتصور السيناريو الثالث مشهدًا هو الأكثر سوداوية على الإطلاق: عالمًا من الفوضوية الشاملة، تتحول فيه الولايات المتحدة نفسها إلى قوة "مارقة" تستخدم نفوذها العالمي بطريقة افتراسية، بالتوازي مع صعود قوى تعديلية أخرى مثل الصين وروسيا. وفي هذا العالم، ينهار القانون الدولي، وتعود سباقات التسلح، وتتآكل سيادة الدول الصغيرة، ويصبح "الاعتماد على الذات" هو القاعدة الوحيدة. ويذكر هذا السيناريو بأن النظام الدولي الحالي، على الرغم مما يخالطه من نفاق وتناقضات، كان يفرض قدرا من الضبط على الفوضى العالمية. ويحاجج الكاتب بأنّ كثيراً من الناس ينسون مدى دموية العالم قبل الهيمنة الأميركية.
على الرغم من براعته التحليلية، تنطلق مقولات المقال من رؤية أيديولوجية أميركية محافظة ترى أنّ استمرار القيادة الأميركية -ولو بصورة معدّلة- يظل أقل خطراً من انهيارها الكامل. وكما هو واضح، لا يستنطق المقال ما إذا كان النظام الأميركي عادلا أم عدوانيًا، ويركز فقط على ما إذا غيابه سيقود إلى ما هو أسوأ. ولذلك يتعمد الكاتب عرض الصين وروسيا باعتبارهما تهديداً وجودياً، بينما يُقدَّم ما يسمه "العالم الحر" على أنه آخر حاجز يقف أمام الانحدار إلى الفوضى أو الإمبراطوريات المتصارعة.
ربما يمكن اعتبار هذا المقال تحذيرًا أكثر من كونه نبوءة. لا شك في أن العالم يختبر اليوم مرحلة انتقالية مزدحمة بالمخاطر. ولا تعرف الولايات المتحدة نفسها التي بنت النظام ما إذا كانت تريد إصلاحه أم تقويضه وهدمه. وبين هذين الخيارين، ربما يتحدد شكل القرن الحادي والعشرين بأكمله.
 
 
 
-علاء الدين أبو زينة
 
----------------------------------------------------
 
 
 
هال براندز - (فورين بوليسي) عدد ربيع 2026
في العام 1930، كتب الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي: "العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد يكافح كي يولد". وبصرف النظر عن قناعاته الماركسية، كان غرامشي سيجد سيشعر وكأنه في البيت في أجواء الحقبة الترامبية. العالم القديم المقصود، في هذه الحالة، هو النظام الدولي الذي أنشأته الولايات المتحدة في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية، ثم سعت بعد ذلك إلى عولمته بعد انتصارها في الحرب الباردة. وقد أطلق ذلك المشروع حقبة من السلام والازدهار والحرية التي غيرت العالم. لكنّ ذلك النظام القديم يبدو اليوم وكأنه استنفد مساره.
على مدى سنوات، عملت دول ساعية إلى تغيير النظام القائم، وخاصة الصين وروسيا، على تقويض هذا النظام تدريجيًا. وتبدو الولايات المتحدة أحيانًا وكأنها في حالة حرب معه أيضًا. وبعد عشر سنوات من الآن، سيكون العالم مختلفًا جذريًا. لكنّ ما لا نعرفه بعد هو ما الذي ينتظرنا في الجانب الآخر البعيد من هذه المرحلة الانتقالية –ما الشكل الذي سيبدو عليه ذلك العالم الجديد.
أحد الاحتمالات هو سيناريو "عالمَين" يذكر بحقبة الحرب الباردة، والذي ينقسم فيه العالم إلى قُطبين متنافسين تقودهما واشنطن وبكين. والاحتمال الثاني هو عصر لا يقوم على كتلتين، وإنما على عدة إمبراطوريات، ويستولي فيه حكام أقوياء على مناطق نفوذ إقليمية. وثمة احتمال ثالث هو نجوم عالم قائم على مبدأ الاعتماد على الذات، تصبح فيه سلوكيات الولايات المتحدة ذات طابع افتراسي، ويُغرق النظام الدولي في فوضى عميقة.
