الدستور
الصراع يولّد الجوع والمجاعة، والجوع والمجاعة بدورهما يولّدان الصراع - أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة.
في مؤتمر صحفي عقده الكرملين في الرابع والعشرين من الشهر الماضي، سعت روسيا إلى طمأنة العالم بشأن أمنه الغذائي، مؤكدة التزامها بشحن جميع الحبوب المخصصة للتصدير في مواعيدها وبالكميات المتفق عليها. وجاء المؤتمر، بطابعه الدعائي، ليقدّم روسيا بوصفها قوة عظمى تسهم في حفظ الأمن والسلم العالميين، في وقت تتوالى فيه التحذيرات الدولية من أزمة غذاء متصاعدة قد تصل في بعض الدول إلى حد المجاعة.
ففي تقريره الصادر في نيسان الماضي بعنوان «آفاق أسواق السلع الأساسية»، توقع البنك الدولي ارتفاع مؤشر أسعار الأسمدة بأكثر من 30 % خلال هذا العام، وأسعار اليوريا بنسبة 60 %، محذرًا من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز خلال الربع الثالث سيقود إلى مزيد من الارتفاعات، وهو ما نشهده بالفعل. كما أعلنت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» أن مؤشر أسعار الغذاء بلغ 131.1 نقطة في تموز، وهو أعلى مستوى له منذ ثلاث سنوات، بالتزامن مع ارتفاع أسعار القمح بنسبة 5.8 %.
وفي تقرير بعنوان «الأمن الغذائي هو الأمن القومي: عاصفة متراكمة»، توقّع «جي بي مورغان» أن يرتفع تضخم أسعار الغذاء عالميًا من 2.8 % في النصف الأول من عام 2026 إلى 5 % في النصف الأول من عام 2027، مؤكدًا أن ما يحدث «ليس صدمة قصيرة الأمد». ويضاف إلى ذلك الحديث المتزايد عن ظاهرة «النينيو»، الناتجة عن ارتفاع غير معتاد في حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائي الأوسط والشرقي، بما يغيّر أنماط الرياح والأمطار في مناطق واسعة من العالم. وتشير التقديرات إلى أن الظاهرة الحالية من بين الأقوى والأشد تأثيرًا منذ العام 1877، ما يضيف ضغطًا جديدًا على أسعار الغذاء.
وتكاد هذه المؤشرات تجمع على أن آثار الأزمة ستظهر بصورة أوضح في العام المقبل؛ فهذا العام يشهد ارتفاعًا في الأسعار وشحًا في مدخلات الإنتاج الزراعي، أما العام المقبل فستنعكس هذه الضغوط على حجم المحاصيل وإنتاجيتها، ليصل الثمن في النهاية إلى المستهلك.
وأسباب ذلك واضحة؛ فمضيق هرمز مغلق، ويمر عبره نحو ربع تجارة الأمونيا وثلث تجارة الأسمدة عالميًا. كما سجّل البنك الدولي تعليق إيران وقطر إنتاج الأمونيا والكبريت بعد تعرض منشآت إنتاجية لأضرار، في حين خفّضت الهند إنتاجها من اليوريا والأمونيا بسبب تعذر حصولها على كميات الغاز اللازمة.
في المقابل، أصبحت روسيا من أهم دول العالم في امتلاك مدخلات الإنتاج الزراعي، فضلًا عن كونها من أكبر منتجي الغذاء، فيما تمتلك الصين مخزونات ضخمة من الغذاء والأسمدة والطاقة والمعادن. وعلى الجانب الآخر، استنزف الغرب جزءًا كبيرًا من موارده في دعم حرب الإبادة الجارية في غزة، وفي حروب عبثية في إيران إرضاءً للكيان.
ومن يتابع الأخبار يلحظ تعدد الزيارات الأمريكية إلى روسيا، المعلن منها والسري، في تحركات يُفهم منها السعي إلى تحييد موسكو عن الصراع مع إيران. وهذا صحيح، لكن ما يفوق الملف الإيراني أهمية هو الدور الذي يمكن أن تلعبه روسيا في الحد من الأزمة الغذائية المقبلة، عبر رفع القيود المفروضة على صادرات الأسمدة والأمونيا والكبريت. والمفارقة أن الغرب، في الوقت الذي يقترب فيه العالم من أزمة غذائية خطيرة، يواصل ضخ الأموال والسلاح إلى أوكرانيا، فيما تتعرض منشآت مرتبطة بإنتاج مدخلات الزراعة للضرب.
لا شك أن صفقات وتحولات كبرى تجري قبل أن تتكشف ملامح الأزمة كاملة؛ وقد تخرج روسيا والصين منها أكثر قوة، وتحقق إيران مكاسب، في مقابل تراجع نسبي في قوة الولايات المتحدة، فيما تدفع أوكرانيا وأوروبا جانبًا كبيرًا من الثمن.
وهكذا، لن تكون أزمة الغذاء سوى أزمة جديدة تضاف إلى أزمات عالم مثقل بالصراعات والاضطرابات، لكنها قد تكون من أخطرها؛ لأنها تمس الحاجة الإنسانية الأكثر أساسية، وتزيد من حدة التوترات، وتدفع العالم خطوة أخرى نحو انفجار أوسع.