الدستور
إن وحشية الحرب على غزة أجبرت العالم على أن ينظر عن كثب - عبدالله الثاني ابن الحسين.
نشرت مجلة حلّ النزاعات (Journal of Conflict Resolution)، وهي مجلة أكاديمية تابعة لجامعة ميريلاند ومتخصصة في دراسة النزاعات الدولية والعلوم السياسية، دراسة بعنوان:
Black Box Warfare: Human Judgment and Military Decision-Making in the Age of AI
أي: «حرب الصندوق الأسود: الحكم البشري واتخاذ القرار العسكري في عصر الذكاء الاصطناعي».
تناولت الدراسة الكيفية التي يتخذ بها الجنود الصهاينة قرارات تتعلق بالهجمات العسكرية، في ظل التوسع المتزايد في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري. وشملت 2025 جنديًا صهيونيًا، ممن يخدمون أو سبق لهم أن خدموا في جيش الاحتلال، وعُرضت عليهم سيناريوهات تحاكي ضربات عسكرية مفترضة على غزة ولبنان. وكانت الشاشة تعرض أمامهم مجموعة من المعلومات، من بينها صورة الهدف، ووسيلة الهجوم المقترحة، والأضرار الجانبية المتوقعة، ودرجة الثقة في المعلومات المتاحة.
قسّم الباحثون المشاركين إلى مجموعتين، وعرضوا على كلتيهما السيناريوهات نفسها، مع اختلاف واحد جوهري: أُبلغت المجموعة الأولى بأن التوصية صادرة عن نظام للذكاء الاصطناعي، في حين أُبلغت المجموعة الثانية بأنها صادرة عن محللين بشريين. ولم يكن هدف الباحثين مجرد معرفة مدى استعداد البشر لاتباع توصيات الخوارزميات، بل سعوا إلى ما هو أبعد من ذلك: تحديد العوامل التي تؤثر فعليًا في أحكامهم عندما يوضعون أمام قرار قد يتعلق بالحياة أو الموت.
وجاءت النتائج بشعة؛ إذ وافق الجنود، في المتوسط، على 65 % من الهجمات المقترحة، وهي نسبة مرتفعة ومخيفة، ويمكن قراءتها باعتبارها مؤشرًا على نزعة قوية نحو قبول القتل والدمار حتى عندما لا تفرضهما الضرورة. غير أن الأخطر من ذلك أن تأثير الذكاء الاصطناعي في قرارات المشاركين كان محدودًا، بل اختفى تمامًا عندما طُلب منهم تبرير اختيار الهدف. عندها برزت عوامل أخرى أكثر تأثيرًا؛ فوصلت نسبة الموافقة على الهجوم بدافع النزعة الانتقامية إلى 78 %، وارتفعت إلى 80 % عندما ارتبط القرار بتوجهات سياسية وأيديولوجية.
وهذا يعني أن النتائج تشير إلى أن جيش الاحتلال يقتل ويدمّر بدافع نزعة انتقامية، لا تحت تأثير غضب لحظي عابر. فالدراسة لم تقس انفعالًا آنيًا أعقب طوفان الأقصى مباشرة، وإنما أُجريت بعد مرور سنوات عليه، وهي مدة كان يُفترض معها أن تخفّ حدة المشاعر الانتقامية وتتراجع، إلا أن النتائج أظهرت أن هذه النزعة بقيت حاضرة بقوة في قرارات المشاركين.
وقد توصل الباحثون إلى قياس هذا التوجه من خلال ثلاثة أسئلة وُجّهت إلى المشاركين، تناولت، من بينها، ما إذا كانوا يرون وجود أبرياء في غزة، وما إذا كانوا يعتبرون أن لدى الكيان مبررًا للانتقام. ومن خلال إجاباتهم، استطاع الباحثون رصد مدى ارتباط القرارات العسكرية للمشاركين بالنزعة الانتقامية، بدلًا من أن تكون محكومة بالاعتبارات العسكرية أو بالمعلومات المتعلقة بالهدف وحدها.
وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من أنها تعيد النظر في تفسير شائع يُحمّل الذكاء الاصطناعي جانبًا كبيرًا من المسؤولية عن العدد الهائل من الضحايا، على أساس أن الخوارزميات هي التي تحدد الأهداف وتؤثر في قرارات الهجوم، وأنها، بحكم طبيعتها، لا تحركها مشاعر إنسانية ولا اعتبارات عاطفية. ولهذا انصبّ جانب كبير من النقاش سابقًا على الأسئلة والإشكاليات الأخلاقية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب، وعلى مخاطر إسناد قرارات قد تتعلق بالحياة والموت إلى خوارزميات لا تشعر ولا تتعاطف.
لكن نتائج الدراسة ترسم صورة أكثر خطورة؛ فالمشكلة، لا تكمن في الخوارزمية وحدها، بل في الإنسان الذي يتخذ القرار. فالجيش الصهيوني، وفق ما تكشفه نتائج الدراسة، تتأثر قرارات أفراده بدرجة كبيرة بمشاعر الكراهية والانتقام وبالتوجهات السياسية والأيديولوجية. وهنا تكمن المفارقة المرعبة: فالذكاء الاصطناعي الذي يُنتقد لأنه بلا عاطفة قد يبدو، في هذه الحالة، أكثر إنسانية من إنسان تدفعه عواطف الكراهية والانتقام إلى اتخاذ قرار القتل والتدمير.