الغد
أورين زيف* - (مجلة 972+) 9/9/2029
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
بينما يعكف الجيش الإسرائيلي على تدمير أنابيب المياه ويصادر سيارات الفلسطينيين، يمارس المستوطنون من البؤر الاستيطانية في غور الأردن أنواعاً من الإرهاب بحق عائلات الرعاة، ويجبرون العشرات منها على الرحيل.
كنتُ قد التقيت في بداية العام راعي الماشية الفلسطيني توفيق الحاج قاسم وقطيعه الذي يضم 500 رأس من الأغنام -بعضها مزين بأشرطة ملونة- عند قمة جبل طمّون في الضفة الغربية المحتلة. وعلى مدى أكثر من 50 عاماً، كان الحاج قاسم يسلك بانتظام الطريق من قريته، خربة عاطوف الواقعة في شمال غور الأردن، ويصعد الجبل سيراً على الأقدام في رحلة تستغرق ساعة ونصف الساعة، ليصل إلى مساحة خضراء شاسعة ومفتوحة حيث يرعى قطيعه لبضع ساعات ثم يعود إلى منزله.
عندما قابلته في تلك المرة، كانت إسرائيل قد أعلنت مسبقاً عن خطط لإقامة ما تسمّيه "الخيط القرمزي"، وهو حاجز فصل جديد داخل الضفة الغربية يُفترض أن يمتد في نهاية المطاف لنحو 300 ميل، من مرتفعات الجولان المحتلة إلى البحر الأحمر، ما يعني فعلياً ضم عشرات الآلاف من الدونمات من الأراضي الفلسطينية. وكانت الخطط جارية أيضاً لإقامة بؤرة استيطانية جديدة على القمة. ولكن لم يكن هناك في كانون الثاني (يناير) أي أثر للمستوطنين على الجبل بعد. وقال لي الحاج قاسم في ذلك الوقت: "هذا الجبل هو المكان الوحيد الذي أستطيع أن أتنفس فيه، والمكان الوحيد الذي يُسمح لي فيه بالرعي".
الآن، بعد ثمانية أشهر، تغير الوضع على الأرض بصورة جذرية. دخل بناء الحاجز مرحلة التنفيذ المكثف. وأدى ذلك -إلى جانب الضغوط المستمرة التي يمارسها المستوطنون والجيش- إلى إجبار عشرات العائلات على الرحيل. كما أصبحت تجمعات فلسطينية كاملة عالقة شرق الحاجز، تكافح لإدخال الغذاء والمياه أو الوصول إلى القرى والبلدات المجاورة للحصول على الخدمات الأساسية.
ومن بؤرة استيطانية جديدة على جبل طمّون تُعرف باسم "تمون"، يتجول مستوطنون في الزي العسكري في المنطقة الآن، ويمارسون الترهيب بحق السكان الفلسطينيين -بل إن أحدهم يقود عربة "هامفي" عسكرية. وهذه البؤرة هي واحدة من 19 مستوطنة أعلن وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، عن إقامتها العام الماضي -من بينها مستوطنتا "غانيم" و"كاديم"، وهما مستوطنتان في الضفة الغربية كانتا قد أُخليتا خلال "فك الارتباط" الإسرائيلي عن غزة في العام 2005.
قال لي الحاج قاسم عندما عدت في آب (أغسطس): "لقد تغير كل شيء. نحن تحت الحصار، عالقون بالقرب من منازلنا. لا نستطيع الصعود إلى الجبل؛ ولا يمكننا رعي الأغنام إلا حول المنزل في شريط ضيق يقع ضمن المنطقة (ب)" -في إشارة إلى الجزء من أراضي الضفة الغربية الواقع اسمياً تحت السيطرة المشتركة الإسرائيلية - الفلسطينية.
كانت آخر مرة تمكن فيها الحاج قاسم من رعي قطيعه على الجبل في أوائل شباط (فبراير). وقال مستذكراً: "وصل مستوطنون يرتدون الزي العسكري. في هذه الأيام، من المستحيل معرفة ما إذا كانوا من الجيش أم من المستوطنين. وقد أمسكوا بي ذات مرة وقالوا إنني ممنوع من الرعي هناك، وأن هذه الأرض تعود مُلكيتها إلى يعقوب [النبي المذكور في الكتاب المقدس]".
كما تعرض ابنه الأكبر للاعتداء بعد بضعة أشهر. وقال: "صعد إلى المراعي في أيار (مايو)، على بُعد بضع مئات من الأمتار فقط من المنزل، فاعتدى عليه مستوطنون كانوا يستقلون سيارة جيب وضربوه.
