الدستور
كل عصر يختبر تعريفه للإنسان. غير أنّ عصرنا القادم لن يكتفي بالسؤال الممحص، بل سيضع مشرطه في اللحم والعصب. فما كان يوما خيالا علميا ها هو قد طرق أبوابنا وصار بيننا: ذاكرة ممتدة إلى السحابة، عيون ترى بخوارزميات، وأطراف تُشحَن بالكهرباء. كأن الإنسان يخرج من جلده ليعيد اختراع نفسه بأدوات لم يحلم بها أسلافه. والقادم قد يكون مختلفا تماما عما نألفه.
سيطلق على تلك المرحلة اسم النهضة السايبورغية (Cyborg Renaissance)، أي لحظة اندماج الإنسان بالتكنولوجيا بحيث لا تعود امتدادا خارجيا، بل جسدا ثانيا وعقلا آخر. عندها سيولد الإنسان المُعزَّزُ: نصفه بشري ونصفه آلي. جسده مشروع ومفتوح للتعديل والتحسين، وهويته يجتاحها تحديث متواصل. طفولة جديدة تُكتب في خوادم سحابية لا في ذاكرة الأمكنة. فما معنى الجسد حين تُشحَن أطرافه بالكهرباء؟ وما معنى الهوية حين تُدار كسلسلة من البرمجيات؟
في ذلك العالم القريب ستتلاشى الحدود بين الطبيعي والمصطنع، وتطل الأسئلة القاسية الحادة: هل نتحرر من أسر البيولوجيا، أم نستسلم طوعا لبرمجيات تعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا؟ ومن يمسك بالخيط الذي يوجّه الخوارزمية؟ وما معنى الوعي حين تتخذ الآلات قرارات نيابة عنا؟
ومع أن ذلك المشهد يثير رهبة والفزع، إلا أنه سيمنحنا فرصة فريدة على ما أعتقد: أن نعيد تعريف أنفسنا. ليس ككائنات متعالية على الكون، بل كوجود متحرك يعيد رسم حدوده في كل لحظة. وسنقف عن لحظة صدق تجبرنا على مواجهة المنعطف الأصعب: من نكون حين لا نكون وحدنا؟
وربما أخطر ما ستكشفه تلك النهضة ليس قدرتها على تغيير أجسادنا، بل سطوتها على إعادة صياغة أحلامنا. فحين يتعلم الجسد أن يتجاوز عجزه بالدوائر الإلكترونية، ويتقن العقل كيف يوسع ذاته بالذاكرة الاصطناعية، سيغدو الحلم نفسه قابلا للتعديل. أي إننا لن نعود قادرين على أن نغيّر ما نملك فقط، بل نغيّر ما قد نجرؤ على أن نحلم به.
المستقبل لم يعد وعدا بعيدا؛ صار نابضا تحت الأصابع، مزروعا في العصب، محشوا في تفاصيل الحياة اليومية. ومع ذلك، يبقى سؤال الإنسان أكبر من أي إجابة برمجية. فالتقنية ستُتقن كل شيء إلا أن تشعر وتحس وتحلم.
فهل سنستطيع صون هشاشتنا وسط ذلك البريق الغامض؟ وهل سنملك الشجاعة لنمضي في درب قد نفقد فيها ظلنا، ونحن نرنو أن نعرف كيف نصبح أكثر من بشر، وأقل من آليين؟
هذا قد يبدو مخيفا لكنه قادم.