من الميدان إلى مجلس الأمن.. الأردن يعزز حضوره دوليا في قلب الصراع الفلسطيني
الغد-إيمان الفارس
في لحظة تتقاطع فيها الأزمات، وتتصاعد التحذيرات من انزلاق المنطقة نحو موجة جديدة من عدم الاستقرار، جاءت مشاركة وزير الخارجية أيمن الصفدي في جلسة الإحاطة الشهرية لـ"مجلس الأمن"، لتؤكد أن الاردن لا يكتفي بمتابعة التحولات من موقع المراقب، بل يسعى للتأثير في مسارها من داخل دوائر القرار الدولي، واضعا القضية الفلسطينية وتداعياتها، الأمنية والسياسية في قلب النقاش العالمي حول مستقبل المنطقة.
غير أن هذه المشاركة، وفق تحليلات خبراء بالشأن السياسي والإستراتيجي في تصريحات لـ"الغد"، لم تكن مجرد بند على جدول عمل دبلوماسي اعتيادي، بل خطوة محسوبة في لحظة إقليمية تتكاثر فيها بؤر التوتر وتتداخل فيها الحسابات الدولية.
فجلسات الإحاطة الشهرية بمجلس الأمن، التي تندرج ضمن تقاليد عمل الأمم المتحدة منذ تأسيسها، منصة مركزية يعاد فيها ترتيب الأولويات واختبار السرديات السياسية، وتثبيت الوقائع في السجل الرسمي للشرعية الدولية.
ووفق الخبراء، فإن حضور الصفدي في هذه الجلسة عكس مستوى متقدما من الثقة الدولية بالدور الأردني، إذ لم يعد الأردن مجرد متلقٍّ لتطورات الإقليم، بل طرف يسهم في صياغة النقاش الدولي حولها.
وتكتسب هذه الدلالة أهميتها في ظل تصاعد الأحداث في الضفة الغربية وقطاع غزة، وما يرافقها من تحركات سياسية وتشريعية للاحتلال، وتحولات في مواقف بعض القوى الدولية.
كما تبدو مشاركة الصفدي، وفق الخبراء، جزءا من إستراتيجية أردنية تقوم على التدرج المنهجي في بناء المواقف، بدءا من الحشد الإقليمي، مرورا بتوسيع الدائرة دوليا، وصولا إلى طرح القضية في أعلى منصة معنية بحفظ السلم والأمن الدوليين.
وهي خطوة تعكس حرصا على إعادة توجيه البوصلة الدولية لجذور الصراع لا لأعراضه، والتأكيد أن استمرار الوضع الراهن ليس خيارا قابلا للاستدامة، فالحل السياسي العادل لم يعد مطلبا أخلاقيا فقط، بل ضرورة أمنية وإستراتيجية للمجتمع الدولي بأسره.
التدرج المنهجي في بناء المواقف
الخبير د. نضال أبو زيد أكد أن مشاركة أيمن الصفدي في جلسة الإحاطة الشهرية لمجلس الأمن حملت دلالات سياسية ودبلوماسية عميقة تتجاوز البعد البروتوكولي، إذ يندرج مفهوم جلسات الإحاطة الشهرية ضمن تقاليد عمل المنظمة الدولية منذ تأسيس الأمم المتحدة في العام 1945.
وأشار أبو زيد إلى تقديم تقارير دورية مفصلة لأعضاء المجلس في جلسات قد تكون مغلقة أو علنية حول تطورات قضايا محددة تحظى باهتمامه، وغالبا ما يرفع هذه الإحاطات مسؤولون أمميون للأمين العام، كما يمكن للمجلس أحيانا دعوة خبراء مختصين من خارج المنظمة لتقديم تقييمات مباشرة.
وأضاف أبو زيد أن حضور الصفدي ضمن هذه الجلسات يعني أن المجلس بات يستند بصورة متزايدة إلى الرؤية الأردنية بشأن الملفات الإقليمية، ما يعكس مستوى الثقة الدولية بدور الأردن وخبرته السياسية بالتعامل مع تعقيدات المنطقة.