وأضاف الحاج قاسم: "أشعر بالاكتئاب والإحباط. أصبحنا الآن مضطرين إلى شراء العلف للأغنام، وهو شيء نادراً ما كنا نضطر إلى فعله في الماضي. هذه من أصعب الأمور -أن تُمنع من الوصول إلى أرضك أنت".
الاستيلاء على سلة غذاء الضفة الغربية
يأتي التغيير الذي طرأ على جبل طمّون في إطار جهد أوسع بكثير لإعادة تشكيل غور الأردن. وكان قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، اللواء آفي بلوت، قد وقّع في نهاية آب (أغسطس) من العام الماضي تسعة أوامر لمصادرة الأراضي من أجل إنشاء المقطع من جدار الفصل الذي يمر عبر شمال غور الأردن -ويشق جبل طمّون مباشرة.
يمتد الحاجز الجديد من "حاجز تياسير" في الشمال إلى "حاجز الحمرا" في الجنوب، وسيتألف أساساً من طريق دوريات عسكرية معبّد بمحاذاة "حاجز طبيعي"، تدعمه في بعض المقاطع خنادق وسواتر ترابية. كما سيربط الطريق البؤرة الاستيطانية المعروفة باسم "مزرعة موشيه"، التي فرض عليها المجتمع الدولي عقوبات، ببؤرة "تسفي هأوفاريم".
والهدف المعلن لمشروع "الخيط القرمزي" هو منع تهريب الأسلحة عبر الحدود الشرقية للضفة الغربية مع الأردن، وإحباط الإرهاب. وقال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي لموقع "مجلة 972+"، رداً على استفسار، إن المشروع "يستند إلى حاجة أمنية واضحة لمنع مرور المركبات من دون رقابة من غور الأردن إلى قلب يهودا والسامرة".
لكن الحاجز سيعزل، عملياً، غور الأردن عن بقية الضفة الغربية، ويقطع وصول الفلسطينيين إلى عشرات الآلاف من الدونمات من الأراضي الزراعية وأراضي الرعي، في ما سيُسرّع تهجير تجمعات تتعرض مسبقاً لضغوط شديدة من المستوطنين والجيش. وقال عبد الله بشارات، رئيس مجلس عاطوف المحلي، لموقع المجلة إن المنطقة تُعتبر من أكثر المناطق الزراعية إنتاجية في فلسطين.
وقال بشارات: "هناك آلاف الدونمات المزروعة بالبطاطا هنا. وما يُزرع هنا يكفي لتلبية احتياجات الضفة الغربية بأكملها". وأضاف، إن المنطقة توفر فرص عمل لنحو 3.000 إلى 4.000 عامل، معظمهم من عائلات في محافظة طوباس، وإن "الأمن ليس سوى ذريعة للاستيلاء على الأرض".
بحسب بشارات، سوف يقتطِع الطريق العسكري الذي سيمتد بمحاذاة الحاجز وحده نحو 1.000 دونم من أراضي القرية. ويقدِّر أن الفلسطينيين ربما يفقدون، بعد اكتمال الحاجز، إمكانية الوصول إلى نحو 83 في المائة من مساحة السهل البالغة 69.000 دونم.
وقال بشارات: "لا أمل لدينا في أن تكون هناك أي ترتيبات تتيح الوصول إلى الأرض". وأضاف، إن الغرض الحقيقي من المشروع هو "طرد التجمعات من أراضيها، والاستيلاء على المناطق الزراعية، وتدمير الزراعة [الفلسطينية] في المنطقة تدميراً كاملاً. إنها حرب على الحقول والأشجار والناس". ويرى بشارات أن المستوطنين الذين يتجولون الآن في جبل طمّون هم جزء من العملية نفسها. وقال: "إنهم يهددون الناس لإجبارهم على الرحيل، ويضايقونهم، تماماً كما يفعل الجيش. لا فرق بينهم وبين الجيش".
محاصرون بين حاجزين
يقع تجمع "خربة رأس الأحمر" في معظمه شرق الحاجز الذي يجري بناؤه حالياً، والذي يتخذ في هذه المرحلة شكل خندق ترابي يستحيل على المركبات عبوره. وتم إجبار 13 عائلة من أصل 70 عائلة في التجمع على الرحيل خلال الأشهر الأخيرة، بعد أن ألحق الجيش أضراراً بأنابيب المياه أو قطعها -في بعض الحالات عمداً- أثناء بناء الحاجز.
وكان التجمع يعاني أصلاً من خنق تدريجي. في أوائل العقد الأول من الألفية، وأثناء الانتفاضة الثانية، أقامت إسرائيل حاجزاً من السواتر الترابية بمحاذاة طريق ألون، شرق خربة رأس الأحمر، والذي فصَل غور الأردن عن جبل طمّون. أما الحاجز الجديد فيُبنى غرب القرية في ما يؤدي فعلياً إلى محاصرتها بين الحاجزين.
