طوفان الإنترنت وتداعياته على المستوى الأكاديمي للطلبة*د. يحيى أحمد القبالي
الغد
يقف علماء النفس والتربويون في حيرة من أمرهم ولا يهتدون لحلّ ناجع إزاء التأثير الكبير لشبكة الانترنت ( الشبكة العنكبوتية) على حياة أفراد المجتمع بمختلف مستوياته وثقافته وتوجهاته وبخاصّة الأطفال منهم، فعلى مرّ تاريخ البشرية وخلال العصور الإنسانية المختلفة لم يحدث أن ترك أيّ تطور تكنولوجي آخر تأثيرًا في حياة الأطفال والمجتمعات بهذه السرعة والانتشار مثلما فعلت هذه الشبكة.
وتشير الدراسات: مع وصول الطفل الصف الأول الأساسي يكون قد قضى أمام شبكة الانترنت ما يعادل ثلاث سنوات دراسية من عمره على اعتبار أنه يتعامل مع الانترنت (3) ساعات يوميًا فقط، كما تشير الدراسات إلى أنّ العلاقة تكون طرديّة ما بين التعامل مع الشبكة العنكبوتية وتقدّم الطفل بالعمر، وبأنّ هناك ارتباط مباشر عكسي سالب بين كميّة الوقت (ساعات الانشغال) بشبكة الانترنت التي يقضيها الطلبة والدرجات التي يحققونها على الاختبارات التحصيلية، فكلما زادت ساعات الانشغال انخفضت هذه الدرجات.
كما أن للانشغال بالشبكة العنكبوتية آثارا على حركة الطفل وحرمانه من اللعب التلقائي، ونمو القدرة على القراءة والتحليل، بسبب الابتعاد عن الأداء اليدوي الفعلي الذي يؤثّر بدوره على النمو العقلي المعرفي والمهاري والانفعالي والاجتماعي والجسمي للطفل، كما أنّ هذا الانشغال يحدّ من اندماج الطفل بأقرانه واستثارة قدراته، فنجد الطفل أثناء انشغاله مستسلمًا لكافة المؤثرات الصوتية والمرئية المصاحبة لتجربة المشاهدة، حيث تعمل على تخديره ومن ثم ينشأ لديه صعوبات انتباه لما يدور حوله.
لا يسبب التعامل والانشغال بالشبكة العنكبوتية انخفاضًا لذكاء الطفل، وإنما العلاقة هنا ارتباطية وربما تكون سببية، فلقد أكدت الدراسات أن ّالأطفال المتفوقين عقليا والمتفوقين أكاديميًا أقل اعتمادًا أو انشغالاً بالشبكة العنكبوتية في المتوسط مقارنة بأقرانهم العاديين والمتأخرين دراسيًا وذوي صعوبات التعلّم.
يُجمع العديد من الباحثين على أنّ دوافع القراءة والكتابة ومهاراتها انحسرت لدى الأطفال الذين ينشغلون بالانترنت بشكل كبير، وأنّها حلّت محلها وأعاقت نموها، فالانشغال بالانترنت لا يتطلّب مجهودًا ذهنيًا مقارنة بالقراءة والكتابة التي تعتمد على عمليات عقلية معرفية كنطق الحروف، وفهم المعاني ومضامين النصوص، وإدراك العلاقات والمعاني اللغوية، والجلسة السليمة للكتابة ومسك القلم، والتآزر العقلي العضلي. يلاحظ المعلمون أنّ أغلب كتابات الطلبة بدءًا من المرحلة الأساسية وانتهاءً بالمرحلة الجامعية تميل إلى الافتقار الواضح للمهارات الأساسية للكتابة اليدوية والتعبير الكتابي، وأصبحت حياة الأطفال مليئة بالانشغال بالانترنت ولا يوجد وقت للملل أوالضجر والتي تُعدّ أحد محفّزات التفكير الإبداعي والتفكير الناقد وحل المشكلات، فلا وقت للطفل للتفكير والخيال خارج شبكة الانترنت، فالأفكار جاهزة وينحسر خياله مع ما يتوفر داخل الشبكة وحسب ما تقدّمة فقط.
علاقة اضطراب إدمان الشبكة العنكبوتية (الانترنت ) IAD على التحصيل الأكاديمي.
إنّ ما ينطبق على إدمان مشاهدة التلفاز فيما مضى قبل ظهور الشبكة العنكبوتية (الانترنت) ينطبق على إدمان هذه الشبكة العنكبوتية، ولربما يكون الأمر مضاعفًا نظرًا لتنوّع وتعدّد البرامج والتطبيقات، والحريّة الشخصيّة التي أصبح يتمتع بها الفرد بحيازة جهاز اتصال خاص به بعيدًا عن أيّ مراقبة وبخاصّة مراقبة الوالدين.