وأكد أن هذه المشاركة تعكس نمطا ثابتا في الدبلوماسية الأردنية، تقوم على التدرج المنهجي في بناء المواقف، بدءا من حشد موقف إقليمي، ثم الانتقال لحشد موقف دولي، وصولا لطرح القضية في مجلس الأمن لتشكيل قوة ضغط سياسية ودبلوماسية على الاحتلال توقف الانتهاكات في الضفة، موضحا بأن هذا النهج لا يقوم على المناورة الدبلوماسية أو تدوير الزوايا، بل على ما يسمى الهدوء الدبلوماسي والرتابة المنظمة، التي تعكس ثباتا في الرسائل والمواقف.
وبحسب تقديره، فإن تقديم الصفدي لإحاطة رسمية أمام المجلس يعني عرض رؤية أردنية مدعومة بغطاء عربي وإسلامي ودولي آخذ بالتشكل، ما يعزز فرص تحويل الموقف السياسي إلى ضغط فعلي في المؤسسات الأممية، مبينا أن هذه الخطوة تسهم بزيادة العزلة السياسية للاحتلال نتيجة سياساته الأخيرة في الضفة، كما أنها تعزز الحضور الإقليمي للأردن بوصفه طرفا فاعلا بصياغة التوافقات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، لا مجرد متلقٍ لنتائجها.
خبرة المنطقة مع عدم الاستقرار
وسط تصاعد التوترات وتعدد بؤر الاشتعال في المنطقة، قدم الخبير د. خالد شنيكات مقاربة تحذيرية تستند لخبرة المنطقة الطويلة مع عدم الاستقرار، محذرا من أن المنطقة تمر حاليا بموجة عميقة من التقلبات والتغيرات، وأن كل السيناريوهات واردة، في ظل واقع لم يعرف الاستقرار منذ أكثر من 100 عام.
وأشار شنيكات إلى أن تراكم الأزمات وتلاحق الأحداث يجعل المشهد الإقليمي مفتوحا على احتمالات متعددة، قد تتخذ شكل حروب مباشرة، أو تشكيل تحالفات ومجالس على وقع الأزمات، أو تدخلات خارجية، أو حشود عسكرية وتحركات للقوات ونقل للقواعد العسكرية، بما يعكس حالة سيولة إستراتيجية غير مسبوقة.
وشدد على أن مناقشات مجلس الأمن في مثل هذا الظرف لا تنفصل عن هواجس الدول ومصالحها، إذ تسعى كل دولة لطرح مخاوفها والتحذير من المخاطر المحدقة بها، لافتا إلى أن للأردن هواجس مشروعة حال نشوب حروب جديدة في المنطقة، نظرا لما تكبّدته المملكة من كلف سياسية واقتصادية واجتماعية جراء الصراعات السابقة.
واستحضر تداعيات الثورة السورية، وما رافقها من موجات لجوء كبيرة، وما جرى في العراق عقب الغزو الأميركي في العام 2003، وما خلفته الحرب على غزة من كوارث إنسانية وانعكاسات مباشرة على الأردن، بالإضافة للتصريحات المتبادلة والتحذيرات المتعلقة باحتمال شن حرب على إيران، معتبرا أن مثل هذه التطورات ترفع منسوب القلق في المنطقة.
ورأى شنيكات أن هذه الهواجس ستكون حاضرة في أي إحاطة أردنية أمام مجلس الأمن، وقد ينقلها الصفدي مباشرة، محذرا من مغبة التدخلات غير المحسوبة، لأن نتائجها لا تقف عند حدود الدولة المستهدفة، بل تمتد لتطال دول الإقليم.
فحالة الدمار التي قد تنجم عن صراعات واسعة، يمكن أن تضعف أو تؤدي لانهيار دول، وتفتح المجال أمام عودة وانتشار منظمات مسلحة تستخدم العنف، بخاصة في ظل تراجع سلطة الدولة الوطنية في دول بالمنطقة، ما يشكل خطرا مضاعفا على الاستقرار الإقليمي.
وشدد شنيكات على خطورة ترك القضية الفلسطينية على ما هي حاليا، في ظل إجراءات الاحتلال المتسارعة لتغيير الوقائع على الأرض، بما يهدد بإنهاء حلم الدولة الفلسطينية نهائيا، لافتا إلى أنه في ظل المعطيات الراهنة، بات قيام دولة فلسطينية يواجه استحالة عملية، وقد تذهب الأمور لما هو أبعد من ذلك نحو سيناريوهات التهجير.
