عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Jun-2026

عاجزة عن الحسم.. الأمم المتحدة أقرب إلى منصة لإدارة الصراع لا لإنهائه

 الغد-إيمان الفارس

 لم تغب الأمم المتحدة عن المشهد الدولي، لكنها تراجعت من موقع الفاعل الحاسم إلى موقع مدير الأزمة، بحيث تتحرك داخل حدود مرسومة سلفا بتوازنات القوى الكبرى، لتبدو أقرب إلى منصة لاحتواء الصراع وتخفيف حدته، لا إلى أداة قادرة على إنهائه.
 
 
وفي مشهد شرق أوسطي شديد التعقيد، تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع التصعيد الميداني، يعقد مجلس الأمن الدولي جلسة إحاطة طارئة بشأن لبنان في ظل استمرار التوتر في الجنوب، وبطلب فرنسي يستند إلى تطورات عسكرية متسارعة، تنذر باتساع دائرة المواجهة، بينما تتصاعد التساؤلات حول قدرة المنظومة الدولية على ضبط مسار النزاعات في المنطقة.
فهذا التحرك الدبلوماسي، وفق ما أكده خبراء في الشأن السياسي والاستراتيجي، في تصريحات لـ"الغد"، يأتي في وقت تتراجع فيه فاعلية الأدوات الأممية التقليدية أمام واقع إقليمي شديد التشابك، بحيث لم تعد القرارات الدولية قادرة على فرض مسار واضح للتهدئة أو الانتقال إلى تسويات مستقرة، بل باتت تتحرك ضمن هامش محدود تتحكم فيه توازنات القوى الدولية أكثر مما تحكمه قواعد القانون الدولي.
ووفق تحليلات المختصين، فإن الإشكال لا يرتبط بغياب الأطر القانونية، إذ يمتلك مجلس الأمن صلاحيات واسعة، قد تشمل العقوبات أو حتى التدخل لحفظ السلم والأمن الدوليين، غير أن المعضلة الجوهرية تكمن في بنية اتخاذ القرار داخل المجلس، بحيث يتحول حق النقض إلى أداة تعطيل فعالة تجعل القرار الدولي رهينة مصالح القوى الكبرى.
وأشاروا إلى أنه من هذا المنظور، لم يعد الشرق الأوسط مجرد ساحة أزمات متفرقة، بل أصبح مختبراً حياً لحدود النظام الدولي، إذ تتراكم النزاعات دون حسم نهائي، وتبقى القرارات الأممية عالقة بين الصياغة والتنفيذ، في ظل انقسام دولي يمنع تشكل إرادة جماعية قادرة على فرض حلول مستدامة.
توازنات القوى الدولية 
ومع استمرار التوترات والصراعات في أكثر من ساحة شرق أوسطية، رأى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الألمانية الأردنية د. بدر الماضي، أن فاعلية مجلس الأمن في التعامل مع أزمات المنطقة ما تزال مقيدة بتوازنات القوى الدولية وآليات اتخاذ القرار داخله.
وقال الماضي، إن جلسة الإحاطة التي يعقدها مجلس الأمن بشأن لبنان من غير المتوقع أن تفضي إلى أي قرار حاسم يغير مجريات الأحداث على الأرض، معتبراً بأن طبيعة تشكيل مجلس الأمن وبنيته المؤسسية تجعله انعكاساً لموازين القوى التي خرجت منتصرة بعد الحرب العالمية الثانية، أكثر من كونه مؤسسة قادرة على تحقيق السلم والأمن الدوليين بصورة مستقلة.
وأضاف الماضي، أن مجلس الأمن لا يتحرك في القضايا الدولية وفقاً لمعايير العدالة أو الحاجة إلى وقف النزاعات، بل وفقاً لإرادات سياسية ومصالح الدول الكبرى الأعضاء فيه، مشيراً إلى أن أي تحرك فاعل داخل المجلس يبقى مرهوناً بتوافق هذه المصالح وعدم وجود اعتراض من أي دولة تمتلك حق النقض. 