مع تقدم أعمال البناء يصبح إدخال المياه والأعلاف للحيوانات أكثر صعوبة يوماً بعد يوم. ويضطر السكان إلى سلوك طرق جبلية وعرة، حيث يواجهون خطر إيقافهم أو الاعتداء عليهم من جانب المستوطنين والجنود، ومصادرة مركباتهم؛ وقد صادر الجيش بالفعل عدداً منها زاعماً أنها استُخدمت في "نشاط إجرامي". وفي أوائل آب (أغسطس)، أوقف مستوطن مركبة رباعية الدفع كانت تنقل خزان مياه إلى إحدى العائلات وأمر سائقها بتفريغ الخزان.
يقول السكان إن مستوطناً يُعرف باسم "حاييم" يقوم بانتظام بدوريات في المنطقة في سيارة جيب عسكرية ويضايقهم. وفي 26 آب (أغسطس)، أرسل المحامي توفيق جبارين، الذي يمثل السكان والمجالس المحلية في التماس تم تقديمه ضد الحاجز، مقطع فيديو إلى الجيش يُظهر رجلاً يرتدي الزي العسكري يترجل من مركبة عسكرية ويُتلف أنبوب مياه في المنطقة (ب)، بالقرب من الحاجز، ولكن خارج منطقة البناء. وفي رد الدولة على الالتماس، أصر الجيش على أنه "لا يوجد ما يحول دون إصلاح أنابيب المياه على الفور".
وبعد أن طلب جبارين من الدولة الأسبوع الماضي توضيح وضع المياه، قالت السلطات إن مسؤولين أجروا جولة في المنطقة مع مكتب التنسيق والارتباط التابع للسلطة الفلسطينية لتسهيل أعمال الإصلاح. لكن تنسيق الإصلاحات جرى، وفقاً لجبارين، في نقطة واحدة فقط من النقاط الثماني المتضررة.
وكتب جبارين في التماس منفصل إلى الجيش: "هذه أفعال جنائية خطيرة. اليد اليمنى توافق على إصلاح الأنابيب بينما تقوم اليد اليسرى بتخريبها".
وفي مذكرة قضائية لاحقة، وصف جبارين حادثة أخرى تورط فيها الرجل نفسه. وكتب: "منع جندي يُدعى حاييم المستدعي رقم 9 [أحد السكان الفلسطينيين] من جلب المياه باستخدام جراره". وأضاف، إنه في صباح يوم 29 آب (أغسطس)، "اتصل حاييم نفسه بالمستدعي رقم 9 من رقم محجوب وهدده، قائلاً إنه ممنوع من جلب المياه عبر ’عين شبلي‘ [قرية تقع جنوب المنطقة، بالقرب من حاجز الحمرا] أو عبر تمّون". وأبلغ المواطن عن الحادثة مكتب التنسيق والارتباط الفلسطيني، الذي اتصل بدوره بنظيره الإسرائيلي، لكنه لم يتلقَّ أي رد.
وردّت الدولة بأنه، في حالة المستدعي رقم 9، "تم الاتفاق على أن يسمح مكتب التنسيق والارتباط الإقليمي للمستدعي بالسير على الطريق المحاذي للحاجز باتجاه حاجز "مَغِن تيرتسا"، ونقل خزانَي مياه إلى المنطقة كل يوم". لكن السكان يقولون أن الجنود والمستوطنين يواصلون، عملياً، منعهم من القيام بذلك.
على الرغم من هذه الإفادات، وما شاهده مراسل "مجلة 972+" خلال جولة في المنطقة، قال مكتب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي إنه "لم يتم تقديم أي شكاوى بشأن نقص المياه". وأضاف، إن "الأنبوب المعني كان موصولاً ببساتين تقع داخل منطقة إطلاق نار، في انتهاك للقانون ولأمر عسكري صادر بشأن المنطقة. ويعمل الجيش الإسرائيلي على الحفاظ على الحياة الطبيعية في المنطقة، ويأسف لأي أضرار تلحق بها".
"نحن نعيش في سجن"
مع استمرار أعمال بناء حاجز الفصل الجديد بوتيرة متسارعة، تؤدي القيود الإسرائيلية المفروضة على طرق وصول الفلسطينيين في المنطقة إلى تحويل حتى المسافات القصيرة إلى رحلات شاقة.
