عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    29-Jun-2026

بين الإنسان والآلة.. مستقبل اللغة المشتركة*موفق ملكاوي

 الغد

ماذا يعني ألا تعود اللغة حكرا على البشر؟
بعيدا عن التمترس خلف الدفاع عن الذكاء الاصطناعي أو مهاجمته، ينقل السؤال النقاش إلى مستوى يتعدى إن كان الذكاء الاصطناعي مبدعا أم لا، ليفتح الباب أمام مستقبل التعامل والتعاون بين الإنسان والآلة.
 
 
السؤال يناقشه الباحث والناقد الأدبي مارتن بوشنر في مادة نشرها مؤخرا على موقع مجلة «أوين» الإلكتروني، محاولا كشف العلاقة بين الذكاء الاصطناعي واللغة والإبداع، منتقدا الموقف الدفاعي الذي يتبناه كثير من الكتاب والفنانين تجاه الذكاء الاصطناعي.
يرى بوشنر أن معظم النقاشات تركز على المخاطر والتهديدات، ما يحجب حقيقة أن الذكاء الاصطناعي قائم على اللغة التي أصبحت مجالا مشتركا بين البشر والآلة، ويحيل إلى حقيقة بروز مستخدم آخر للغة إلى جانب الإنسان. 
الكاتب يشكك في التصور الرومانسي للإبداع الذي يرى أن الإنسان ينتج الأفكار من العدم، وأن العبقرية حالة استثنائية منفصلة عن السياق الاجتماعي والثقافي. هذا النقد ليس جديدا، فمنذ عقود طويلة هاجمت مدارس نقدية عديدة فكرة «المؤلف العبقري» المنعزل، كما أن علم النفس المعرفي أكد أن الإبداع نفسه يعتمد على إعادة تركيب عناصر موجودة مسبقا.
لكن المشكلة أن بوشنر ينتقل أحيانا من نقد «الأسطورة» إلى تقليل الفارق الحقيقي بين الإنسان والآلة، فمع صحة افتراضه أن الإنسان يعيد تركيب ما تعلمه سابقا، لكنه يهمل حقيقة أن الإنسان يمتلك تجربة معيشية، وتاريخا شخصيا بذاكرة عاطفية، ووعيا بالموت، إضافة إلى رغبات ومخاوف وأحلام، وهي جزء من إنتاج المعنى نفسه.
حين كتب دوستويفسكي عن الجريمة، أو في كتابات فرجينيا وولف عن الوحدة، ومحمود درويش عن المنفى، لم تكن الكلمات مجرد إعادة ترتيب إحصائي لنصوص سابقة، وإنما جاءت امتدادا لتجربة وجودية كاملة. اعتراض كثير من الأدباء على الطروحات المتفائلة تجاه الذكاء الاصطناعي، تنطلق من رؤية أن الأدب لا يتشكل بإنتاج نصوص مقروءة، لكنه يتعدى ذلك لمحاولة فهم الوجود الإنساني من الداخل، وأن اللغة الأدبية العظيمة تنبع من الاحتكاك المباشر بالحياة والتاريخ والمعاناة، ما يعني أن تشابه المخرجات لا يعني تشابه العملية التي أنتجتها.
يركز الكاتب على فرضية أن اللغة أرضية مشتركة بين الإنسان والآلة، ولكن هل استخدام اللغة يعني امتلاك اللغة؟ هذا الاعتراض ما يزال حاضرا بقوة في النقاشات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي الذي يستخدم اللغة بكفاءة عالية، لكنه لا يعرف ما إذا كانت الكلمة تشير إلى ألم أو فرح أو خوف، فهو يتعامل مع العلاقات بين الرموز، لكنه لا يفهم التجربة التي تقف خلف تلك الرموز. الحديث عن «لغة مشتركة» قد يكون صحيحا تقنيا، لكن اللغة عند الإنسان تتعدى مهمة الاستخدام لتكون حياة كاملة داخل اللغة.
ورغم أن المقال يبدو متوازنا، إلا أنه يحمل تحيزا معرفيا واضحا، فالكاتب يميل إلى تفسير الذكاء الاصطناعي بوصفه ظاهرة ثقافية ولغوية بالدرجة الأولى، ويتناسى أنه يفرز تحديات عديدة على مستوى الاقتصاد والسياسة والبيئة، وهي مخاوف وتحديات تحضر بصورة هامشية في المقال، وكأن الكاتب يقترح أن نترك كل شيء جانبا ونتحدث عن اللغة.
سؤال السلطة غائب عن المقال، فالكاتب يناقش الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة معرفية، ويهمل أنه أيضا بنية سلطة جديدة. هناك من يمتلك النماذج ويحدد بيانات التدريب، ويقرر ما يجوز قوله وما لا يجوز، ويتحكم بالبنية التحتية للحوسبة. اللغة التي يتحدث عنها الكاتب ليست حرة بالكامل، فهي تمر عبر أنظمة وشركات ومنصات ومصالح اقتصادية هائلة، ما يجعل التكنولوجيا الحديثة بأكملها جزءا من منظومات القوة والهيمنة والمراقبة أكثر من كونها مجرد أدوات معرفية.
رغم ذلك، يمكن التأشير على نجاح المقال في رفضه السجال السطحي الذي يحاول إثبات أن الذكاء الاصطناعي إما عبقري خارق أو آلة غبية، فالواقع أكثر تعقيدا حين نعترف بوجود كيان أصبح قادرا على استخدام اللغة بطريقة لم يسبق أن عرفها التاريخ، ما يفرض إعادة التفكير في مفاهيم المؤلف والإبداع والمعرفة، ومراجعة تصوراتنا القديمة عن اللغة نفسها.