وحذر من أن أي تهجير محتمل ستكون له تداعيات مباشرة على حالة التوازن في الأردن، بما يحمله من أعباء ديموغرافية وسياسية وأمنية، داعيا لإطلاق صرخة تحذير واضحة في المحافل الدولية، مفادها أن سياسات الاحتلال أو أي قوى أخرى تسهم بزعزعة الاستقرار، وقد تنقلب على المنطقة في صورة حروب وصراعات وويلات متعددة.
من هنا تكتسب المشاركة الأردنية الأممية أهمية خاصة، باعتبار مجلس الأمن منصة لعرض هذه المخاوف والتحذير من مآلات الاستمرار في النهج الحالي، والدعوة لمقاربات سياسية مسؤولة تحول دون انزلاق المنطقة لمزيد من الفوضى وعدم الاستقرار، وفقه.
هندسة التوازنات الدولية
أكد الخبير د. بشير الدعجة أن قيمة الدول في هندسة التوازنات الدولية لم تكن تُقاس بحجمها الجغرافي بقدر ما كانت تُقاس بقدرتها على النفاذ إلى دوائر صنع القرار في اللحظة الحرجة.
لذا، فإن مشاركة الصفدي في جلسة الإحاطة الأمنية حول أوضاع المنطقة فعل سياسي محسوب بدقة، لا مجرد حضور خطابي عابر.
واعتبر أن المجلس كالمختبر لصناعة المواقف الدولية، ففيه تُختبر السرديات، وتُعاد صياغة الأولويات، وتُرسم حدود الحركة الدبلوماسية للدول، موضحا أن أولى الدلالات السياسية لهذه المشاركة تمثلت بإعادة إدراج القضية الفلسطينية في صدارة جدول أعمال الأمن الدولي، بوصفها مسألة استقرار إقليمي ودولي، لا ملفا إنسانيا معزولا.
وأشار الدعجة إلى أن الأرقام المرتبطة بالمشهد الميداني تعكس حجم الكارثة وتعقيداتها؛ فقطاع غزة شهد العامين الماضيين معدلات غير مسبوقة من الضحايا المدنيين ودمارا واسعا، وتضرر وتدمير مئات الآلاف من الوحدات السكنية، ونزوح أكثر من مليون ونصف مليون داخليا في ذروة الحرب عليه، مؤكدا أن هذه المعادلة الرقمية لا تعكس أزمة إنسانية حسب، بل ولّدت بيئة خصبة لعدم الاستقرار طويل الأمد.
وامتد تحليله إلى الضفة الغربية، إذ تسارعت وتيرة الاستيطان وفق بيانات دولية وأخرى رسمية للاحتلال، والإعلان عن آلاف الوحدات الاستيطانية في عام واحد، إلى جانب تقنين بؤر استيطانية كانت تُصنَّف سابقا غير قانونية، حتى وفق قانون الاحتلال ذاته.
ورأى الدعجة أن هذا التمدد الجغرافي قوض عمليا مقومات الدولة الفلسطينية القابلة للحياة، وأضعف الأساس التنفيذي لحل الدولتين الذي أكدت عليه قرارات دولية متعاقبة، ما جعل من طرح هذه الوقائع أمام مجلس الأمن محاولة لإعادة تعريف الصراع باعتباره جوهر أزمة الاستقرار في المنطقة.
واعتبر بأن الدلالة الثانية كانت أمنية إستراتيجية بامتياز، موضحا بأن الأردن الدولة الأكثر تماسكا جغرافيا وديموغرافيا مع الضفة، فهو يستضيف ملايين اللاجئين الفلسطينيين منذ العام 1948، وأي تصعيد واسع يحمل احتمالات نزوح جديدة في ظل واقع اقتصادي إقليمي معقد.
ولفت إلى أن التجربة الإقليمية أثبتت أن الانفجارات غير المضبوطة للصراعات لم تبق في حدودها، بل امتدت تداعياتها للدول المجاورة.
من هنا، فطرح هذه المعادلة أمام مجلس الأمن ينقل الملف من إطار التضامن السياسي إلى مستوى حسابات الأمن القومي المباشر.