                                          *   *   *
تبدو اللحظة الراهنة شديدة الهشاشة لأن كل واحد من هذه السيناريوهات الثلاثة معقول وممكن –ويجد كل واحد منها ما يدعمه في السياسة الخارجية لقوة عظمى تعيش حالة من التناقض الداخلي. ويظل الكثير رهين الظروف، كما تعتمد النتائج إلى حد كبير على قرارات الولايات المتحدة ودوراتها الانتخابية المقبلة. لكنّ استكشاف ما ينتظرنا في الأمام في هذه المرحلة الانتقالية هو الخطوة الأولى للاستعداد لعالم سيكون -حتى في سيناريو أفضل الحالات- أكثر تفتتا وشراسة من العالم الذي نكون قد تركناه خلفنا.
يتميز العالم المعاصر بأنه صناعة أميركية إلى حد كبير. بعد الحرب العالمية الثانية، أنشأت الولايات المتحدة تحالفات ممتدة حول أطراف أوراسيا. ورممت دولًا مدمرة، وأعادت بناء التجارة العالمية. كما دافعت عن حرية الملاحة في البحار البعيدة، ووفرت خدمات عامة دولية أساسية. وكانت الولايات المتحدة، وليس الأمم المتحدة، أقرب ما يكون إلى حكومة عالمية. وقد شكّلت هذه السياسات الأساس لنظام غربي مزدهر، تحول لاحقًا بعد نهاية الحرب الباردة إلى نظام ليبرالي متوسع.
مثل كل الإنجازات البطولية، لهذا الإنجاز أساطيره، وإغفالاته ومبالغاته. في بعض الأحيان، أمّنت واشنطن نظامًا ليبراليًا بوسائل غير ليبرالية، مثل التدخلات العسكرية الوحشية والمؤامرات السرية. كما أن الخطابات التي تمجّد التضامن بين الحلفاء تتجاهل النزاعات الحادة التي هزّت العالم الديمقراطي، من أزمة السويس في العام 1956 إلى غزو العراق الذي قادته الولايات المتحدة في العام 2003. كما لم تتردد الولايات المتحدة في خرق أو تغيير قواعدها الخاصة عندما تصبح غير ملائمة، كما حدث حين تخلّت عن نظام "بريتون وودز" المالي الدولي في العام 1971. في النهاية، ليس ثمة نظام عالمي من دون نفاق وإكراه.
لكنّ ما يُعرف بـ"السلام الأميركي" Pax Americana استخدم في الجزء الأكبر قوةً هائلة لدعم فهم واسع بشكل لا يُصدق للمصلحة الذاتية، يقوم على فكرة أنه حتى قوةً عملاقة معزولة جغرافيًا لا يمكن أن تزدهر إلا من خلال المساهمة في جعل الدول الأضعف أكثر ازدهارًا وأمنًا. وقد أنتج هذا المزيج مكاسب تاريخية غيّرت مجرى العالم. وبعد حربين عالميتين خلال جيل واحد، أسفر النظام الذي بنته الولايات المتحدة عن عقود من السلام بين القوى الكبرى. وأنتج الاقتصاد الذي قادته الولايات المتحدة مستويات معيشة متصاعدة بشكل كبير. وأسهم النفوذ الأميركي في جعل الديمقراطية الشكل السياسي المهيمن، وفي جعل "موت الدول" -أي الإزالة العنيفة للدول المستقلة- أمرًا نادرًا ومروّعًا. كما استفادت واشنطن نفسها بشكل هائل-ليس من العيش في حقبة مستقرة ومزدهرة نسبيًا فحسب، وإنما لأن التحالفات وشبكات التعاون أيضًا ضاعفت قوتها التي لا تُضاهى وعزّزت وصولها العالمي.
لكنّ شيئًا لا يدوم. والنظام الأميركي -وخاصة نسخته ذات التوجه الأكثر عولمة التي نشأت بعد الحرب الباردة- يقترب من نهايته. والآن، يتعرض هذا النظام للحصار والهجوم من الخارج؛ حيث ترى فيه بكين وموسكو وشركاؤهما عائقًا أمام طموحاتهم وتهديدًا لأنظمتهم الأوتقراطية. وهم يعملون على تقويض ميزان القوى ومجموعة من القواعد الأساسية، مثل حرية البحار وحظر الغزو العنيف عبر الأوراسي الشاسع. كما أن هذه الدول، وخاصة الصين، ساهمت في تدمير النظام من الداخل: استخدمت بكين اندماجها في الاقتصاد العالمي لبناء ثقلها الصناعي والعسكري الذي توظفه اليوم في تحدي الولايات المتحدة. وفي المقابل، أصبحت واشنطن نفسها مرهقة -وربما محبطة وفاقدة للأوهام إلى حد خطير- من مشروعها الذي صنعته هي نفسها.