يعيش ثائر بشارات، البالغ من العمر 35 عاماً، في خربة رأس الأحمر، على بُعد أقل من كيلومتر واحد من عاطوف. لكنّ الوصول إلى منزله يتطلب قيادة السيارة لمدة نحو 20 دقيقة عبر طرق صخرية، مروراً بالمساحة الوحيدة التي لم تبدأ فيها أعمال حفر الحاجز بعد -شريطة ألا يعمد المستوطنون أو الجيش إلى إغلاق الطريق.
وقال بشارات: "نحن نعيش في سجن. لا مياه لدينا، ولا ظروف معيشية لائقة، ولا أي مقومات للحياة. [في الشهر الماضي]، اعتدى الجيش على جاري وصادر ثلاث سيارات قال إنها كانت تُستخدم لأغراض إجرامية. وما الغرض الإجرامي في نقلك أطفالك أو زوجتك إلى الطبيب"؟
وأوضح ثائر أن العائلات التي ترحل تُجبر عموماً على بيع قطعانها لأنها تفقد إمكانية الوصول إلى أراضي الرعي. وقال: "إذا رحلْت، فإنك تبيع قطعانك. وإذا بقيت، فقد تموت".
ثمة من بين سكان خربة رأس الأحمر فلسطينيون سبق أن هُجّروا مرة من قبل. قبل نحو ستة أشهر أُجبر سكان "خربة يرزا" القريبة على الرحيل نتيجة حملة ضغوط متواصلة مارسها المستوطنون والجيش. وقال رامي المساعيد لـ"مجلة 972+": "رحلنا بعد اعتداءات شنها مستوطنون كانوا يرتدون زي الجيش، والذين أطلقوا النار وسرقوا الأغنام".
وقبل بضعة أشهر، وبعد صدور حكم قضائي سمح للسكان بالعودة، حاولوا الرجوع. وقال المساعيد مستذكراً: "جاء مستوطن وأوقفني وأطلق النار من بندقيته، فهربتُ". وعندما حاول السكان العودة مرة ثانية ووصلوا إلى خربة رأس الأحمر، كان المستوطنون مستعدين بانتظارهم. وقال المساعيد: "تبعوني، وأطلقوا النار على المنزل، ودمروا مركبة. اتصلنا بالجيش؛ فجاءوا وجمعوا الرصاص، وحتى الآن لم يحدث شيء".
لم تخلُ الحياة بعد التهجير من العنف. وأوضح المساعيد أنه قبل نحو شهر صادر الجيش مركباته ومركبات عدد من جيرانه، ولم يتمكنوا حتى الآن من جمع ما يكفي من المال لدفع الغرامات المطلوبة لاستعادتها. وخلص المساعيد إلى القول: "لا يوجد مكان آمن".
لا يقتصر الضرر على الذين يعيشون شرق الحاجز الجديد. في الجانب الغربي منه مباشرة يعيش فلسطيني طلب عدم الكشف عن اسمه خشية تعرضه لمضايقات المستوطنين. وهو أيضاً لاجئ سبق أن هُجّر من تجمع آخر في شمال غور الأردن. وبعد إقامة بؤرة استيطانية بالقرب من منزله السابق، فرّ من المكان واشترى عدة عشرات من الدونمات في موقع آخر، فإذا بالحاجز الجديد يُشاد بمحاذاة أرضه.
وفي الأسبوع الذي سبق كتابة هذه السطور هدمت الإدارة المدنية خزان المياه الخاص به، وكان يقع في المنطقة (ج). وعلى الرغم من أن خيامه تقع في المنطقة (ب)، حيث يُفترض أن السلطة الفلسطينية تتولى المسؤولية عن الشؤون المدنية، قال إن السلطات الإسرائيلية هددته بهدمها أيضاً.
وما يزال الالتماس الذي يطعن في إقامة الحاجز منظوراً أمام المحكمة.
في الرد على طلب "مجلة 972+" التعليق، زعم متحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن "قوات الأمن، في إطار أنشطة إنفاذ استباقية في المنطقة، تعمل على منع الدخول إلى مناطق إطلاق النار، وهي مناطق ضرورية للتدريب والعمليات العسكرية. وفي إطار هذه العمليات، تُتخذ إجراءات لضبط المتسللين، وإخلاء شاغلي الأراضي غير المصرح لهم، وهدم المنشآت غير القانونية، ومصادرة المركبات المستخدمة في انتهاك الأوامر والإجراءات المعمول بها في المنطقة".
*أورين زيف Oren Ziv: مصور صحفي ومراسل لموقع "لوكال كول"، وأحد الأعضاء المؤسسين لتجمع المصورين "أكتيفيستيلز".
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Israel’s new West Bank separation wall closes in on Palestinian communities