وبيّن الدعجة أن الدلالة الثالثة قانونية معيارية، فأكثر من 140 دولة اعترفت بدولة فلسطين، وأن الجمعية العامة للأمم المتحدة منحت فلسطين وضعا متقدما بأغلبية كاسحة، كما أن قرارات مجلس الأمن نفسها اعتبرت الاستيطان غير شرعي وفق القانون الدولي، مبينا أن استدعاء هذه المرجعيات في المجلس يرسخ الخطاب الأردني في إطار الشرعية الدولية، وحوّل الموقف من رأي سياسي لاستناد قانوني مؤسسي يصعب الطعن به، ما يعزز قوة الطرح الأردني في مواجهة محاولات تهميش القضية أو اختزالها.
وأوضح أن الدلالة الرابعة تتصل بمدينة القدس، مؤكدا أن أي تغيير في وضعها التاريخي والقانوني يحمل تداعيات دينية وسياسية عابرة للحدود، مشيرا إلى أن الأردن، بحكم الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، تحمل مسؤولية مباشرة في حماية هذا الوضع.
ورأى الدعجة بأن أول انعكاس تمثل بتثبيت الموقف الأردني ضمن السجل الرسمي للأمم المتحدة، بحيث تحول كل رقم ذُكر وكل توصيف اعتمد لمرجعية أمكن البناء عليها في بيانات لاحقة أو مواقف جماعية، معتبرا بأن هذا التراكم المؤسسي رفع كلفة تجاهل الوقائع ومنح الحراك الأردني بعدا استداميا، مؤكدا أن الانعكاس الثاني ارتبط بقدرة الأردن على مخاطبة مختلف مراكز الثقل الدولي، إذ منحت علاقاته المتوازنة مع القوى الكبرى مساحة حركة في بيئة دولية مستقطبة.
وعندما ربط بين استمرار الصراع والخسائر الاقتصادية الإقليمية قدرت بمليارات الدولارات سنويا، نتيجة تعطل الاستثمار والتجارة وتراجع الاستقرار، فإنه خاطب لغة المصالح الإستراتيجية بقدر ما خاطب لغة المبادئ، مما عزز فرص التفاعل الدولي مع الطرح الأردني.
وأضاف، إن الانعكاس الثالث تمثل بتعزيز موقع الأردن كفاعل إقليمي متزن وصلب في الوقت ذاته، بخطاب قام على تطبيق القانون الدولي وإنهاء الاحتلال كمدخل وحيد للاستقرار المستدام، دون انفعال أو مزايدة، مبينا أن هذا التموضع عزز حضوره في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مقبلة، سواء في مسارات إعادة الإعمار أو في إطلاق عملية سياسية جديدة.
وأضاف الدعجة، إن الانعكاس الرابع كان أمنيا بعيد المدى، إذ أكدت التجربة التاريخية أن كل جولة تصعيد في الأراضي الفلسطينية لها ارتدادات إقليمية واسعة، من الانتفاضات إلى موجات عنف ممتدة، وحين وضع الأردن هذه الخبرة أمام مجلس الأمن، استند إلى سجل وقائع لا إلى افتراضات، مؤكدا أن إدارة الصراع دون حل جذري تعني إعادة إنتاجه بكلفة أعلى سياسيا وأمنيا واقتصاديا.
وشدد الدعجة على أهمية مشاركة الصفدي، لافتا إلى أنها لم تكن حدثا عابرا في روزنامة العمل الدولي، بل شكلت خطوة محسوبة ضمن إستراتيجية أردنية، تهدف لإعادة توجيه البوصلة الدولية نحو جذور الصراع لا أعراضه.
وأكد أن الأردن قدم قراءة استندت إلى أرقام موثقة ومرجعيات قانونية وحسابات أمن قومي واضحة، وأعاد التأكيد أن استمرار الوضع الراهن لم يكن خيارا قابلا للاستدامة، وأن الحل السياسي العادل لم يكن مطلبا أخلاقيا حسب، بل ضرورة للمجتمع الدولي بأسره، وبهذا الفهم أمكن إدراك عمق الدلالات السياسية والدبلوماسية لتلك المشاركة، وانعكاساتها على دور الأردن في حشد المواقف الدولية وتعزيز حضوره الإقليمي.