الدستور
««إسرائيل» تقتل الأطفال في غزة، وليس ذلك نتيجة أخطاء عارضة أو أضرار جانبية؛ بل هو نمطٌ متكرر من الاستهداف المباشر يرقى إلى جريمة دولية مكتملة الأركان». فرانشيسكا ألبانيزي (مقررة الأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة).
لا تقتصر ممارسات الكيان الصهيوني المجرم في قطاع غزة على استهداف المدنيين من أطفال ونساء، أو تدمير البنى التحتية ومقومات الحياة الأساسية هناك، بل تتعدى ذلك إلى استهداف المستقبل نفسه؛ حيث تُنفَّذ سياسة مُمَنْهجة تسعى لاجتثاث مقومات البقاء، وحرمان الأجيال القادمة من حقها في الحياة.
كشفت ثلاثة تقارير موثقة - صادرة عن منظمات: «أطباء من أجل حقوق الإنسان»، و»العيادة العالمية لحقوق الإنسان»، إضافة إلى «لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة»، نُشرت على التوالي بين سبتمبر 2025 وشهر يناير 2026 - عن واقع مأساوي يشير إلى تحوّل قطاع غزة إلى مقبرة للنساء الحوامل، ضمن استراتيجية تستهدف منع الإنجاب كأداة من أدوات التطهير العرقي الممنهج. وتدعم هذه الاستنتاجات بيانات صادمة؛ حيث وثقت وزارة الصحة الفلسطينية خلال النصف الأول من عام 2025 تراجعًا بنسبة 41% في معدل المواليد مقارنة بمستويات عام 2022، وهو انخفاض لا يعكس خيارات طوعية للأسر، بل يمثل نتيجة حتمية للمجاعة المتعمدة، والصدمات النفسية الجماعية، والتدمير الممنهج للمنظومة الصحية في القطاع. وخلال شهري مايو ويونيو من العام ذاته، تعرضت أكثر من 2,600 امرأة لحالات إجهاض، بينما فقدت 220 امرأة حياتهن جراء مضاعفات الحمل والولادة، في ظل تصنيف واحدة من كل ثلاث حالات حمل في غزة حاليًا بأنها حالة عالية الخطورة.
تتجاوز هذه المأساة الإنسانية مجرد الإحصاءات الرقمية، لتتجسد بشكل صارخ في الشهادات الموثقة التي جمعتها منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان من النساء المتضررات مباشرة. تروي «مسار» كيف توقفت انقباضات المخاض لديها فجأة نتيجة الرعب الشديد الذي أصابها أثناء القصف الجوي، بينما تسرد «مها» معاناتها حين انتُشلت من تحت ركام منزلها المدمر خلال شهرها الرابع من الحمل، لتخضع لاحقًا لعملية جراحية بتخدير جزئي بسبب نقص الإمدادات الطبية الحاد، قبل أن تفقد جنينها في نهاية المطاف. وتتكرر المعاناة في قصص النساء اللواتي اضطررن لقطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام أثناء المخاض، متفاديات نيران القناصة في محاولة يائسة للوصول إلى مستشفيات قد تفتقر لأبسط مقومات الاستقبال. وعند وصولهن، كثيرًا ما يُطلب منهن مغادرة المستشفى بعد ساعات قليلة فقط من إجراء عمليات ولادة قيصرية، ليجدن أنفسهن مضطرات للإقامة في خيام غير ملائمة صحيًّا نظرًا لغياب البدائل.
حين تعاني الأمهات من سوء التغذية الحاد، ويَحُول البرد القارس دون قدرتهن على إرضاع أطفالهن طبيعيًّا، وحين تعيق نقاط التفتيش العسكرية وصول الحليب الصناعي للرضع، يصبح وجود شعب بأكمله عُرضة لخطر الفَناء. وتخلص التقارير الصادرة عن لجنة التحقيق الأممية ومنظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان إلى أن هذه الكوارث الإنسانية لا تمثل أحداثًا عشوائية، بل تشكل نمطًا موثّقًا من الاستهداف الممنهج للمنشآت الصحية المتخصصة في رعاية الحمل والولادة. ففي الشهر الأول من حملة الإبادة، تعرضت عيادة بسمة لأطفال الأنابيب، التي كانت تُعد أكبر مركز للخصوبة في قطاع غزة، لهجوم مباشر أسفر عن تدمير خمسة آلاف عينة من الحيوانات المنوية والأجنة المجمدة، وبذلك تم القضاء على أحد آخر معاقل الأمل في الإنجاب. كما تعرضت وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة في مستشفى كمال عدوان للقصف والتدمير الكامل، ما أدى إلى تحطيم الحاضنات وإتلاف المعدات الحيوية، في الوقت الذي كان فيه أطفال خُدّج يخوضون معركة البقاء على قيد الحياة.
يؤكد تقرير لجنة التحقيق الأممية أن الإجراءات الصهيونية المتمثلة في حظر وصول الأدوية الأساسية، وتدمير أقسام الولادة والرعاية الصحية، واستخدام الحصار الغذائي كسلاح، تشكل في مجملها فرضًا متعمدًا لظروف معيشية تهدف إلى الإبادة الجماعية. ووفقًا لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها؛ فإن فرض تدابير تستهدف منع الولادات داخل جماعة معينة يُعتبر عملًا جوهريًّا من عناصر جريمة الإبادة الجماعية.
إنها حرب ممنهجة تستهدف الأرحام ذاتها، بهدف تصفية المستقبل والحد من التكاثر الديموغرافي للفلسطينيين، وهي حرب تتعدى في جوهرها البُعد الإنساني المباشر المرتبط بمعاناة الأمهات، لتضرب الأساس الذي يمكّن الشعب الفلسطيني من بناء مستقبله واستعادة أرضه. أما الأطفال الذين ينجون من هذه الظروف الكارثية، فسيحملون تبعات هذه المجاعة والصدمات النفسية طوال حياتهم، وستمتد آثارها المدمرة عبر أجيال متعاقبة، متجاوزة بذلك حدود الجيل الحالي لتترك بصمتها العميقة على التركيبة الصحية والنفسية للمجتمع الفلسطيني برمته.