عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Jul-2026

مؤثرو السوشال ميديا والفضائح.. سباق المشاهدات بلا خطوط حمر

 الغد-رشا كناكرية

 فضيحة تتبع الأخرى؛ هذا ما يتعمد بعض مؤثري السوشال ميديا نشره عبر صفحاتهم الخاصة اليوم في الفضاء الرقمي، بهدف حصد أعلى نسب مشاهدة، والتي ستكون بدورها البوابة التي يعبرون من خلالها إلى الإعلانات والربح المادي.
 
 
كل ذلك من دون اكتراث بشخصهم أو سمعتهم أو حتى بعائلاتهم ومكانتهم الاجتماعية، إذ يصبح تصدّر المشهد هو الأهم بنظرهم، وسط منافسة تقوم على "الفضيحة الأكبر"، ما يؤدي إلى فقدان الإنسان لقيمته كشخص.
فـ"كلما زادت الفضائح زادت الإعلانات"، هذه المعادلة الرقمية أصبحت نهجا يسير عليه العديد من مؤثري الوطن العربي، في محاولة لتحقيق الربح المادي، دون اعتبار لطبيعة المجتمع وقيمه.
والواقع أن هذه الطريقة أصبحت وسيلة للشهرة والحصول على المال، حيث تتراجع قيمة الشخص وكيانه، حتى وإن كان صاحب رسالة، أمام إغراء الربح المادي. وهنا يبقى السؤال: ما الأثر الذي ستتركه هذه الظاهرة على مجتمعاتنا العربية؟
من "منصات تواصل" إلى "اقتصاد الانتباه"
ومن جهته، يبيّن المستشار الإعلامي والمدرب المتخصص في التسويق والعلاقات العامة بشير مريش أن السبب الأساسي يعود إلى تحول السوشال ميديا من "منصات تواصل" إلى "اقتصاد الانتباه"، حيث أصبح معيار النجاح هو عدد المشاهدات والتفاعل، وليس جودة المحتوى أو أثره.
ويوضح أن هناك عدة عوامل تدفع المؤثرين إلى هذا الاتجاه، في مقدمتها العامل الاقتصادي؛ ففي كثير من الحالات يرتبط دخل المؤثر مباشرة بالمشاهدات، إذ تعتمد الإعلانات والرعايات والربح من المنصات على حجم الوصول.
وبناء على ذلك، يصبح المحتوى المثير أو الصادم وسيلة سريعة لتحقيق دخل أعلى خلال فترة قصيرة، مقارنة بالمحتوى التوعوي أو التعليمي الذي يحتاج وقتا أطول لبناء جمهور.
ثانيا، سرعة الانتشار مقابل بناء السمعة؛ إذ يفسر مريش أن المحتوى العادي يحتاج وقتا لبناء ثقة الجمهور، بينما تجد الفضائح انتشارا "فيروسيا" سريعا.
وهذا، وفق مريش، يغري بعض صناع المحتوى، خاصة في بيئة تنافسية عالية، حيث يشعر المؤثر أنه إذا لم يواكب الترندات الصادمة سيفقد حضوره.
ثالثا، ضغط الخوارزميات؛ إذ يدرك المؤثرون أن النظام الرقمي يكافئ التفاعل، لذلك يتجه البعض إلى ما يثير الجدل، لأن الجدل يعني تعليقات أكثر ومشاركات أكثر، وبالتالي وصولا أكبر.
حلقة إدمان التفاعل
أما في الجانب النفسي والاجتماعي، فإن بعض المؤثرين يدخلون في "حلقة إدمان التفاعل"، بحسب مريش، حيث يصبح عدد المشاهدات مقياسا للقيمة الشخصية، وهذا قد يدفعهم تدريجيا إلى تصعيد المحتوى نحو مستويات أكثر إثارة أو صدمة للحفاظ على نفس مستوى الاهتمام.
ومن جهة أخرى، يبيّن مريش أن الخوارزميات ليست حيادية تماما من ناحية الأثر، لأنها مبنية على هدف رئيس هو إبقاء المستخدم أطول فترة ممكنة داخل المنصة.
