الأردن في كأس العالم... أكثر من مشاركة تاريخية
صحفي-
اختتم المنتخب الوطني لكرة القدم مشاركته الأولى في نهائيات كأس العالم 2026، لتنتهي رحلة المباريات وتبدأ قراءة أوسع لما حققته هذه التجربة. فخلال أسابيع البطولة، تجلّى حضور الأردن في المنافسة داخل الملعب، وفي الصورة التي قدّمها اللاعبون والجماهير أمام العالم. وبين النتائج والانطباعات، برزت قناعة بأن المشاركة الأولى حملت قيمة تتجاوز حدود كرة القدم.
فكيف وصل الأردن إلى هذه اللحظة؟ وما الذي جعلها محطة فارقة في مسيرة الرياضة الأردنية؟
رحلة بُنيت بالتراكم
على امتداد الأعوام الماضية، خاض المنتخب الوطني تجارب مهمة أسهمت في بناء شخصيته. وقد منحت المشاركات القارية والإقليمية اللاعبين خبرة أكبر في التعامل مع الضغط، وفهمًا أعمق لطبيعة المنافسة، وثقة متزايدة بأن الحضور الأردني على الساحة الآسيوية والدولية قادر على التطور.
وكان الوصول إلى نهائي كأس آسيا عام 2024 محطة مفصلية في هذه الرحلة. فقد أظهر المنتخب خلالها قدرته على مقارعة منتخبات قوية، وقدّم صورة جديدة عن كرة القدم الأردنية، قائمة على التنظيم والجرأة والإيمان بالفرصة حتى اللحظة الأخيرة. وتواصل هذا الحضور في كأس العرب 2025؛ حيث بلغ النشامى المباراة النهائية مجددًا وكرّسوا مكانتهم بين أبرز المنتخبات العربية. ومع كل محطة جديدة، كانت الثقة تكبر، وباتت صورة المنتخب في نظر جماهيره تقترب أكثر من صورة الفريق القادر على تحقيق إنجاز تاريخي، وهو ما تُوّج بالتأهل إلى نهائيات كأس العالم 2026 للمرة الأولى في تاريخ الأردن.
أسماء غيّرت المعادلة
خلال مشاركته في نهائيات كأس العالم، خاض المنتخب الوطني ثلاث مباريات قدّم خلالها أداءً عكس حجم التطور الذي شهدته كرة القدم الأردنية خلال الأعوام الماضية. ورغم قوة المنافسة أمام منتخبات تمتلك خبرات طويلة على هذا المستوى، خرج النشامى بتجربة شكلت خطوة جديدة في مسيرة المنتخب، وأضافت إلى رصيدهم ما يمكن البناء عليه في الاستحقاقات المقبلة.
وبرز في هذه التجربة علي علوان ونزار الرشدان وموسى التعمري، الذين سجّل كل منهم هدفًا في البطولة، وعكسوا الصورة التي وصل إليها اللاعب الأردني اليوم؛ لاعب قادر على المنافسة، وتحمل المسؤولية، وتمثيل بلده بثقة أمام منتخبات تملك تاريخًا طويلًا في كأس العالم.
خلف الإنجاز قصة وطنية
وراء هذه المشاركة العالمية تقف منظومة واسعة من الجهود التي تراكمت على امتداد أعوام. فقد أسهم الدعم الملكي المستمر، إلى جانب جهود الاتحاد والأجهزة الفنية والأندية والمدربين والعائلات والجماهير والمؤسسات الداعمة، في توفير البيئة التي مهدت الطريق أمام المنتخب الوطني للوصول إلى هذه المحطة التاريخية.
وقد منح هذا الإنجاز الشباب صورة قريبة منهم؛ صورة لأحلام كبيرة تحولت إلى واقع عبر المثابرة والالتزام والاستمرار في السعي نحو الهدف. ومن هنا اكتسبت المشاركة في كأس العالم بُعدًا يتجاوز نتائج المباريات؛ إذ أظهرت وجهًا آخر للأردن خارج حدود المنافسة الرياضية. فقد حضرت الهوية الأردنية في المدرجات، وتحوّل الشماغ إلى رمزٍ رافق الجماهير الأردنية في مختلف المدن التي استضافت البطولة، وارتداه كثيرون تعبيرًا عن التضامن والإعجاب بهذه التجربة. كما اجتمع الأردنيون من مختلف أنحاء العالم خلف منتخبهم، وترك اللاعبون والجماهير انطباعًا عكس قيم الاحترام والروح الرياضية والانتماء.
جيل يكتب التاريخ
قصة وصول الأردن إلى كأس العالم هي قصة أعوام من المثابرة والعمل، ومنظومة وفرت مقومات النجاح، ومجموعة من اللاعبين حملوا الطموح إلى أبعد مدى. وهي أيضًا قصة وطن عاش لحظة فارقة، وشعر بأن أبناءه قادرون على الحضور بثقة على الساحة العالمية.
ومع إسدال الستار على المشاركة الأولى للأردن في المونديال، سيبقى أثرها حاضرًا في الذاكرة الوطنية بما حملته من لحظات صنعت الفخر، وعكست صورة مشرّفة عن الأردن أمام العالم. ولهذا، ستبقى المشاركة الأولى للأردن في كأس العالم تُقرأ بوصفها بداية لمسار جديد، أكثر من كونها محطة تُقاس بنتائجها. فقد حملت معها خبرات نوعية، وفتحت الباب أمام طموحات أكبر في الأعوام المقبلة.
وقد أشاد جلالة الملك عبدالله الثاني بالنشامى الذين مثلوا "وجهًا كريمًا للأردن"، وبالجماهير الأردنية التي عكست أجمل الصور عن الوطن، مؤكدًا أن الأردن أقوى بوحدته وأكبر بالمحبة التي تجمع أبناءه. وفي السياق ذاته، أكد سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، أن هذه المشاركة كانت الأولى في كأس العالم، لكنها لن تكون الأخيرة. لذا، ستبقى هذه التجربة فصلًا مهمًا في قصة أردنية عنوانها: جيل يكتب التاريخ.