وأوضح أستاذ العلوم السياسية، أن القرارات المتعلقة بمناطق النزاع لا تصدر إلا عندما تتقاطع مصالح القوى الكبرى أو تتوافق على هدف معين تجاه دولة أو منطقة بعينها.
وفيما يتعلق بالتطورات الجارية في لبنان، رأى الماضي أن ما يحدث لا يمكن فصله عن الترتيبات السياسية والأمنية القائمة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، لافتاً إلى أن الملف اللبناني يرتبط بصورة وثيقة بالتطورات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران. 
وبين أن إيران بنت على مدى سنوات نفوذها السياسي والعسكري والاستراتيجي في المنطقة عبر شبكة من الأذرع والحلفاء، وسعت عن طريق ذلك امتلاك أوراق تفاوضية، تمكنها من إبعاد الضغوط والتهديدات عن الداخل الإيراني، بإشغال المنطقة والعالم بملفات وصراعات متعددة.
وتابع أن حزب الله، شكل أحد أبرز هذه الأذرع الاستراتيجية بالنسبة لإيران، لذلك فإن ما يجري حالياً في جنوب لبنان، برغم أنه يحدث على الأراضي اللبنانية، إلا أن أهدافه الفعلية تتجاوز الحدود اللبنانية، وتتمثل بزيادة الضغوط على إيران وتقليص نفوذها الإقليمي.
وأشار الماضي، إلى أن ارتباط حزب الله بالحرس الثوري الإيراني على المستويين العسكري والعقائدي، وفر مبررات سياسية وأمنية لكل من الولايات المتحدة والكيان لاتخاذ الإجراءات التي تقومان بها حالياً تجاه لبنان.
وأكد أن الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، بما فيها روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، لا تملك عملياً القدرة على استصدار قرار يوقف عمليات الكيان العسكرية، أو يضع حداً للتدمير الجاري في جنوب لبنان في ظل المعادلات السياسية الحالية داخل المجلس. لافتا إلى أن استخدام حق النقض، بات أداة سياسية مرتبطة بتوازن المصالح بين القوى الكبرى، وهو ما يحد من قدرة المنظمة الدولية على التدخل الفاعل في الأزمات والنزاعات.
واعتبر الماضي، أن الأمم المتحدة لم تعد قادرة على أداء دور الوسيط النزيه في القضايا السياسية والأمنية الدولية، نتيجة عجزها عن فرض إرادتها السياسية أو الإنسانية على الدول المهيمنة على المجلس، مضيفا أن المشكلة الجوهرية تكمن في غياب قوة تنفيذية مستقلة لدى الأمم المتحدة، تمكنها من فرض قراراتها على الأرض، ما يجعل المنظمة خاضعة في الملفات السياسية والأمنية لتوازنات ومصالح الدول الكبرى المسيطرة على المجلس.
وفي المقابل، شدد الماضي، على أن هذا الواقع لا ينتقص من أهمية الأمم المتحدة في مجالات أخرى، مؤكداً أنها ما تزال تؤدي أدواراً محورية ومؤثرة في القضايا الإنسانية والثقافية والبيئية والزراعية والتنموية على مستوى العالم. وأشار إلى أن المنظمة الدولية ما تزال قادرة في هذه المجالات على إحداث تحولات مهمة على الساحة الدولية، إلا أن دورها السياسي والأمني سيبقى، بحسب تعبيره، أسيراً لمصالح القوى الكبرى المشكلة لمجلس الأمن.
تقليص تأثير الأمم المتحدة 
وعن الدور الذي تؤديه الأمم المتحدة في مواجهة أزمات الشرق الأوسط، رأى رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات، أن الأمم المتحدة فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على التأثير في أزمات المنطقة، مشيراً إلى أن دورها بات يقتصر بدرجة كبيرة على الجوانب الإنسانية، التي تواجه بدورها تحديات متزايدة تحد من فاعليتها.
وقال شنيكات، إن أبرز أوجه عمل الأمم المتحدة في المنطقة، يتمثل بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، إلا أن الوكالة واجهت في السنوات الأخيرة أزمات متلاحقة تتعلق بالتمويل والضغوط السياسية، ما انعكس على قدرتها على الاستمرار في أداء مهامها. 