ويضيف أنه يمكن توضيح ذلك عبر عدة آليات؛ أولها أن التفاعل هو معيار الجودة، إذ إن الخوارزميات لا تقيّم المحتوى أخلاقيا بل رقميا، فأي محتوى يحقق مشاهدات أعلى، ووقت مشاهدة أطول، وتعليقات أكثر، وإعادة مشاركة، يُعد "محتوى ناجحا" ويتم دفعه لعدد أكبر من المستخدمين.
كما يتم تضخيم المحتوى المثير، إذ إن المحتوى الذي يثير مشاعر قوية مثل الصدمة أو الغضب أو الفضول يحصل عادة على تفاعل أعلى من المحتوى الهادئ، لذلك يتم دفعه تلقائيا إلى صفحات "For You" أو "Explore".
غياب فلترة القيم مقابل الأداء
وتؤدي دورة الانتشار التلقائي إلى أنه عندما يبدأ فيديو مثير بالانتشار، تقوم الخوارزمية بتجربته على عينات أكبر من المستخدمين، وإذا استمر التفاعل بالارتفاع يتم تضخيمه بشكل كبير، ما يؤدي إلى "تسونامي انتشار" حتى لو كان المحتوى غير دقيق أو ضارا، بحسب مريش.
وفي المقابل، يشير إلى غياب فلترة القيم مقابل الأداء، موضحا أنه رغم وجود سياسات للمحتوى، إلا أن التطبيق العملي غالبا ما يكون متأخرا مقارنة بسرعة الانتشار، ما يخلق فجوة بين "المسموح أخلاقيا" و"المكافأ خوارزميا".
وينوّه مريش إلى أن المسؤولية هنا مركبة ومشتركة بين ثلاثة أطراف: صانع المحتوى، المنصة، والمجتمع نفسه.
فصانع المحتوى هو الفاعل المباشر، وبالتالي يتحمل مسؤولية أخلاقية كبيرة، بمعنى أن استخدام الفضائح أو تشويه السمعة لتحقيق أرباح يعني تحويل الأشخاص إلى "وسائل" وليس "أفرادا لهم كرامة وخصوصية".
كما أن بعض المحتوى لا يقتصر على الإثارة فقط، بل قد يؤدي إلى أذى نفسي أو اجتماعي للأشخاص المتضررين، وهنا تصبح المسؤولية أخطر.
أهمية تعزيز المحتوى التوعوي
أما المنصات الرقمية، فهي ليست مجرد وسيط محايد، بل هي التي تصمم قواعد الانتشار، وتحدد ما يظهر للملايين، وتضبط آليات المكافأة. وعندما يكون النظام مبنيا على التفاعل فقط دون وزن حقيقي للجودة أو الأثر الاجتماعي، فإن ذلك يخلق بيئة "تدفع نحو الإثارة".
لكن في المقابل، يمكن للمنصات تعديل هذا السلوك عبر تقليل أولوية المحتوى المثير الضار، وتعزيز المحتوى التوعوي، وتحسين أنظمة الإبلاغ والمراجعة، وتقليل المكافأة على المحتوى المسيء.
ومن جانب آخر، لا يمكن إغفال دور الجمهور نفسه، لأن التفاعل هو الوقود الأساسي لهذه الدورة. فكل مشاهدة أو تعليق أو مشاركة لمحتوى يعتمد على الفضائح يساهم في رفع انتشاره، بحسب مريش.
بمعنى آخر، هناك "طلب" على هذا النوع من المحتوى، حتى لو كان غير مباشر، وهذا يخلق حلقة مغلقة: محتوى مثير، تفاعل جمهور، خوارزمية تدفعه أكثر، مؤثرون ينتجون المزيد منه.
غياب التوازن بين الانتشار والمسؤولية الأخلاقية
هذه الظاهرة ليست مجرد سلوك أفراد، بل نتيجة نظام كامل يقوم على اقتصاد الانتباه، حيث يتقاطع الربح المالي مع تصميم الخوارزميات وسلوك الجمهور وضغوط الشهرة الرقمية. والنتيجة، بحسب مريش، هي بيئة قد تكافئ "الصدمة" أكثر من "القيمة"، ما لم يتم تحقيق توازن بين الانتشار والمسؤولية الأخلاقية.
وبدورها، تبين خبيرة علم الاجتماع فاديا إبراهيم أنه من منظور علم الاجتماع، لا يمكن النظر إلى ظاهرة استغلال الفضائح في مواقع التواصل الاجتماعي على أنها مجرد أسلوب لجذب المشاهدات، بل هي انعكاس لتحولات أعمق في منظومة القيم والمعايير الاجتماعية التي تحكم العلاقات بين الأفراد.
