تدهور صورة الكيان.. بين الحقائق والرد والدعم*إسماعيل الشريف
الدستور
«يجب أن ينتهي هذا الوضع، إنه ابتزاز، ويجب أن ينتهي. تحرير الرهائن بالقوة سيكون أكثر أمانًا من التفاوض على صفقة تسمح لحماس بالبقاء.» – ترامب
تتكاثر في هذه الأيام التسريبات والتقارير الصحفية والمواقف الدولية التي تُلحق ضررًا بالغًا بصورة الكيان. وكان أحدثها التحقيق المشترك بين صحيفة الغارديان البريطانية ومجلة +972 وموقع «لوكال كول» العبري، والذي كشف عن قاعدة بيانات استخباراتية صهيونية أظهرت أن خمسة من كل ستة فلسطينيين استُشهدوا في غزة حتى شهر أيار الماضي كانوا من المدنيين، أي أن سدس الشهداء فقط كانوا من مقاتلي حماس. وهذا الرقم لا يساوي سوى نصف ما كان الكيان قد أعلن عنه سابقًا. والأخطر أن تقارير الكيان نفسها تستند إلى أرقام وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، وهي الأرقام التي طالما كذّبها الكيان والولايات المتحدة على حد سواء.
كما خرجت تسريبات منسوبة إلى أهارون هليفا، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الصهيونية «أمان»، تعود إلى شهر آذار 2024، برّر فيها قتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، إذ قال نصًا: «لكل إسرائيلي يُقتل يجب أن يُقتل خمسون فلسطينيًا مقابلهم، بغضّ النظر عمّا إذا كانوا أطفالًا.» وهذا التصريح ليس مجرد زلة لسان فردية، بل انعكاس لتيار ديني وفكري متشدد، وتجسيد لاستراتيجية سياسية وعسكرية ممنهجة.
ويظهر اثنان من المرتزقة الأميركيين العاملين فيما يُسمّى بـ»مؤسسة غزة الإنسانية»، يعترفان بأن الجيش والمرتزقة الأميركيين يتحمّلون المسؤولية المباشرة عن استهداف المئات من الفلسطينيين الجياع بإطلاق النار العشوائي عليهم. وفي هذا السياق، تؤكد الأمم المتحدة أن قطاع غزة يواجه المرحلة الأشد قسوة من المجاعة، وأن هذه المجاعة ليست كارثة طبيعية، بل من صنع الإنسان.
ونتيجة للمظاهرات الشعبية التي تجتاح شوارع أوروبا وأستراليا، والتي مارست ضغوطًا كبيرة على حكوماتها، بدأت الانتقادات تصدر من أقرب حلفاء الكيان. فقد أعلن الصندوق السيادي الدنماركي سحب استثماراته من الكيان، كما أوقفت ألمانيا تصدير السلاح إليه. وخلال جلسة برلمانية بريطانية في 22 يوليو، صرّح وزير الخارجية ديفيد لامي قائلًا: «أعتقد جازمًا أن أفعال الحكومة الإسرائيلية تُلحق ضررًا هائلًا بمكانة إسرائيل عالميًا.» وغير ذلك من المواقف المتصاعدة التي تعكس تحوّلًا متناميًا في مواقف الحلفاء.
ويفشل الإعلام الصهيوني، ومعه الإعلام العالمي الموالي له ــ الذي يُعدّ من أهم أدوات الكيان الناعمة ــ في التصدّي لهذه التقارير والتسريبات والتحوّل في مواقف الحلفاء. وقد اعترف مجرم الحرب نتن ياهو نفسه بفشل الإعلام الصهيوني والإعلام الموالي له في ترميم صورة الكيان المتدهورة. وكان المنطق يقتضي أن يسعى الكيان إلى تحسين صورته الإعلامية عبر إيقاف المجزرة والسماح بدخول المساعدات الإنسانية، لكنه بدلاً من ذلك أنكر جميع هذه الاتهامات، ثم شنّ هجومًا على أقرب حلفائه، مذكّرًا ألمانيا بفترة النازية، ومتهمًا هذه التصريحات بأنها تصب في خدمة «الإرهاب» وتشكل «مكافأة لحماس». كما استدعت الخارجية الصهيونية سفراء تلك الدول وقامت بتوبيخهم.
وضغط مجرم الحرب نتن ياهو على وسائل التواصل الاجتماعي للتأثير في الخوارزميات، فظهرت تسريبات لوثائق كشفت أن منصتَي إكس وفيسبوك قيّدتا بالفعل منشورات مناهضة للكيان أو متعاطفة مع مأساة أهلنا في غزة. ولم يكتفِ نتن ياهو بذلك، بل تجاوز إلى حد ارتكاب جريمة اغتيال الصحفيين، وكان آخرها في مجمع ناصر الطبي حيث أعدم أربعة صحفيين دفعة واحدة، في محاولة لتكميم الأصوات وتخويف الصحفيين من أداء رسالتهم.
وما كان مجرم الحرب نتن ياهو ليجرؤ على هذه الغطرسة والتحدي وعدم المبالاة لولا الدعم الأميركي، إذ يراهن دائمًا على «الأخ الأكبر» لتعويض خسائره المادية والمعنوية. فعلى سبيل المثال، كتب السفير تشارلز كوشنر ــ والد جاريد كوشنر وسفير الولايات المتحدة لدى فرنسا ــ رسالة مفتوحة إلى الرئيس ماكرون، نُشرت في صحيفة The Wall Street Journal، أعرب فيها عن «قلقه العميق من الارتفاع الحاد في معاداة السامية في فرنسا»، متهمًا الحكومة الفرنسية بالتقاعس عن اتخاذ خطوات كافية لمواجهتها. كما أشار إلى أن تصريحات باريس النقدية لإسرائيل، وسعيها نحو الاعتراف بدولة فلسطينية، «تشجع المتطرفين، وتغذي العنف، وتعرض حياة اليهود للخطر.»
وجاءت الرسالة متزامنة مع الذكرى الحادية والثمانين لتحرير باريس ووقف ترحيل اليهود إلى معسكرات النازية، في استدعاء رمزي لماضٍ مأساوي. لكن فرنسا رفضت هذه الرسالة وأدانتها، لتخرج بعدها وزارة الخارجية الأميركية مسرعةً لدعم السفير الأميركي هناك.
فلِسان حال نتن ياهو يقول: من كان له حليف كالولايات المتحدة، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.