وأضاف رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية، أن التقارير التي تصدرها الأمم المتحدة بين الحين والآخر بشأن الانتهاكات والصراعات، لم تعد تترك أثراً ملموساً لدى صناع القرار الدوليين، ما قلص من تأثير المنظمة على مجريات الأحداث. مؤكدا أن المنظمة الدولية أصدرت طوال العقود الماضية قرارات عدة تتعلق بالكيان، لكن معظمها بقي حبراً على ورق ولم تنفذ. 
وأشار شنيكات، إلى أن قوى كبرى استخدمت حق النقض في مناسبات عديدة لإجهاض قرارات تتعلق بالكيان، ما حال دون تمكين الأمم المتحدة من لعب دور مؤثر في الصراع العربي مع هذا الكيان، مضيفا أن المجتمع الدولي لم يتمكن عبر مجلس الأمن من فرض عقوبات على الكيان الصهيوني بسبب انتهاكاته للقانون الدولي، معتبراً بأن الملف الفلسطيني أبعد منذ سنوات عن الأطر القانونية الدولية وحول إلى مسار سياسي تهيمن عليه الحسابات والمصالح الدولية. 
ولفت إلى أن الكيان، لا يخضع للمحاسبة وفق القانون الدولي بسبب الدعم الغربي المستمر له، والذي يستند إلى اعتبارات استراتيجية وسياسية، تعد جزءاً من مصالحه في المنطقة. مشيرا إلى أن الدور المسموح للأمم المتحدة في المنطقة، بات محصوراً ضمن حدود معينة، تقتصر غالباً على المهام اللوجستية والرقابية وقوات حفظ السلام، كما هو الحال بالنسبة لقوات الأمم المتحدة، العاملة في جنوب لبنان وقوات الفصل والمراقبة في مناطق أخرى. 
وأضاف شنيكات، أن هذا الواقع يأتي ضمن مسار طويل الأمد، أدى إلى تقليص دور المنظمة الدولية في القضايا السياسية والأمنية الكبرى. مؤكدا أن الكيان الصهيوني لم يتردد بمهاجمة الأمم المتحدة ومؤسساتها عندما صدرت عنها مواقف أو تقارير، اعتبرتها معارضة لسياساتها، مستشهداً بحالة التوتر التي نشأت عقب تقارير أممية تناولت أوضاع الأسرى الفلسطينيين والانتهاكات المرتكبة بحقهم. 
وبشأن التطورات الراهنة في لبنان، استبعد شنيكات أن يكون للأمم المتحدة دور حاسم في إنهاء الأزمة الحالية أو وقف التصعيد القائم. مبينا أن مسار الأحداث سيتحدد بشكل أساسي وفقاً لتطورات الصراع على الأرض ونتائج المواجهة العسكرية، وليس عبر قرارات أممية أو تحركات دولية. موضحا بأن الكيان سيواصل عملياته ما دام يرى أنه قادرة على تحقيق مكاسب ميدانية أو سياسية، ما سيحد من فرص نجاح أي جهود أممية بفرض تسوية أو وقف للتصعيد في المرحلة الحالية.
وجدد شنيكات تأكيده على أن استخدام حق النقض وتضارب مصالح القوى الكبرى، أضعفا بصورة كبيرة قدرة الأمم المتحدة ومجلس الأمن على التأثير في مسار الأحداث في المنطقة، وحولا المنظمة الدولية من جهة قادرة على فرض الحلول إلى منصة تتابع الأزمات وتدير تداعياتها دون امتلاك أدوات حقيقية لحسمها.
احتواء أزمات المنطقة
وفي قراءة لمدى قدرة المؤسسات الدولية على احتواء أزمات المنطقة، أكد الخبير الأمني والاستراتيجي د. بشير الدعجة، أن جوهر الإشكالية لا يكمن في غياب النصوص القانونية الناظمة لعمل مجلس الأمن. 
وقال الدعجة في هذا السياق، إن ميثاق الأمم المتحدة يمنح المجلس صلاحيات واسعة بموجب الفصل السابع، تشمل فرض العقوبات والتدخل العسكري لحفظ السلم والأمن الدوليين، إلا أن الإشكال الحقي يتمثل في آلية اتخاذ القرار داخل المجلس، بحيث يمنح حق النقض للدول الخمس دائمة العضوية قدرة شبه مطلقة على تعطيل أي قرار يتعارض مع مصالحها الاستراتيجية.
