الإمارات تفكك خلايا إرهابية مرتبطة بإيران* د. سالم الكتبي
ايلاف -
في خضم التوترات الإقليمية والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، تكشف الوقائع المعلنة في دولة الإمارات عن نشاط خلايا إرهابية تم ضبطها، مرتبطة بالنظام الإيراني، تمارس أعمالاً إرهابية وتجسسية تستهدف أمن
في خضم التوترات الإقليمية والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، تكشف الوقائع المعلنة في دولة الإمارات عن نشاط خلايا إرهابية تم ضبطها، مرتبطة بالنظام الإيراني، تمارس أعمالاً إرهابية وتجسسية تستهدف أمن الدولة واستقرارها. البيان الرسمي أوضح أن هناك تنظيماً يتبع نظام "ولاية الفقيه" عمل داخل المجتمع، وجنّد عناصر، ونسّق مع العدو، وسعى للوصول إلى مواقع حساسة.
المسألة هنا لا تتعلق بخلية تم ضبطها، بل بكشف نمط عمل كامل يعتمد عليه العدو الإيراني ومن يدعمه في اختراق المجتمعات من الداخل، وبناء نفوذ تدريجي يعيد تشكيل الولاء لصالحه.
وفي هذا السياق، لا يمكن التعامل مع ما كُشف باعتباره واقعة معزولة، بل ضمن نمط يتكرر. المعطيات تكشف نمطاً عملياتياً ثابتاً، يبدأ بتواصل أولي مُنظّم، يليه استقطاب موجّه، ثم توسيع الدائرة لتشكيل خلايا نائمة تعمل من الداخل وتُفعَّل عند الحاجة، حيث تتحرك بهدوء وتسعى إلى إعادة توجيه الولاء من الإطار الوطني إلى ارتباط ديني وأيديولوجي عابر للحدود.
ولإدراك حجم هذا النمط على أرض الواقع، تأتي الأرقام لتضيف وضوحاً أكبر. هناك 27 متهماً ضمن تنظيم واحد، نشرت الدولة صورهم وأسماءهم للرأي العام، فيما تحدّثت التحقيقات عن اجتماعات سرية داخل الدولة وخارجها، وعن تنسيق مباشر مع جهات خارجية.
انطلاقاً من هذه الصورة، يمكن فهم كيفية تحرك هذه الشبكات الإرهابية والخلايا على الأرض، ويبدأ الأمر باختيار أشخاص يمكن التأثير عليهم، وفق قابلية نفسية أو مادية أو أيديولوجية، ثم يُطلب منهم جذب آخرين من محيطهم الاجتماعي أو الوظيفي. ومع الوقت، تتكوّن خلايا نائمة صغيرة، يعرف كل فرد فيها جزءاً من الشبكة لا كلها. لا ضجيج، بل تشكيل تدريجي لعناصر يتم زرعها داخل المجتمع لتعمل في الرصد وجمع المعلومات والتأثير، بانتظار لحظة التفعيل.
وفي هذا الإطار، تكشف تركيبة هذه العناصر عن توزيع واضح في الأدوار. هناك من يعمل على التأثير والتعبئة، ويبني السردية ويعيد تشكيل الانتماء في ذهن من حوله بما يخدم العدو الإيراني ومن يدعمه. ومع اتساع هذا النشاط، يتضح أنه لا يقتصر على جانب واحد، بل يتحرك في مسارات متعددة. هناك جمع معلومات عن مواقع حيوية وشخصيات معينة، وهناك نشر شائعات ورسائل مغلوطة لإرباك الداخل، وهناك ترويج ودعاية مباشرة أو غير مباشرة تخدم العدو الإيراني ومن يدعمه عبر التأثير على البيئة العامة والتحريض والتشكيك. وعندما تتوفر اللحظة المناسبة، أو يقرر الخارج أن الوقت قد حان، يمكن الانتقال من مرحلة التأثير إلى التخريب أو دعم عمليات إرهابية.