ينبع هذا التناقض من مشكلات حقيقية: الاختلالات المقيمة في الموازين والركوب المجاني في التحالفات الأميركية، وانعدام الأمن الاقتصادي والجسدي الذي رافق العولمة، والارتدادات التي نتجت عن الحروب الأميركية في الشرق الأوسط الكبير، والطريقة التي ساهم بها النظام الليبرالي في صعود الصين. ويتجلى كل ذلك اليوم في إدارة تسعى، في الحد الأدنى، إلى إعادة التفاوض بحدة على شروط الانخراط الأميركي، والتي غالبًا ما تجادل بأن استعادة القوة الأميركية تتطلب تفكيك النظام نفسه.
من هنا ينجم شعور القلق الذي يميز لحظتنا الراهنة. ما تزال قوة واشنطن ليس لها نظير. وما تزال الهياكل الأساسية للنظام القائم، مثل التحالفات الأميركية ومجموعة السبع، قائمة كما هي. لكن آفاق هذا النظام تبدو قاتمة، وربما وصل إلى خواتيمه. فما الذي يحدث عندما تنتهي سكرات الاحتضار هذه؟
***
للجزء الأكبر من العقد الماضي، بدا أن العالم الذي تقوده الولايات المتحدة سوف يعقبُه عالمان -أن الحلم بنظام عالمي متكامل سوف يخلي مكانه لصراع بين تكتلات متنافسة. وفي هذا السيناريو، سيضم تكتل تقوده الصين الأوتوقراطيات ذات النزعات العدوانية في أوراسيا، إلى جانب مجموعة من الدول رفيقة الدرب من كوبا إلى باكستان، وأجزاء واسعة من الجنوب العالمي. وفي المقابل، سيضم تكتل تقوده الولايات المتحدة حلفاء ديمقراطيين على أطراف أوراسيا. وسوف تنضم مجموعة من الدول المتأرجحة -من الهند إلى السعودية، ومن البرازيل إلى إندونيسيا- بطريقة انتقائية إلى هاتين الكتلتين، بينما تناور بطريقة انتهازية بينهما. وسوف تقود السياسات الدولية المستقبلية عودةً إلى ماضي الحرب الباردة.
ولن تكون هذه عودة مثالية: ستكون لدى صين متصلة عالميًا من أدوات الجذب والإكراه الاقتصادي خيارات أفضل بكثير مما امتلكه الاتحاد السوفياتي في أي وقت. ومع ذلك، سيشهد هذا السيناريو تفككًا تدريجيًا للاقتصاد الدولي، مع تسليح العقوبات وسلاسل الإمداد وتحويلها إلى أدوات للصراع. وسيصبح فصل الروابط الاقتصادية مسألة متى وليس مسألة إذا، ووفق شروط مَن. وكما في الحرب الباردة، سيطغى صراع ثنائي القطب على كل إقليم. وسوف تكون أخطر الأماكن -أوكرانيا، وتايوان، وبحر الصين الجنوبي- على طول خطوط القسمة الجيوسياسية.
سواء أعجبنا ذلك أم لا، فإنّ ثمة قوى بنيوية قوية تدفع نحو هذا المستقبل. وقد يرتفع منسوب التوترات بين الولايات المتحدة والصين أو ينخفض تبعاً لهذه القمة أو تلك الأزمة. وقد يشير الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ بإجلال وإعجاب. لكنّ الصدام الأساسي يزداد احتداماً فحسب، حيث تصطدم اندفاعة الصين نحو الهيمنة -في التقنيات الأساسية، وفي التجارة العالمية، وفي غرب المحيط الهادئ- بالقوة الأميركية وامتيازاتها. وتميل صراعات القوى الكبرى إلى استقطاب السياسة العالمية؛ ويصبح الاعتماد المتبادل مصدراً للهشاشة وسط نزاعات شرسة. ومن نواحٍ كثيرة، يبدو أن الزخم الدافع نحو هذا المستقبل يتسارع. وقد أدّت حرب روسيا في أوكرانيا إلى تسريع التوافق الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري بين الأنظمة الاستبدادية الأوراسية بشكل هائل. ويدرك شي جينبينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنّهما لن يتمكنا من الانتصار إلا بالقتال كتفاً إلى كتف في مواجهة المجتمع الديمقراطي. والسؤال الحقيقي الآن هو ما إذا كانت واشنطن ما تزال قادرة على حشد العالم الحرّ.