ويُعرّف اضطراب إدمان الانترنت: إنّه استخدام إشكالي قهري للإنترنت، مما يؤدّي إلى ضعف كبير في وظيفة الفرد في مجالات الحياة المختلفة على مدى فترة طويلة من الزمن، يتعرّض الشباب بشكل خاص لخطر الإصابة به.
لم تُعرّف منظمة الصحة العالمية أو الدليل التشخيصي الإحصائي للاضطرابات العقلية النسخة الخامسة (DSM-5) أو التصنيف الدولي للأمراض النسخة الحادية عشر(ICD-11). إدمان الانترنت، ولكن تمّ تضمين تشخيص اضطراب الألعاب الالكترونية في التصنيف الدولي للاضطرابات النفسيّة.
إنّ الجدل حول تشخيص إدمان الانترنت يشمل ما إذا كان الاضطراب كيانًا سريريًا منفصلًا أو مظهرًا من مظاهر الاضطرابات النفسية الكامنة.
لقد تناول البحث تعريفات موحّدة أو متفقا عليها مما أدى إلى صعوبات في تطوير التوصيات القائمة على الأدلة، ولم يحدّد نمطا سلوكيا معيّنا لمدمني الانترنت، فإن كان استخدام الانترنت يتعارض مع أو يعرقل سير حياة الفرد اليومية بأيّ شكل من الأشكال والمسارعة إلى الاتصال بالشبكة عند الشعور بالملل أو لتغيير مزاج فهذه بمجملها سلوكيات تدل على الإدمان.
ومن أشكال اضطراب إدمان الانترنت عند الأطفال والكبار: إدمان التسوّق الإلكتروني، وإدمان العلاقات الاجتماعية عبر الانترنت، وإدمان البحث عن المعلومات محط الاهتمام عبر الانترنت، وإدمان الألعاب عبر الانترنت.
التأثيرات السلبية لإدمان الإنترنت: التأثيرات النفسية، والتأثيرات الجسدية، والتأثيرات الاجتماعية، والتأثير على الأداء المهني أو الأكاديمي.
علاقة إدمان الانترنت بانخفاض التحصيل لدى الطلبة:
أثبتت الدراسات بأنّ هناك ارتباطا مباشرا عكسيا بين كميّة الوقت (ساعات المشاهدة) التي يقضيها الطالب بالانشغال بالانترنت، والدرجات التي يحققها في الاختبارات التحصيلية، فكلّما زادت ساعات المشاهدة انخفضت هذه الدرجات، حيث تقدّم شبكة الانترنت هروبًا من الواقع وتزييفًا له لا يقل عمّا تقدّمه المخدرات والكحوليات، فالشخص يمكن أن يعيش داخل خيالات مصطنعة تبعده عن الواقع من خلال البرامج التي تقدّمها الشبكة، متاثّرًا بما تثيره هذه البرامج من ضغوط نفسيّة ورفع لمستويات القلق، والتطلعات غير المنطقيّة التي لا يساندها جهد حقيقي لدى الأطفال والكبار.
وقد نتساءل كيف يمكننا وأطفالنا تقنين استخدام شبكة الانترنت في هذه البيئة المشحونة بتناقض الانفعالات؟
لا يمكن السيطرة بشكل من الأشكال السيطرة على استخدام الانترنت إلا بتضافر جهود الجهات المسؤولة عن تربية الطفل كالأسرة، والمدرسة، ووسائل التواصل المرئية والمسموعة وملء وقت الطفل بما ينمّي قدراته، والعودة إلى الأساسيات في مهارات القراءة والكتابة، وتوفير المواد المقروءة من قصص وروايات وصحيفة يومية والمسابقات والتعزيز المستمر بشقيه المادي والرمزي.. للطفل في المدرسة والبيت، والتوجه إلى ممارسة يومية لمهارات الكتابة، ووجود قدوة محببّة للطفل قريبة منه يحتذي بها .
ومن الأساليب المحفزة للطفل لحثه على قراءة القصص والكتب والمجلات داخل المنزل- وعلى سبيل المثال- وضع القصة المستهدفة على مكان بارز داخل المنزل وتوجيه أمر للطفل بعدم قراءتها لأنها تخص الوالدين فقط.. وبعد فترة وجيزة ستجد أن الطفل بفضوله قد قرأ هذه القصة أو الكتاب أو المجلة.
أما في المدرسة فيجب اللجوء إلى التعليم المدمج الذي يجمع بين الأدوات التكنولوجية( اللوح الذكي، وجهاز العرض...)، والأدوات التقليدية داخل غرفة الصف ( السبورة والطباشير، والقلم والممحاة والدفتر والكتاب.