وبالتوازي مع ذلك، يظهر البعد المالي كعنصر حاسم في استمرار هذه الشبكات. فالحديث عن تحويلات غير رسمية، وقنوات خارجية، وواجهات اقتصادية، يكشف عن بنية تمويل موازية، قادرة على إبقاء النشاط قائماً حتى تحت الضغط. فالتمويل هنا ليس مجرد عامل مساعد، بل هو ما يضمن بقاء الشبكة وتوسعها واستمرارية أدوارها.
وعند جمع هذه العناصر مجتمعة، مثل التجنيد، والتأثير، والتمويل، والتنسيق الخارجي، تتضح الصورة بشكل كامل. نحن أمام نموذج اختراق يعمل ضمن النسيج الداخلي للدولة، وما كُشف اليوم لا يمثل بداية هذا النموذج، بل لحظة ظهوره إلى العلن بعد فترة من العمل في الخفاء.
ولا يمكن قراءة ما كُشف بمعزل عن سياق أقدم، فمنذ بداياته، عمل النظام الإيراني على استقطاب أتباع خارج حدوده، وبناء شبكات مرتبطة بأيديولوجيا "ولاية الفقيه" تقوم على نقل الولاء من الدولة الوطنية إلى مرجعية خارجية. وعندما يُترجم هذا النهج إلى نشاط منظم داخل المجتمعات، فإنه ينتج حالات انخراط في أعمال تجسسية أو تخريبية تمس أمن الدول من الداخل. وهنا يصبح المعيار واضحاً: أي سلوك يخدم أجندة معادية على حساب أمن الدولة ليس اختلافاً في الرأي، بل خرقاً لواجب الانتماء، يستلزم مواجهته ووضعه أمام القانون والعدالة.
ومن هنا، يصبح وضع هذا النموذج الإرهابي في سياقه الأوسع أمراً ضرورياً، حيث إن هذا الأسلوب ليس جديداً على المنطقة، حتى وإن اختلفت الشعارات والأسماء. بلا شك، بناء الشبكات، والتغلغل الهادئ، ومحاولة التأثير من الداخل، كلها سمات ظهرت في أعمال إجرامية سابقة، من بينها جرائم تنظيم "الإخوان المسلمين" الإرهابي، الذي اعتمد أدوات مشابهة في التنظيم والعمل على الوعي والمال، رغم اختلاف المرجعيات. اليوم، يُعاد إنتاج هذا النمط ضمن مشروع أكثر وضوحاً في ربط الولاء بالخارج.
والحقيقة، أنه لا يمكن فصل ما حدث في الإمارات عن المشهد الخليجي الأوسع، فقد أعلنت دول عدة خلال الفترة الأخيرة عن تفكيك خلايا مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وحزب الله، تنوعت أنشطتها بين التجسس وغسل الأموال والتخطيط لهجمات إرهابية. هذا التزامن، إلى جانب التصعيد العسكري من الخارج، يكشف عن نمط ضغط مزدوج، يجمع بين أدوات المواجهة المباشرة ومحاولات الاختراق من الداخل.
وفي مواجهة هذا الواقع، لا يقتصر الدور على الأجهزة الأمنية وحدها، بل يمتد إلى المجتمع أيضاً، فوعي الأفراد، من مختلف الجنسيات، والإبلاغ عن أي نشاطات مشبوهة، سواء كانت محاولات استقطاب أو تمويل غير نظامي أو حملات تضليل، يشكل خط دفاع أساسياً يحد من قدرة هذه الشبكات على التمدد.
وعند هذه النقطة، تُظهر التجربة كفاءة عالية للأجهزة الأمنية في الرصد المبكر والتفكيك الاستباقي، مدعومة بتكامل استخباري ومالي وتقني. وعلى ذلك، يبرز التقدير المستحق لكل من يعمل في هذه المنظومة الأمنية، وللقيادة التي وفّرت لها الدعم والرؤية، بما يعزز قدرة الدولة على حماية مجتمعها وصون استقراره.
وفي النهاية، تبقى المعادلة واضحة، هناك أجهزة أمن وطنية ترصد وتفكك، ومجتمع واعٍ يرفض الخيانة والأعمال المشبوهة ويبلّغ عنها، وتلاحم وطني يشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة أي تهديد، حفظ الله ديارنا وقياداتنا من كل مكروه وسوء.