يُحسب لترامب أنّ إدارته تعمل على بناء مجتمع ديمقراطي مسلّح من خلال المطالبة بزيادة الإنفاق العسكري لمواجهة التهديدات المتشابكة. وقد تؤدي الاتفاقات التجارية التي تجلب استثمارات الحلفاء إلى قاعدة الابتكار الأميركية إلى تحفيز تجميع الموارد والإنتاج اللازمين لمضاهاة الحجم الاقتصادي الصيني. كما توفّر شراكات المعادن الحيوية مساراً -وإن كان طويلاً- إلى التحرر من قبضة الصين الخانقة. ولا يقل أهمية عن ذلك تسديد ترامب ضربات موجعة إلى المحور الاستبدادي من خلال سحق أعضائه الأضعف -إيران وفنزويلا. وربما تكون كوبا هي التالية. وإذا كان التاريخ يصلح دليلًا، فإنّ سعيه إلى إعادة ترسيخ الهيمنة على نصف الكرة الغربي -"مبدأ دونرو" الترامبي- يشكل شرطاً مسبقاً لممارسة القوة الأميركية في العالم الأوسع.
ربما تهيئ الجوانب الأكثر رشداً في سياسة ترامب واشنطن وحلفاءها للنجاح في حرب باردة جديدة. لكنّ الشياطين الكامنة تحكي قصة مختلفة.
لو تأملنا أخلاقيات ترامب السياسية التي ترى أنّ الدول الكبرى هي التي تملي الأوامر بينما تقبل الدول الصغيرة بنصيبها، فسنجده أقرب إلى الانسجام مع شي جينبينغ وفلاديمير بوتين منه إلى معظم حلفاء الولايات المتحدة. كما أنّ نهجه القسري وغير المتكافئ في عقد الصفقات يترك انطباعاً بأنّه أقل اهتماماً بتقوية المجتمع الديمقراطي من اهتمامه بانتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات منه. وتهدد مطالباته الخاصة بغرينلاند وكندا بجعل واشنطن أقرب إلى القوى التعديلية المتعطشة للأراضي، وبتمزيق القلب عبر- الأطلسي للعالم الحر. ويخشى الحلفاء الأوروبيون على نحو متزايد أن يجدوا أنفسهم عالقين بين ثلاث قوى جشعة: الصين؛ وروسيا؛ والولايات المتحدة. وإذا كان الأمر كذلك، فلن تكون هناك حرب باردة جديدة لأنّها لن تكون هناك كتلة ديمقراطية قادرة على الوقوف في وجه الكتلة الاستبدادية.
مع ذلك، لا ينبغي التقليل من احتمال سيناريو "العالمين". سوف تُخلِّف حقبة ترامب الدمار، لكنها ستترك أيضاً متسعًا لعمليات بناء وإعادة تشكيل. وكلما اشتدت التهديدات الاستبدادية، ازدادت الحوافز أمام أشكال التعاون البراغماتي والتبادلي بين الديمقراطيات. وإذا استطاع خلفاء ترامب صياغة سردية تقوم على الهدف المشترك وليس على الإثراء الذاتي المجرد، فقد يتمكنون من إعادة ترميم ميثاق العالم الحر بمستويات جديدة من الجهد الجماعي ومقاربات جديدة لتقاسم الأعباء. سيظل هذا المستقبل حافلاً بالأزمات والصراعات؛ ولن يكون ثمة عوز في الأخطار. لكنه سيبقى، مع ذلك، أفضل السيناريوهات بالنسبة لجميع الديمقراطيات. سوف يظل عالمان منفصلان أفضل من نظام تديره الصين -أو واحد يواصل التفتت إلى ما هو أبعد من ذلك.
*   *   *
السيناريو الثاني هو أن يتشظى العالم ما بعد الأميركي -ليس إلى كتلتين عُظميين، وإنما إلى عدة مجالات نفوذ إقليمية أصغر. وفي هذا التصور، تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق عزلتها الإستراتيجية من خلال إعادة التركيز على إمبراطورية نصف كروية تمتد من هونولولو إلى نوك، ومن القطب الشمالي إلى الأرجنتين. وبينما تودّع واشنطن أعباء ما وراء البحار، تندفع الصين إلى الهيمنة على القوس الشاسع الممتد من جنوب شرق آسيا إلى شمال شرقها. وتعمل روسيا على ترسيخ هيمنتها -ربما بوسائل دموية- على فضاء الاتحاد السوفياتي السابق وأجزاء من أوروبا الشرقية.
