رواية موت بلا جسد لمحمد الغزو.. قلق الوجود الإنساني في ظلّ سطوة التّقنية
الدستور-زينة غنيم
لم تعد الرّواية الأردنيّة مؤخّرًا مجرّد تصوير لتحوّلات المجتمع، وما قد يؤثّر فيه من عوامل سياسيّة، أو اقتصاديّة، أو اجتماعيّة حسب، بل غدت فِناءً رحبا لطرح تساؤلات الإنسان الكبرى، وسبر غور القضايا الّتي تتجاوز في كنهها تخوم المكان إلى آفاق فكريّة أوسع، وفي هذا المقام استطاعت كذا السّرديّة الأردنيّة أن تؤسّس حضورها بما تنتخبه من الموضوعات الجدليّة الّتي تنسجم ومعطيات الواقع المعاصر، دون النّأي عن الأصالة وما يومئ إليها من المعطيات الحضاريّة والثّقافيّة الّتي تسبغ بها تلك السّرديّة بعضا من عناصرها لا سيّما المكان بعدّه ذاكرة حيّة، وسجّلا تاريخيّا يعزّز مفهوم الهُويّة وأبعاده في ظلّ المعاصرة وما تجلبه من تحوّلات تطرأ على جوانبَ متعدّدة، فالمكان في الرّواية لا يقتصر دوره على رسم خلفيّة للأحداث، فقد يستحيل شخصيّات صامتة تسهم بشكل أو بآخر في تكثيف الدّلالة، وتشكيل الوعي.
ومن تلك الأمكنة الّتي ارتبط ذكرها بالجانب الحضاريّ والتّاريخيّ مدينة البتراء الّتي ظهرت في رواية «موت بلا جسد» رمزا لذاكرة الإنسان ومحاولاته لمقاومة الفَناء، فالنّاظر في تلك المدينة المنحوتة في الصّخر يعبر إلى طبقات بعيدة الغور تختزل تاريخا عريقا تشي أحداثه بتساؤلات الإنسان حول الوجود والبقاء، ومن هذا البعد الرّمزيّ استطاعت رواية «موت بلا جسد» أن تقيم حوارا بين الأصالة والمعاصرة، وبين عراقة الماضي وتحوّلات الحاضر، وهذا يحيل إلى طائفة من التّساؤلات الّتي تتبادر إلى ذهن الإنسان في ظلّ التّحوّلات التقنيّة المتسارعة.
وتتخّذ هذه الرّواية من العلاقة بين الإنسان والتّقنية مادّة لها، وتضع في الآن نفسه التّحوّل التّقنيّ في مواجهة الأسئلة الّتي تمثّل «الحجر القلق في النّصّ»، تلك الأسئلة الوجوديّة الّتي تأتّت من الوعي الإنساني بمآلات المصير، فما الّذي يبقى من الإنسان حين يفقد قدرته على الشّعور، وهل يمكن للعقل وحده أن يمثّل جوهر الوجود الإنسانيّ إذا غاب الجسد يعقبه الشّعور، ومن هنا يأتي عنوان الرّواية بعدّه عتبة دلاليّة مكثّفة، فالموت فيها ليس موتا للجسد، بل يكون موتا داخليا، أو غيابا للوعي والإرادة، وفي هذا العنوان مفارقة لافتة فالموت بمعناه الحقيقيّ يرتبط بفناء الجسد، أمّا هذه الرّواية فتبتدع ضربا جديدا من الموت الّذي يطرح جملة من التّساؤلات الوجوديّة.
ومن البدهي القول إنّ شخصيّات الرّواية تختزل توجّهاتها ومضامينها، وعليه؛ فحضور شخصيّة «مروان» في هذه الرّواية يُبِرِز حضور الإنسان المعاصر في تلك المنطقة الفاصلة بين الحضور المادّي والغياب المعنويّ، ليغدو رمزا جدليا يشي بحضور الجسد، وغياب إحساسه بالوجود الّذي يبدأ بالتّلاشي، لتصبح التّجرِبة الإنسانيّة مهدّدة بفقدان ما يعزّز قيمتها (الشّعور)، والرّواية هنا لا تجعل الصّراع بين الإنسان والآلة صراعا ظاهريّا حسب، بل تجعل منه صراعا داخليّا بين الإنسان ونفسه إبّان طائفة التّساؤلات الّتي تهيمن عليه، وهنا تجلّت حِنكة الرّواية في تحويل مسار الصّراع من الدّاخل إلى الخارج.
ثم إنّ هذه الرّواية لا تجعل من التّكنولوجيا «أداة» حسب، بل اتّجهت فيها إلى مساءلة الجانب المظلم منها، إذ أضحى التّطوّر التّقنيّ ممثّلا بالذّكاء الاصطناعيّ وسيلةً للهيمنة والسّيطرة، فـ «الظّل» في هذه الرّواية ليس شيئا مادّيا بل رمزا متعدّد الدّلالات، ويحيل إلى الخطر الخفيّ الّذي قد يتخّذ أنماطا متعدّدة تؤثّر في اختيارات الإنسان وتوجيه وعيه دون أن يشعر، وهنا تكمن أهميّة الرّمز، وما يدلّل على ذلك أنّ الخطر الحقيقيّ ليس في الآلة نفسها، وإنّما في اللّحظة الّتي يفقد الإنسان فيها قدرته على الاختيار، فالفخّ كما تبدّى في هذه الرّواية يرمز إلى كلّ ما يهيّئُ الإنسان إلى الاعتقاد بأنّه يمارس حرّيته، بينما هو يخضع لتوجيه خفيّ تمارسه منظومات ذكيّة قادرة على تحليل سلوكيّاته، ورغباته، وكذا التّأثير في قراراته، وفي اختفاء هذا الظّل استعادة الإنسان لإرادته ووعيه، وانتصار الإنسان على «الآلة» الّتي تفتقر إلى الشّعور.
إنّ «موت بلا جسد» لا تقدّم رؤية عدائيّة للتّقنية، بقدر ما تقدّم دعوة إلى التّأمّل في علاقة الإنسان بها فمهما بلغت «الآلة» من تطوّر إلّا أنّها تبقى بحاجة إلى الإنسان الّذي ابتدعها بوصفه كائنا لا ينفصل عن ذاكرته ووعيه وشعوره، وعليه؛ فتبدو هذه الرّواية محاولة سرديّة لاستشراف أسئلة المستقبل قبل أن تغدو واقعا معاشا، وهي كذا تضع المتلقّي أمام سؤال مركزيّ لا يتّصل بالتّقنية وحدها، بل بالإنسان نفسه، فإذا فقد الإنسان شعوره ووعيه وحرّيته، فهل يبقى إنسانا له كيانه، أم يصبح مجرّد حضور بلا حياة؟