تآكل الأمن العالمي.. حين يصبح الردع النووي آخر خطوط البقاء*حسن الدعجة
الغد
يشهد النظام الدولي في المرحلة الراهنة واحدة من أخطر لحظاته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فما كان يُنظر إليه لعقود بوصفه منظومة متكاملة لحفظ السلم والأمن الدوليين، بات اليوم يعاني من تآكل تدريجي أصاب قواعده القانونية، ومؤسساته السياسية، وآليات إنفاذه. ولم تعد الأزمات الدولية تُدار وفق قواعد القانون الدولي بقدر ما أصبحت تخضع لموازين القوة ومصالح القوى الكبرى، الأمر الذي أدخل العالم في مرحلة تتراجع فيها الثقة بالنظام الدولي، بينما ترتفع احتمالات الفوضى والصدامات المسلحة.
لقد تأسست منظومة الأمن الجماعي بعد عام 1945 على افتراض أن الأمم المتحدة ومجلس الأمن قادران على منع الحروب الكبرى واحتواء النزاعات قبل تحولها إلى صراعات شاملة. إلا أن التجربة العملية خلال العقود الأخيرة كشفت عن فجوة واسعة بين المبادئ النظرية والواقع السياسي. فكثير من القرارات الدولية بقيت حبراً على ورق، بينما عجز مجلس الأمن عن اتخاذ مواقف حاسمة في العديد من الأزمات بسبب استخدام حق النقض (الفيتو)، الذي تحول في كثير من الأحيان من أداة لحماية التوازن الدولي إلى وسيلة لتعطيل العدالة الدولية وشل الإرادة الجماعية للمجتمع الدولي.
ولم يعد الفيتو مجرد إجراء قانوني داخل مجلس الأمن، بل أصبح انعكاساً لانقسام القوى الكبرى وتنافسها الجيوسياسي. فكل أزمة دولية كبرى تكشف أن مصالح الدول دائمة العضوية تتقدم على مبادئ القانون الدولي، وأن حماية الحلفاء أو تحقيق المكاسب الاستراتيجية أصبحت في أحيان كثيرة أكثر حضوراً من حماية الأمن والسلم الدوليين. ومع تكرار هذا المشهد، تراجعت الثقة بقدرة الأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة على القيام بالدور الذي أنشئت من أجله.
وفي الوقت نفسه، يشهد العالم تصاعداً غير مسبوق في سباقات التسلح التقليدي، وعودة واضحة إلى سياسات القوة الصلبة. فقد ارتفعت الإنفاقات العسكرية إلى مستويات قياسية، وعادت مفاهيم الردع العسكري والتحالفات الأمنية إلى واجهة العلاقات الدولية، في ظل ازدياد عدد بؤر الصراع، واتساع نطاق الحروب بالوكالة، وتصاعد التوترات بين القوى الكبرى في أكثر من منطقة إستراتيجية حول العالم.
وسط هذه البيئة المضطربة، يبرز سؤال جوهري: ما الذي يمنع اندلاع حرب عالمية مباشرة بين القوى النووية؟
الإجابة تكمن في أن الردع النووي ما يزال يمثل، حتى الآن، العامل الأكثر تأثيراً في منع المواجهة العسكرية الشاملة بين الدول المالكة للأسلحة النووية. فمنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم تقع مواجهة مباشرة بين القوى النووية الكبرى، ليس بسبب فعالية النظام الدولي وحده، وإنما لأن تكلفة الحرب النووية أصبحت تتجاوز أي مكاسب سياسية أو عسكرية محتملة.
ويستند هذا الردع إلى مبدأ "التدمير المتبادل المؤكد"، الذي يقوم على قناعة جميع الأطراف بأن استخدام السلاح النووي سيؤدي إلى خسائر كارثية لجميع المتحاربين، بما يجعل الانتصار نفسه بلا معنى. ولهذا السبب أصبحت الترسانات النووية، على الرغم من خطورتها، تشكل في الوقت ذاته أحد أهم عوامل منع الحروب الكبرى بين القوى العظمى.
غير أن هذا الواقع لا ينبغي أن يُفهم باعتباره ضمانة دائمة للاستقرار، لأن الاعتماد المتزايد على الردع النووي يعكس في جوهره فشل المنظومة الدولية في إنتاج بدائل سياسية وقانونية أكثر فاعلية. فعندما تصبح القنبلة النووية هي الضامن الأخير للأمن العالمي، فهذا يعني أن أدوات الدبلوماسية، والقانون الدولي، والوساطة، والمؤسسات متعددة الأطراف، فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على إدارة الأزمات.
وتزداد خطورة هذا المشهد مع اتساع دائرة الدول النووية، وتطور تقنيات الصواريخ فرط الصوتية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية، والأسلحة السيبرانية، التي قد تؤدي إلى سوء تقدير أو أخطاء في الحسابات الاستراتيجية، بما يرفع احتمالات التصعيد غير المقصود. فالعالم لم يعد يواجه فقط خطر قرار سياسي باستخدام السلاح النووي، بل يواجه أيضاً احتمالات الأعطال التقنية، أو الهجمات الإلكترونية، أو سوء تفسير الإنذارات العسكرية.
وفي المقابل، تبدو مؤسسات الأمن الجماعي أقل قدرة من أي وقت مضى على مواكبة هذه التحولات. فالإصلاحات المقترحة داخل الأمم المتحدة لا تزال تراوح مكانها، بينما تتسع الفجوة بين بنية النظام الدولي التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية وبين موازين القوى التي يفرضها القرن الحادي والعشرون. كما أن استمرار امتيازات الدول دائمة العضوية بصيغتها الحالية يثير تساؤلات متزايدة حول مدى عدالة وفاعلية النظام الدولي في مواجهة التحديات الجديدة.
إن العالم يقف اليوم على حافة مرحلة شديدة الحساسية، تتراجع فيها قواعد الأمن الجماعي لصالح توازنات الردع النووي، ويتحول فيها الاستقرار من نتاجٍ للمؤسسات الدولية إلى نتيجة مباشرة للخوف المتبادل بين القوى الكبرى. وهذه معادلة قد تمنع الحرب الشاملة مؤقتاً، لكنها لا توفر سلاماً دائماً، لأنها تقوم على توازن الرعب أكثر مما تقوم على بناء الثقة.
إن الحفاظ على الأمن العالمي في المستقبل لن يتحقق بالاعتماد على الردع النووي وحده، مهما بلغت فعاليته في منع المواجهة المباشرة، بل يتطلب إعادة إحياء منظومة العمل الدولي، وتعزيز احترام القانون الدولي، وتطوير آليات أكثر فاعلية لتسوية النزاعات، وإطلاق إصلاحات مؤسسية تعيد للأمم المتحدة دورها بوصفها إطاراً جامعاً لإدارة الأمن الجماعي. فكلما ضعفت المؤسسات، ازدادت مكانة القوة، وكلما تراجع القانون، ارتفعت احتمالات الفوضى.
ويبقى التحدي الأكبر أمام المجتمع الدولي هو الانتقال من مرحلة "إدارة الخوف" إلى مرحلة "بناء الثقة". فالعالم لا يستطيع أن يراهن إلى الأبد على أن الردع النووي سيمنع الكارثة، لأن أي خلل في الحسابات أو أي سوء تقدير قد يحول هذا الردع من وسيلة لمنع الحرب إلى شرارة تشعلها. وعندها لن يكون الخاسر طرفاً واحداً، بل الإنسانية جمعاء.