لكنّ هذا التقسيم القائم على مناطق النفوذ لن يكون مجرد لعبة بين القوى الكبرى. في عالم يتجه إلى التفتت، ستسعى الهند إلى الهيمنة في جنوب آسيا والمحيط الهندي. وستعمل تركيا على ترسيم مجال نفوذ ما بعد عثماني عند تقاطع أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. وسوف تتزاحم إسرائيل والسعودية وقوى أخرى طامحة على الهيمنة داخل مركّب البحر الأحمر الذي يربط الخليج العربي بالقرن الأفريقي. وهكذا، بعد "السلام الأميركي" يأتي عصر جديد من الإمبراطوريات.
ولا يشترط أن تكون تلك الإمبراطوريات مغلقة بإحكام أو قائمة على الاحتلال العسكري المباشر كما كان حال أوروبا الخاضعة للحكم النازي. إن الهيمنة يمكن أن تتخذ أشكالاً متعددة. لكن النظام العالمي، في هذا المستقبل، سيتحطم على صخور سياسات القوة.
سوف يتفكك القانون الدولي مع قيام الطغاة الإقليميين بفرض معاييرهم الخاصة للسلوك المقبول، بينما يمارسون الضغوط على التابعين المتمرّدين أو يطيحون بهم. كما يعيد السادة الإقليميون تشكيل تدفقات التجارة والاستثمار والموارد، ويفرضون في الوقت نفسه قيوداً صارمة على علاقات جيرانهم الأضعف مع القوى الأخرى. وفي عصر الإمبراطوريات الجديد، لن تكون هناك قواعد عسكرية أوروبية أو آسيوية في أميركا اللاتينية؛ كما ستكون تحالفات واشنطن الخارجية قد ماتت أو أصبحت في حالة انهيار. ويمكن النظر إلى هذا المشهد باعتباره مجموعة متعددة من "مبادئ مونرو"لمناطق مختلفة من العالم.
تاريخياً، نشأت بعض مناطق النفوذ نتيجة صفقات عقدها رجال عصابات، وكانت الحالة الكلاسيكية لذلك هي تقسيم أوروبا الشرقية بين أدولف هتلر وجوزيف ستالين. ويتخيّل بعض المحللين المعاصرين اليوم أن شي جينبينغ ودونالد ترامب وفلاديمير بوتين ربما يحيكون اتفاقهم الخاص لتقطيع العالم وتقاسمه. لكنّ ثمة مناطق النفوذ يمكن أن تنشأ أيضاً بصورة غير رسمية أو تدريجية.
وإذا قامت الولايات المتحدة بتفكيك حلف شمال الأطلسي من خلال الاستيلاء على أراض تابعة لأعضائه، فإنّ صعود مجال نفوذ أميركي في نصف الكرة الغربي قد يسهّل قيام مجال نفوذ روسي في أوروبا الشرقية. وإذا جعل التعاظم العسكري الصيني المتواصل "سلسلة الجزر الأولى" -الممتدة من اليابان إلى تايوان وصولاً إلى الفلبين- غير قابلة للدفاع عنها، فإنّ غرب المحيط الهادئ سيقع تحت ظل بكين حتى لو لم يعترف البنتاغون بذلك صراحة. وبذلك، إذا مضت واشنطن بكل ثقلها نحو الهيمنة على نصف الكرة الغربي بينما تتبنى الفكرة التي عبّر عنها ترامب نفسه، التي ترى أنّ ما يجري وراء المحيطات هو مشكلة تخص الآخرين، فقد تكون النتيجة قدوم عالم متعدد مدارات النفوذ.
 
*هال براندز Hal Brands: مؤرخ وباحث أميركي متخصص في الإستراتيجية والسياسة الخارجية، يشغل منصب أستاذ هنري كيسنجر للشؤون العالمية في كلية جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة. وهو زميل بارز في معهد المؤسسة الأميركية، ومدير إداري في شركة الاستشارات الاستراتيجية "شركاء ماركو الاستشاريون". يُعرف بكتاباته وتحليلاته حول الاستراتيجية الأميركية، والتنافس بين القوى الكبرى، والعلاقات الدولية، وله مؤلفات بارزة عن السياسة الخارجية الأميركية والحرب الباردة وصعود الصين. يكتب بانتظام في مجلات وصحف أميركية مؤثرة مثل "فورين بوليسي" و"بلومبيرغ".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Three Scenarios for a Post-Trump World