ومع تصاعد تأثير المنصات الرقمية، أصبح الاهتمام والانتشار السريع يمثلان نوعا جديدا من رأس المال الاجتماعي والاقتصادي، ما دفع بعض صناع المحتوى إلى البحث عن أي وسيلة تضمن لهم البقاء في دائرة الضوء، حتى لو كان ذلك على حساب سمعة الآخرين وخصوصيتهم.
تراجع البعد الأخلاقي لصالح السوق الرقمي
وتشير إبراهيم إلى أن المنافسة الشديدة على المشاهدات والإعلانات أسهمت في تحويل بعض المحتويات المثيرة للجدل إلى سلعة رقمية قابلة للتسويق، حيث أصبحت الفضائح وسيلة لجذب الانتباه وتحقيق الأرباح.
وبناء على ذلك، يتراجع البعد الأخلاقي لصالح منطق السوق الرقمي الذي يقيس النجاح بعدد المتابعين والمشاهدات أكثر من قياسه بقيمة المحتوى أو فائدته للمجتمع.
وتؤكد أن ثقافة الفضائح تؤثر في منظومة القيم من خلال إعادة ترتيب الأولويات الاجتماعية، حيث يصبح الاهتمام بالإثارة والجدل أكثر حضورا من المحتوى المعرفي أو القيمي.
ومع التكرار المستمر، قد يعتاد المجتمع على تداول أسرار الناس وأخطائهم بوصفها مادة للترفيه، ما يؤدي إلى تراجع قيم الاحترام والتسامح والستر، ويعزز ثقافة الحكم السريع على الآخرين.
وقد يخلق ذلك بيئة اجتماعية ترى أن الشهرة يمكن تحقيقها عبر إثارة الجدل بدلا من الإنجاز الحقيقي أو العمل المنتج، بحسب إبراهيم. كما تؤكد أن التعرض المستمر للمحتوى القائم على كشف التفاصيل الشخصية قد يؤدي إلى تآكل مفهوم الخصوصية تدريجيا.
جوانب مشوهة تؤثر على جيل المراهقين
وتبيّن أن الأفراد، وخاصة الأجيال الأصغر سنا، قد يعتادون على فكرة أن الحياة الخاصة أصبحت متاحة للنقاش العام، وأن نشر تفاصيل الآخرين أمر طبيعي أو مقبول.
وتشير إلى أن هذا التحول يضعف الحدود الفاصلة بين المجالين العام والخاص، ويؤثر في قيمة احترام خصوصية الأفراد وحقهم في الحفاظ على حياتهم الشخصية بعيدا عن الاستغلال الرقمي.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في تأثيرها على التنشئة الاجتماعية للشباب والمراهقين، الذين ما زالوا في مرحلة بناء منظومتهم القيمية.
فعندما يرون أن الشهرة والنجاح المالي يرتبطان بالإثارة والفضائح أكثر من ارتباطهما بالعلم أو الإبداع أو العمل الجاد، فقد تتشكل لديهم تصورات مشوهة حول طرق تحقيق المكانة الاجتماعية.
حاجة ملحة لتعزيز الوعي الرقمي
ومن جهة أخرى، تعتقد إبراهيم أن هذه الظاهرة قد تعزز النزعة الفردية والسعي وراء الشهرة بأي ثمن، وتنمي سلوكيات التنمر الإلكتروني والتشهير بالآخرين. وعلى المدى البعيد، قد تضعف الثقة الاجتماعية بين الأفراد، لأن الجميع يصبح أكثر خشية من التعرض للتشهير أو استغلال الخصوصية لتحقيق مكاسب مادية أو معنوية.
وفي ختام حديثها، تؤكد إبراهيم أن انتشار ثقافة الفضائح عبر مواقع التواصل لا يقتصر أثره على الأفراد المستهدفين فقط، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله من خلال إعادة تشكيل القيم والمعايير المتعلقة بالاحترام والخصوصية والمسؤولية الأخلاقية.
وعليه، تبقى الحاجة ملحة إلى تعزيز الوعي الرقمي وترسيخ ثقافة الاستخدام المسؤول لوسائل التواصل، بما يحفظ كرامة الإنسان ويصون تماسك المجتمع وقيمه.