وأضاف أن البيانات التراكمية للأمم المتحدة، تشير إلى أن استخدام حق النقض منذ تأسيس المنظمة تجاوز مئتين وستين حالة، وكان الجزء الأكبر من هذه الاستخدامات مرتبطاً بقضايا نزاعات مسلحة أو صراعات جيوسياسية حادة، خصوصاً في المنطقة، بحيث تحولت ملفات مثل سورية وفلسطين ولبنان إلى ساحات متكررة للتجاذب بين القوى الكبرى، بما يعكس عمق الانقسام داخل النظام الدولي.
وأوضح الخبير الأمني والاستراتيجي، أن القرار 1701 الصادر العام 2006 شكل الإطار المرجعي لوقف الأعمال العدائية، ونشر قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" التي تجاوز قوامها 10 آلاف عنصر، إلا أن استمرار الخروقات الجوية والبرية والبحرية من مختلف الأطراف في السنوات الماضية، يطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة الأمم المتحدة على فرض الالتزام الفعلي بقراراتها عندما تغيب الإرادة السياسية الإقليمية والدولية الداعمة للتنفيذ.
وتابع الدعجة، أن التجارب المقارنة في عمليات حفظ السلام، تظهر أن أكثر من نصف بعثات الأمم المتحدة في مناطق النزاع الممتد، لم تنجح في الوصول إلى تسويات سياسية نهائية مستدامة، بل بقيت في حالة إدارة للأزمات لفترات طويلة، قد تتجاوز عقدين من الزمن، كما هو الحال في بعض مناطق إفريقيا والمنطقة، بحيث تظل البعثات الأممية موجودة دون قدرة حاسمة على إنهاء جذور الصراع.
وبين أن ما يجري داخل المجلس، يعكس تحولاً في طبيعة النظام الدولي ذاته من نظام يسعى إلى فرض قواعد جماعية ملزمة إلى نظام قائم على إدارة التوازنات بين القوى الكبرى، وهو ما يجعل القرارات الأممية نتاج تسويات سياسية معقدة أكثر من كونها تعبيراً عن إرادة دولية موحدة.
وأشار إلى أن تزايد الاستقطاب بين القوى الكبرى في العقد الأخير، بخاصة بعد العام 2014، ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، أدى لارتفاع معدلات تعطيل القرارات في المجلس بشكل ملحوظ، ما انعكس مباشرة على ملفات الشرق الأوسط، بحيث أصبح الوصول إلى قرار ملزم بشأن أي تصعيد عسكري عملية شبه مستحيلة دون توافق دولي نادر.
وفي السياق اللبناني، اعتبر الدعجة أن استمرار حالة "اللا حرب واللا سلم" في الجنوب، يعكس نموذجاً دقيقاً لما يمكن تسميته بالاستقرار القلق، بحيث توجد قوة الردع دون انتقال لتسوية سياسية شاملة، وهو وضع يخلق بيئة دائمة لإعادة إنتاج التوترات، ويجعل الاستقرار مرتبطاً بالتوازن العسكري أكثر من كونه نتيجة لاتفاق سياسي مستدام.
وأوضح الدعجة، أن دور الأمم المتحدة في هذا السياق بات أقرب إلى وظيفة الاحتواء ومنع الانفجار الشامل بدلاً من معالجة جذور الصراع، وهو ما يتجلى في تركيز الجهود الدولية على ضبط التصعيد الميداني دون التقدم نحو حلول سياسية نهائية تعالج الأسباب البنيوية للنزاع.
وبين أن الأمم المتحدة لم تفقد شرعيتها القانونية أو رمزيتها الدولية، لكنها فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها التنفيذية الفعلية، وأصبحت تعمل ضمن هامش ضيق تحكمه توازنات القوى الكبرى، الأمر الذي جعل من مجلس الأمن منصة دائمة لإدارة الأزمات أكثر من كونه جهازاً قادراً على إنهائها.